Home / الآخر / الرحلة 301 / Chapter 81 - Chapter 90

All Chapters of الرحلة 301: Chapter 81 - Chapter 90

124 Chapters

البارت الحادى والثمانين

انتهت مراسم زفاف يوسف ومشمشة، فبقت في الأجواء أصداء بهجته كلوحةٍ زاهية تشع دِفئًا، أضفت عليها البساطة الآسرة بريقاً ملهبًا عزّ نظيره. لم يتخلف عن المجيء معظم سكان الجنوب، حتى الأمير فراس، ولي عهد كالاتيا، حضر متخليًا عن هيبة العرش ومظاهر الرسمية الصارمة، فامتزج بين عامة الناس بوجهٍ بشوش صبوح وقلبٍ نابض بالحب. كان الاحتفال أقرب إلى ملحمة فرح شعبية تزاوج فيها صخب الرقص، مع حنين الأغاني القديمة، وآمال الغد الواعد. وفي طريق العودة، حيث انفضّ السامر وهدأت الأصوات إلا من همس الموج، التقى بهاء بجنات عند الممشى الحجري العتيق المتاخم لساحة الجنوب. التفت إليها يبتسم ابتسامة خفيفة عذبة لم تخلُ من أثر التعب الساكن في عينيه، فبادلته نظرة سريعة، خاطفة، قبل أن تسأله بهدوء يغلف قلقًا خفيًا - وصلتوا لأي حاجة في موضوعنا؟ هز بهاء رأسه بيأس مرير، وتنهد بثقل كأن الهموم التي توقر عاتقه تجاوزت حدود احتماله - لسه… الجماعة ما وصلتش لنتيجة حاسمة من التحليلات، والزفاف طبعًا وقف الشغل واستهلك الوقت شوية… بس أدهم بيطمني وبيقول إنهم قربوا يخلصوا خلاص. أومأت له بتفهم واهتزازة خفيفة من رأسها، ورمقته بنظرةٍ مفعم
Read more

البارت الثانى والثمانين

انتهى الجميع أخيرًا من تحليل الصخور... كانت ساعات طويلة، مريرة، من الفحص المضني والتجربة المكررة؛ مزيجٌ خانق من الأمل الواهن والشك القاتل، ومن العرق الذي تصفّى متصببًا فوق زجاج الأجهزة المعملية، والعقول المنهكة التي كادت أن تنفجر من فرط التركيز واستجداء المعطيات. وقف بهاء في زاوية الغرفة المعتمة، يراقب الأوجه المُرهقة الشاحبة التي لوّحتها خيبة الأمل. دسّ يديه في جيبيه بقوة، لكنه كان يشعر ببردٍ صقيعي ينهش عِظامه، رغم الدفء الخانق الذي يملأ الفضاء المحيط. شيءٌ ما في أعمق نقطة بداخل صدره كان يرتجف بعنف... كان ذلك النبض الأخير للأمل وهو يوشك أن يلفظ أنفاسه ويموت. تبادل الجمع النظرات في صمتٍ مريب؛ أحدهم تهرب بعينيه خشية المواجهة، وآخر شرد في الفراغ واللاشيء، يحدّق بوجوم كأنه يحاول أن يستنطق العتمة ويرى فيها مخرجًا أو حقيقة لم توجد قط. أما أدهم، فقد كان أول من امتلك الشجاعة ليمزق هذا السكون، فتكلم بصوته المبحوح، الخافت والمحبط، الذي خرج كحشرجة الموتى - مفيش جديد… الصخور اللعينة دي ما فيهاش مفتاح اللغز، كل الأبحاث واصلة لطريق مسدود. تعلّق الصمت في الجو؛ صار كثيفًا، لزجًا، وثقيلاً كقطران
Read more

