Home / الآخر / الرحلة 301 / Chapter 111 - Chapter 120

All Chapters of الرحلة 301: Chapter 111 - Chapter 120

124 Chapters

111

تجمّع الشباب من جديد بعد طول شتات، وهذه المرة كانت الأنفاس تلتقي داخل شقة وليد، حيث تسللت إلى قلوبهم المجهدة رائحة الذكريات الدفيئة التي لا تُنسى؛ ذكريات أيامهم الخوالي في منزل أيمن، حين كانت فكرة "العودة إلى الوطن" هي قضيتهم الكبرى، وشغلهم الشاغل، وأملهم المشترك الذي يغذونه بالدموع والدعاء. لكن جلسة الليلة كانت مختلفة، ذات طابع خاص؛ فقد انضم إليهم وجهان جديدان تماماً على المجموعة القديمة: جيلان وأمجد. لم يكونا في أعين الحاضرين مجرد ضيوف عابرين، بل كانا تحديداً في نظر بهاءتجسيداً حياً وباهراً لمعاني الوفاء النادر والتضحية الأسطورية التي أنقذت الحب من الضياع. استرخى يوسف في جلسته فوق الأريكة، ورمق حسن بنظرة مازحة تلمع بالخباثة الأخوية، وسأله مغمزاً - إيه يا أبو علي؟ طمنا.. أم العيال استقبلت العروسة الجديدة إزاي؟ الأجواء ولعت ولا مسيطر؟ هز حسن رأسه بأسى مضحك، وضغط على كفيه كأن السؤال قد نكأ جرحاً نازفاً في كبريائه - اسكت يا يوسف ولا تسألنيش… أنا عايش في مرستان رسمي والله.... أم العيال ساكتة بس عشان كلام الناس والمظاهر، وعايشة في دور الست المظلومة المكسورة المقبوضة، لكن في الكواليس
Read more

112

إنت مجنون رسمي؟.... إنت واعي للّي بتقوله؟ عاوزني أفسخ خطوبة بنتي قبل فرحها بأسبوع واحد… وأجوزها لك إنت؟ بأي عين جايب البجاحة دي كلها؟ كانت تلك الكلمات كصفعة مدوية وبترت هدوء الصالة، خرجت من فم عاطف بصوت جهوري مضطرب، اختلطت فيه حدة الغضب العارم بذهول الصدمة التي شلت تفكيره. وقف الرجل الأربعيني يتأمل بهاء الذي اقتحم منزله فجأة، دون سابق موعد أو إنذار، واعتلى صوته كأنه قادم من معركة حامية الوطيس، لا يعرف أحد من الحاضرين إن كان قد خرج منها منتصرًا رافع الراية، أم مهزومًا يلم شتات نفسه. في المقابل، كان أمجد يجلس على طرف مقعده متوترًا كجمرة تشتعل، وقد شحب وجهه تمامًا وانسحبت منه الدماء، بينما اشتعلت عيناه بنيران غيرة عمياء وغضب حارق كاد يفتك بضلوعه. لم يحتمل الصمت طويلاً، فنهض واقفًا بعنفوان خطيب جُرحت كرامته، واقترب من بهاء بخطوات هجومية، لتتطاير كلماته من بين أسنانه كالسكاكين المسنونة - إنت مين أصلاً يا ابني؟ وتطلع لك صفة إيه عشان تدخل البيت ده؟ وإزاي تتجرأ من أساسه وتطلب خطيبتي ؟ فين دمك وفين رجولتك؟.. ده فرحنا وكتب كتابنا كمان أسبوع..... جاي تقولي في الآخر كل شيء نصيب؟.. ده مش نصيب ي
Read more

113

استقرت حياتها شيئًا فشيئًا، وعادت إلى ممارسة عملها في عيادتها وهي تحمل بين ضلوعها ما يشبه السلام الداخلي السكيب... أما الأهم والأثمن في رحلتها تلك، فهو تلك الثقة المفقودة التي استردّتها أخيرًا بنضجٍ وعزم، بعد أن سرقها منها زيف الوعود وخذلان المقربين. عادت لها حرارة القلب العطوف، وعاد الدفء يكسو أيامها الرتيبة، لكنها في سريرة نفسها لا تنكر أبدًا… أنه من آنٍ لآخر، تتسلل إليها أشواقها الغامضة لأيام كالاتيا البعيدة، ولذلك الرفيق الغريب، الهادئ، الذي خفّف عنها بحضوره عبءَ الليالي الطويلة المظلمة. ليالٍ لم تكن تعرف لها وصفًا دقيقًا حتى الآن... أكانت جميلة بلمساتها أم عصيبة بمخاوفها؟ هينة في وقعها أم قاسية في شروطها؟ هي فقط تعرف بيقين أن لياليها هناك لم تكن تنتهي بسهولة، بل كانت تسحب من روحها الكثير. كانت تغرق في شرودها العميق، تنبش بأصابع ذاكرتها في تفاصيل تلك الأيام الخوالي، حين دوى صوت طرقات حادة، مباغتة، على باب العيادة، أعقبها مباشرة دخول الشخص الذي طالما تمنّت من أعماق قلبها أن تمحوه من ذاكرتها تمامًا، أن يُمحى من تاريخ حياتها كليًا كما تُمحى الأحلام السيئة والكوابيس المزعجة عند الصحو
Read more

114

كان وليد واقفًا هناك بملامحه الواثقة، وبجواره رجل وقور، يبدو في أواخر الخمسينات من عمره، يعلو وجهه خطوط الزمن وملامح هادئة، لكن عينيه الحائرتين كانتا تبحثان بشغف جارف وتوترٍ خفي بين جنبات المكان، كأنما يبحث عن أثمن شيء ضاع منه منذ سنوات طويلة. وقبل أن تتفوه جيلان بكلمة ترحيب واحدة، اخترق صمت المكان صرخة مفاجئة حادة، صرخة امتزجت فيها لوعة الدهشة بأشواق الحنين الجارف - بـابـا ارتمت رزان كطفلة صغيرة أضلت طريقها لسنوات في حضن الرجل الوقور؛ كانت تلهث، وتبكي بنحيب حار، وتحتضنه بكل ما أوتيت من قوة بين ذراعيها، وكأنها تخشى بكل جوارحها أن يختفي أو يتبخر كسراب إن هي أغمضت عينيها لثانية واحدة. احتضنها الأب هو الآخر بنفس القوة والاشتياق، وضمها إلى صدره كأنه يسترد روحه الضائعة، وجعل يربت على رأسها بحنو أبوي بالغ، ويهمس في أذنها بكلمات دافئة غير مسموعة، كأن كل تلك السنوات العجاف الماضية من الفراق والبعد قد اختُزلت وتلاشت تمامًا في هذا الحضن الواحد الحنون. قالت رزان من بين دموعها المنهمرة، بصوت متهدج هز قلوب الحاضرين - وحشتني يا بابا... وحشتني أوي، كنت فين طول السنين دي ساد الصمت المطلق في ال
Read more

115

جاء دوره أخيرًا… دلف إلى مجلس الحاكم "ابن القمر" بخطى متمهلة واثقة، ولكنها كانت تحمل بين طياتها من الصلف والوقاحة ما لا يُطاق ولا يُحتمل. ملامحه كانت جامدة كصخرة قديمة، ونظراته الزائغة لم تطرق الأرض احترامًا لهيبة المكان، بل كانت تواجه كل ركن بتحدٍّ فجّ ومستفز، وكأن الجدران العتيقة نفسها تُهينها عيناه الخبيثتان. عليان، الجالس في صدر المجلس بوقاره المعهود وهيبته المستمدة من أسرار الأجداد، لم يتحرك أنشًا واحدًا. كانت عيناه الثاقبتان تراقبان الداخل بنظرة حذرة فاحصة؛ لم تكن نظرة خوفٍ منه بأي حال، بل كانت تحسبًا وتقييمًا لما قد يجرّه وجود هذا الكائن من ويلات ومصائب. كان يعرفه جيدًا… يعرف أن هذا الرجل تحديدًا لا يعرف للندم طريقًا، وأن جدران السجن التي غُيب وراءها لم تكن سوى استراحة مؤقتة لطبع خبيث يزداد مع العزلة سوادًا وشراسة. نعم… إنه "مديد"، عم جنات، الطاغية الذي سرق ماضيها العذب بدم بارد، ويحاول الآن بكل ما أوتي من مكر أن يلوث مستقبلها النقي. وقف مديد أمامه في منتصف القاعة، رأسه مرفوعة بصلف، وعيناه تشعان وقاحة وتحديًا سافرًا، ثم نفث كلماته بجرأة لا يعرفها سوى من اعتاد الظلم وتشربت رو
Read more