البارت الثالث والثمانين

كم آلمته تلك الكلمة الجائرة، كأنها خنجرٌ مسموم غُرس في أعمق نقطة بقلبه بلا أدنى رحمة؛ راحت تنهش بغضب عارم في خلايا جسده المثقل بالغيرة، وتهمس له بسخرية سوداء أن امرأة أحلامه كانت يوماً لغيره، وأن حصون قلبها ما زالت تؤوي بقايا وأطياف رجلٍ آخر غيره. ما لم يعلمه ذلك العاشق المكلوم، وما عجزت هي عن صياغته بحروف منمقة، أنها لم تذق طعم العشق الحقيقي ولم تعرف ماهية الهوى إلا من خلاله هو وحده، وأنها لم تهب نبض قلبها وطهارة روحها لسواه، وأن كل ما تفعله من مناورات وصد وتمنع ليس إلا لهو طفلة تائهة خائفة، تبحث عن الأمان وسط اختباراتها المتكررة لمدى تمسكه بها. تنفّس هو بعمق حارق، محاولاً بكل كبريائه الجريح أن يُخفي عاصفة مشاعره الهوجاء خلف قناع متقن من البرود والجماد؛ اقترب منها ببطء قاتل حتى شعرت هي باختلاط أنفاسه اللاهبة بجسدها، وبحرارتها تلامس منحنى أذنها، ثم همس بصوت أجش يقطر ولهًا مخفيًا - أنا مقدرش أرفضلك طلب... خدي وقتك براحتك خالص، وأنا هعرف إزاي أستنى. استدار بهدوء وثبات مصطنع، يخبئ اشتعاله وثورته الداخلية بين خطواته المتباعدة، بينما هي كادت ركبتاها أن تخوناها وتنهار أرضًا من مجرد فيضا
Read more

البارت الرابع والثمانين

رغم موافقته المتحفظة والباردة على طلبها الليلة الماضية، لم يظهر منه أي ملمح غضب أو تبرّم يشي بضيق صدره، بل بدا كمن استسلم للأمر برحابة صدر غريبة أثارت ريبتها، أو ربما كان كعادته يُخفي خلف ذلك القناع الصارم ما لا يُقال وما لا يمكن التنبؤ به. تمدد بجوارها على الفراش الواسع، مستلقيًا على ظهره، يحدق في سقف الغرفة الغارقة في العتمة، يتنصت لإيقاع أنفاسها المتلاحقة التي بدأت تهدأ تدريجيًا حتى ظن أنها غرقت أخيرًا في نومٍ عميق. تحرّك بعدها بحذر وهدوء شديدين، زاحفًا نحوها كطيف يخشى إيقاظ غزالته، حتى التصق بجسدها تمامًا من الخلف، وأحاط خصرها بذراعه القوية محتضنًا إياها بتملّك وعنفوان هادئ. تصلّبت نهى في مكانها تحت وطأة قربه المباغت، واحتبست أنفاسها المرتجفة في صدرها، تبذل قصارى جهدها ألا تفضح يقظتها أو تذبذب دقات قلبها التي أصبحت مسموعة. لكنها، وعلى غير المتوقع، لم تتزحزح من مكانها، ولم تبدِ أي مقاومة تذكر لضمته؛ بل سرى في أوصالها خدر دافئ غريب. دفن عمر وجهه في تجويف عنقها، مستنشقًا عبير شعرها المتناثر، واستسلم للنوم سريعًا في راحة تامة، كأنه وجد ملاذه الضائع وأمانه هناك بين ثنايا جسدها. أما
Read more

البارت الخامس والثمانين

– أكيد طبعًا زعلان ومتكدر إن زياد موصلش لحاجة واضحة تحت المية... قالتها رزان وهي تواجه وليد بنبرة خفيضة يغلب عليها القلق والترقب، بعد أن تناهت إلى مسامعها تفاصيل ما حدث على الشاطئ، وظلت عيناها معلقتين بملامحه تنتظران رد فعله الحقيقي. ابتسم وليد بهدوء ووداعة غريبين، وهز رأسه قائلاً بيقينٍ أدهشها – هتصدقيني لو قلتلك إن الموضوع بالنسبة لي عادي جداً ومفيش زعل؟... أنا لو بدعي ربنا ليل نهار إننا نرجع لمصر، فده مش علشاني أنا، ده علشان خاطر بهاء وراغب وحسن وهاميس... دول بالذات أكتر ناس مكسورين ومحتاجين يرجعوا لحياتهم وناسهم في أسرع وقت. ترددت رزان لوهلة، وكأنها تزن كلماتها بميزان من ذهب قبل أن تنطق بها، ثم سألت بلهجة استنكار عفوية مفعمة بالدهشة والفضول الأنثوي – يعني عاوز تفهمني إنك مش ملهوف ترجع وتصالح مراتك وتلم شملكم تاني؟ انطلقت من جوف وليد ضحكة ساخرة مريرة، أقرب إلى حشرجة رجل خُذل في مقتل وتبددت أوهامه، ثم قال بنبرة تكسوها سخرية لاذعة تقطر قهرًا – أصالح مراتي؟ دي بقت خلاص من تامن مستحيلات الكون يا رزان.... دي لو حياتي واقفة ومقسومة على شُربة مية واحدة من إيديها، مش عاوزها ويموت عط
Read more