116

راقب زياد خروجها المفاجئ والسريع من الغرفة، ولاحظ بنظرته الفاحصة كيف سُرقت البهجة العفوية من ملامحها في لحظة عابرة كأنها غيمة سوداء حجبت ضياء وجهها. لم يكن يدري على وجه التحديد ما الذي تبدل في الأجواء ليقلب حالها هكذا، لكن إحساسًا غامضًا بالضيق والوجوم تسرّب إلى صدره هو الآخر دون استئذان؛ كأن شيئًا أساسيًا في غيابها المفاجئ أخلّ بتوازنه النفسي، وكأن الفراغ البارد الذي خلفته وراءها في أركان الغرفة صار صاخبًا ومربكًا أكثر من وجودها الصامت العذب. اعتذر بلباقة من ليلى التي كانت تجلس إلى جوار الحاجة سمية، تغزل معه أطراف حديث ممتد بدا فاتنًا ومشوقًا لمن يراقبهم من بعيد، ثم نهض في عجل كمن أُخرج قسرًا من دفء اللحظة ليُلقى في برد القلق والترقب، وخرج يخطو في الممر الطويل يبحث عنها بعينين ق لقتين تضجّان بالأسئلة الحائرة. لم تمضِ سوى بضع دقائق من البحث في ممرات المستشفى الهادئة حتى وجدها أخيرًا. كانت واقفة وحيدة أمام إحدى النوافذ الزجاجية الكبيرة في نهاية الممر الطويل، يلفّها صمت كثيف وموحش كأنه رداء شفاف يُخفي تحت طياته ما لا يُقال من لوعة وانكسار. عيناها اللامعتان بطيف دموع محبوسة كانتا معلّ
Read more

117

استفاقت جلنار على قشعريرة سرت في جسدها إثر برودة الفراش الخالي بجوارها. مدّت يدها الرقيقة تتحسّس الفراغ المخملي، تبحث بأصابع مرتجفة عن بقايا دفء غادرها باكراً، كمن يرجو جرعة أمان لم تجدها. تنهدت بلوعة، ثم نهضت ببطء شديد، تحاول أن توقظ عزيمتها المنكسرة لتواجه يوماً آخر تبدأه في بيت بارد، غريب، لا ينتمي لقلبها ولا يعترف بوجودها. خرجت من الغرفة متجهة إلى الصالة بخطوات متهيبّة، لتلتقي بوجه الأزمة الصارخ... وفاء. ألقت جلنار عليها تحية الصباح بصوت خافت، رخيم، يحمل نبرة رجاء صامت لسلام لم تذق طعمه هنا. لكن وفاء لم تكلف نفسها عناء الرد؛ بل اكتفت بتوجيه تلك النظرة السامة، مسحت تفاصيل جلنار من رأسها حتى قدميها باحتقار فجّ، كأنها تتفحص كائناً أدنى مرتبة من البشر. سارت وفاء خطوتين للأمام بصلف، قبل أن تستدير فجأة كأفعى تتهيأ للفتك، وصرخت بها بحدة جارحة مزقت سكون الصباح - ادخلي يا مدلّعة يا ست هانم.... المطبخ وراكِ عايز يتشطب ويدعك من أول وجديد، وفي جبل هدوم ملقى عالغسالة اغسليه وانشريه، واعملي حسابك في غدا تقيل... أنا رايحة عند ماما أشوفها، وساعتين وراجعة، ألاقي كل شبر في الشقة بيبرق... أنا مش
Read more

118

رَفّت عيناها بذعر مبهوظ وذهول شلّ تفكيرها. تابع الأب ضاحكًا وهو يغمز لوليد - ونسيّت أقولك كمان... إنه هو اللي هيوصلنا بنفسه لبيت عيلتنا علشان يتعرف على إخواتك الكبار. رفعت رزان يدها نحو صدرها وضغطت عليه بقوة، وكأنها تتحسّس قلبها المتمرد، لتتأكد بيقين أنه لا يزال ينبض في مكانه ولم يغادر ضلوعها من فرط الصدمة. أضاف والدها بنبرة ذات معنى - ونسيّت أقولك الكبيرة بقى... إنه من يومين بقى صاحب أخوكي رامي جدًا... والاتنين قضوها مكالمات وكانوا بيتكلموا عنك وعن تفاصيلك طول اليوم انطلقت ضحكات الحاضرين ممتزجة بالفرحة... إلا رزان..... لم تكن في وعيها لتضحك... كانت تذوب، تتلاشى، وتنصهر كقطعة سكر وسط فيضان مشاعرها. كان فمها مفتوحًا بغير تصديق، عيناها تائهتين في تفاصيل ملامحه الوسيمة، وداخل جوفها تدور أعاصير وآلاف المشاعر المتضاربة... دهشة صعقتها، فرحة عارمة خلعت قلبها، ارتباك أنثوي ساحر، دموع محبوسة أبت أن تنزل، ونبضات عنيفة ترتجف وتضرب صدرها كطبل حرب. تقدّم وليد منها بخطوات واثقة، متزنة كعادته، وعيناه تشتعلان بشغف وهيام لا يفارقان وجهها الشاحب، ثم انحنى قليلاً وقال بصوت منخفض، أجش، يحمل ذبذبا
Read more