البارت السادس والثمانين

- زيـــــــــــاد...... زيـــــــاد… لو سامعنا رد علينا.... إحنا هنا ​كان كل صوت يرتفع بمثابة طوق نجاة يُلقى في المجهول، وكل شعلة كانت وعدًا صامتًا يقطعه الرفاق: لن نعود أدراجنا إلا بك. ​استغرقت رحلة البحث المضنية أكثر من ثلاث ساعات متواصلة من العناء الجسدي والنفسي؛ تجولوا خلالها بين المنحدرات الصخرية الحادة والرمال الرطبة، واقتحموا ثنايا الأمواج والممرات الضيقة، يشعلون الشعلات كأنهم يشعلون أرواحهم، ويهتفون باسم زياد حتى بحّت الحناجر تمامًا وخارت القوى. ومع ذلك… لم تنطفئ في مآقيهم شرارة الأمل الأخيرة. رغم تعب الأجساد، ورعشة الأصابع التي أنهكها البرد، وتناقص نور الشعلات التي أوشكت على الانطفاء… ظلّوا يبحثون بعناد. ​وفجأة… كأن البحر استجاب لنداء القلوب وقرر أن يُعيد ما سلبه غدرًا. من بين تماوجات المياه الهادئة والضباب الخفيف، ظهر كائن غامض… ظل يتمايل للحظات فوق سطح الماء، ثم، وبصعوبة بالغة، لوّح بذراعه المرتجفة في الهواء! ​صمتت الأصوات فجأة.... توقفت الأنفاس في الصدور..... واتسعت الأعين على اتساعها بذهول، تتطلع في رهبة وقداسة نحو ذلك الظلّ الآتي من عمق الغياب السحيق… - زيــــــاد
Read more

البارت السابع والثمانين

نظر إليه الجميع بدهشة عقدت ألسنتهم، ثم بدأت الابتسامات ترتسم ببطء شديد على الشفاه الباهتة، وتسللت ملامح الراحة والسعادة القصوى إلى وجوههم الشاحبة… سيعودون أخيرًا إلى موطنهم وأرض مصر. أخيرًا… سينتهي كابوس النفي والجزيرة. ​لكنّ نظرات يوسف وبهاء لم تكن تحمل فرحة مجردة كالبقية… بل كانت نظرات مليئة بعلامات استفهام سياسية وعسكرية معقدة وأسئلة جوهرية لم تُطرح بعد وسط هذه المعمعة. ​ترددت ليلى بشرود تام وهي تحدق في المدى البعيد وراء النافذة، كأنها تحاول أن ترى وجه شقيقها من بين طيات الغياب والمسافات، وقالت بنبرة حالمة – يعني... إحنا بجد هنرجع تاني لمصر؟ وهشوف شادي أخويا وأضمه؟ قالتها كمن لا يصدق واقعية الكلمات، كأن الحلم بات أكبر من قدرة عقلها على التصديق والاستيعاب. ربتت عليها سعاد بحنان دافئ وأمومة بالغة، بينما لا تقل سعادتها الشخصية عن سعادة ليلى؛ إذ كانت ابتساماتها ممتدة لتضيء عينيها المتعبتين. ​أما هاميس، فقد خرجت كلماتها المتهدجة من سويداء قلب طفل صغير استيقظ لتوه من كابوس مرعب طال ليله – أنا حاسة إني بحلم يا جماعة... أخيرًا الكابوس المرعب ده هينتهي وهقفل صفحته... هرجع لحضن بابا وأ
Read more

البارت الثامن والثمانين

كان هناك اختلاطٌ عنيف، كاسح في المشاعر يعصف بأعماقها... كأن روحها باتت عليلة، عالقة بين مدٍّ وجزرٍ بربري لا يرحم، فلا تدري في أي اتجاه تُسحب، وإلى أي مصير تُساق... كانت تتأرجح بعنف بين بهجةٍ مشتهاة، بهجة العودة والوطن التي تراود مخيلتها كطفلة صغيرة ضاعت عن أمهّا وسط زحام غريب وتتلمس طيفها، وبين يأسٍ أسود يُنهك نياط القلب، ينهش في أملها بلا هوادة أو شفقة. لم تعد تدري أين تكون نهاية هذه الدوامة المطبقة، ولا هي تملك تلك الشجاعة المتمرسة التي يُفترض بها أن تمنح القرار المصيري وزنه وقيمته. كل ما كان يحيط بها في قاعة النقاش صاخبًا ومزعجًا... أصوات متداخلة تخترق الرؤوس، نقاشات محتدمة تكاد تلامس سقف التلاسن، أعين متوجسة تُحدّق في الفراغ، وأصابع اتهام تتبادل الملامة في كل زاوية. لكن، في أعمق نقطة بداخلها، كان ثمة سؤالٌ واحدٌ غائر… يتردد بصمتٍ وبحُبحَة مأساوية، يؤلمها وينخر عظامها أكثر من كل هذا الهرج والصياح – ما القرار المناسب؟ أأرحل وأترك قلبي هنا، أم أبقى وأموت حنينًا هناك؟ وفجأة، كأن صوت مخاوفها الدفين قد خرج من فمٍ آخر ليمنح الصمت صك الاعتراف… انطلق الكلام على لسان سالي؛ كان صوتها مرتج
Read more

البارت التاسع والثمانين

التفّ الجميع في حلقة ضيقة خانقة حول زياد، كانت العيون جاحظة ومشدودة نحو تقاطيع وجهه، والآذان مُشرئبة، متلهفة لالتفاظ كل حرف وكل تفصيلة ينطق بها لسان الغواص. عدل جلسته مستندًا بظهره إلى الجدار، ثم أخذ رشفة عميقة من المشروب الساخن الذي كان بخاره يتصاعد ببطء ليفوح في الأرجاء، كأن ذلك الدفء يغسل عن وجدانه غبار التعب، وينعش ذاكرته المجهدة ويقوّي عزيمته. وضع الكوب جانبًا، وثبّت نظراته في وجوههم قائلًا بنبرة تقطر ثقة وقوة – بصّوا بقى وركزوا معايا أرجوكم… أنا فكرت في كل ثغرة وكل تفصيلة طول الساعات اللي فاتت، وفعلاً لقيت الحل اللي يضمن نجاتنا كلنا.... الحل السحري موجود في حطام الطيارة القديمة… وتحديدًا مجموعات وأجهزة الإنقاذ اللي لسه جوة كابينتها. هنستخدم الأجهزة دي والبدل في الهبوط لقاع البحر مع أنابيب الأوكسجين المتاحة. العملية تحت المية مش هتاخد من كل واحد فيكم أكتر من ربع ساعة عوم وضغط. لكن قبل أن يسترسل ويُكمل صياغة مشهده، شق يوسف جدار الحديث باندفاعه المعهود ورعونته التي لا تفارقه، فصاح مقاطعًا – ما كده إحنا لسه بنلف في نفس الدايرة وبنقابل نفس المشكلة يا زياد! إحنا لو خرجنا من البواب
Read more

البارت التسعون.

التفّ الجميع في حلقة ضيقة خانقة حول زياد، كانت العيون جاحظة ومشدودة نحو تقاطيع وجهه، والآذان مُشرئبة، متلهفة لالتفاظ كل حرف وكل تفصيلة ينطق بها لسان الغواص. عدل جلسته مستندًا بظهره إلى الجدار، ثم أخذ رشفة عميقة من المشروب الساخن الذي كان بخاره يتصاعد ببطء ليفوح في الأرجاء، كأن ذلك الدفء يغسل عن وجدانه غبار التعب، وينعش ذاكرته المجهدة ويقوّي عزيمته. وضع الكوب جانبًا، وثبّت نظراته في وجوههم قائلًا بنبرة تقطر ثقة وقوة – بصّوا بقى وركزوا معايا أرجوكم… أنا فكرت في كل ثغرة وكل تفصيلة طول الساعات اللي فاتت، وفعلاً لقيت الحل اللي يضمن نجاتنا كلنا.... الحل السحري موجود في حطام الطيارة القديمة… وتحديدًا مجموعات وأجهزة الإنقاذ اللي لسه جوة كابينتها. هنستخدم الأجهزة دي والبدل في الهبوط لقاع البحر مع أنابيب الأوكسجين المتاحة. العملية تحت المية مش هتاخد من كل واحد فيكم أكتر من ربع ساعة عوم وضغط. لكن قبل أن يسترسل ويُكمل صياغة مشهده، شق يوسف جدار الحديث باندفاعه المعهود ورعونته التي لا تفارقه، فصاح مقاطعًا – ما كده إحنا لسه بنلف في نفس الدايرة وبنقابل نفس المشكلة يا زياد! إحنا لو خرجنا من البواب
Read more
PREV
1
...
7891011
...
13
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status