119

استفاقت الجزيرة مع أول خيوط الفجر الواهنة على فاجعة مروعة تقشعر لها الأبدان، وتجمدت الدماء في عروق كل من شهدها... لم يكن صباحًا عاديًا، بل كان مستهل يومٍ كئيب حطّ بثقله فوق الصدور، حين تراءى للصيادين جسد طافٍ ينكفئ على وجهه فوق سطح المياه الراكدة؛ جسد مشوه المعالم، منتفخ ومحتقن بك كأن البحر غضب منه فلفظه إلى السطح بعد أن استهلكت أمواجه العاتية كل رمق فيه. تقدم أحد الرجال الأشداء بحذر شديد، تخترق خطواته الوجلة حاجز الصمت المطبق الذي خيّم على الشاطئ، مادّاً يده المرتجفة ليجذب الجثة الهامدة نحو الرمال. وما إن نجح بمشقة في إخراجها وتقليبها على ظهرها، حتى تراجع إلى الخلف بذعر وهلع، سقط على ركبتيه، وصرخ بصوت حاد مزق سكون الفجر - إنه مـديـد! يا لَلْهَوْل... إنه مديد انتشر الخبر المفزع بين العائلات كالنار في الهشيم، يتناقله الناس بهمس ذعور، حتى وصلت الكلمات الصادمة إلى مسامع الحاكم "عليان". كان واقفًا في هيبته المعتادة، شاردًا بذهنه أمام أفق البحر اللامتناهي، وعيناه الثاقبتان ترقبان حركة الأمواج بكبرياء، كأنما كان يستشعر بحدسه القيادي أن خطبًا جللًا قد وقع، أو كأنه كان ينتظر هذه النهاية تح
Read more

121

كانت خطواتها هادئة فوق الأرض الخشبية، وئيدة، لكنها كانت تحمل في طياتها الخفية شيئًا من التوتر اللامرئي، ذلك الذي لا يلمحه العابرون وإنما يزلزل الوجدان. أمسكت مي بحقيبتها الجلدية الصغيرة بأصابع مرتجفة، تأكدت برعشة سريعة من وجود مفاتيحها ومحفظتها، ثم أخذت نفسًا عميقًا ورفعت صوتها الناعم قليلًا وهي تمر بجانب غرفة الجلوس الدافئة، علّها تخفي بحروفها اضطراب نبضها - أنا طالعة يا تيتة... محتاجة مني أي حاجة وأنا راجعة؟ لم تنتظر الرد؛ إذ كانت دقات قلبها تستعجلها للرحيل، فامتدت يدها الرقيقة لتُمسك بمقبض الباب المعدني البارد... لكن، ما إن لامسته أناملها الغضة، حتى سرت قشعريرة مباغتة في جسدها، وشعرت بأن ثمة ثقلاً مقاوماً وحضوراً طاغياً يقف خلفه مباشرة. كان الباب لا يفتح، كأنما هناك قوة خفية تحجبه عن العالم. في تلك الأجزاء من الثانية، تجمدت اللحظة تماماً، وتراجع نفسُها الخائف للخلف خطوة متهيبة، قبل أن تدرك بحسها الأنثوي أن شخصاً ما يقف بالخارج مستنداً بكليته على الباب. وما إن فُتح الباب جزئيًا، وتسلل منه خيط الضوء الخارجي، حتى ارتبك نبض قلبها ارتباكاً عنيفاً، وهو ارتباك المفاجأة الممتزج بالصدم
Read more
PREV
1
...
8910111213
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status