Home / الآخر / الرحلة 301 / Chapter 101 - Chapter 110

All Chapters of الرحلة 301: Chapter 101 - Chapter 110

124 Chapters

101

- هتفضل قالب وشك وزعلان مني كده كتير؟ لو فضلت على حالك ده... أنا همشي معاهم حالا؛ هما لسه واقفين مستنيينني على الشط على فكرة وممشيووش. قالتها سالي بنبرة حاولت جاهدة أن تبدو متماسكة متحدية، لكنها فشلت في إخفاء تلك الارتجافة الخائفة اللوزية التي مرقت من بين شفتيها؛ ارتجافة نابعة من ذعر حقيقي استوطن أضلعها خوفًا من أن تكون قد فقدته وفقدت مكانتها في قلبه حقًا هذه المرة. فراس لم يكلّمها، لم ينظر في عينيها، ولم يلمس كفها منذ ليلة الأمس القاتلة... منذ تلك اللحظة التي انكشفت فيها خيوط خطتها البديلة والمجنونة التي شاركتها فيها يثرب، الخطة التي أرادت بها اختبار حجم تمسكه بها، فجرحت كبرياءه وثقته العمياء فيها من حيث لا تقصد، وتركت روحه تنزف بمرارة. استدار فراس إليها بحدة مباغتة وعنيفة، كأنما صحا بغتة من غيبوبة حزنه الطويل وقسوة صمته، وشبح عينيه يشتعل بعواصف من اللوم الكامن، بينما هدر صوته المبحوح بغصة حارقة ذبحت حنجرته - أنا لو حسيت بس إنك هتبعدي خطوة واحدة... هقفل الباب ده وهاخدك في حضني وأمنعك تخرجي طول العمر، لو حتى هسجنك بين ضلوعي دغدغت كلماته الغيورة حصون أنوثتها، فاقتربت منه بخطوات وئي
Read more

102

طريق العودة... الطريق الذي طالما كان طيفًا يراود جفونهم في ليالي الاغتراب، ويسري في عروقهم كأملٍ مستحيل، صار أخيرًا حقيقة صلبة تحت أقدامهم المجهدة. وعلى عتبات هذا الطريق، بدأت المتاعب تتلاشى وتتساقط عن كاهلهم واحدة تلو الأخرى، وكأن عناء السنين الطويلة قد انسكب على جنباته بلا رجعة، مفسحًا المجال لدفء الوطن. لم يعد يهمهم الآن ما الذي تغيّر في غيابهم، أو كيف تبدلت ملامح الشوارع؛ فالأهم والأعظم أنهم عادوا... عادوا إلى أرضٍ احتضنت صرخاتهم الأولى، وإلى أهلٍ ورُفقاء ما زالوا ينبضون في ثنايا الذاكرة الحية. لكن الوقت كان يمر ثقيلاً، لزجًا، كأن الدقيقة الواحدة تمتد لدهرٍ كامل من الانتظار المشحون. كانت أرواحهم تسبق أجسادهم بمراحل، يركضون داخليًا بلهفة مجنونة نحو الحارات القديمة، نحو الأبواب الخشبية المألوفة، ونحو الأحضان التي اشتاقت لدفئهم... نحو من ينتظرهم بدموع الصبر، أو حتى نحو من طواهم النسيان في غيابت الجب. إلا أن هذا التدفق لم يكن يحمل الحماسة نفسها للجميع؛ فالبعض كان يتلفت حوله بأعين يملؤها رعب دفين وقلق متصاعد. سيارات حديدية ضخمة تركض بجنون مريب، أبواق تصرخ في سيمفونية صاخبة من التوتر
Read more

103

كانت رزان تشعر برهبة شديدة تغلّف صدرها وتكتم أنفاسها، كأن المستقبل الذي ينتظرهم يوشك أن يكشف لها عن وجه غريب وقاسٍ لا تعرف ملامحه. ما هو المخطط القادم؟ وكيف سيتعاملون مع مجتمع اعتبرهم أمواتًا منذ سنين؟ أسئلة حارقة دارت في ذهنها، لكنها لم تكن تملك طاقة التفكير فيها الآن؛ فكل ما تريده في هذه اللحظة اللاهثة هو هدنة… راحة مؤقتة تسمح لروحها المتعبة أن تلتقط أنفاسها بعيدًا عن عيون الفضول ومحاضر الشرطة. وما إن تهادت السيارة وتوقفت عند باب بنايتها، حتى التفتت رزان إلى جنات، تلك الفتاة الشاردة الصامتة التي بدا عليها الذهول الكامل من صخب الشوارع والسيارات. مدت رزان كفها وأمسكت بيد جنات الباردة المرتجفة، وهمست لها بابتسامة دافئة تحاول بث الأمان في قلبها - تعالي معايا يا جنات… متخافيش، أنا عايشة لوحدي والشقة أمان وهترتاحي فيها. حاول بهاء الاعتراض والتدخل، كأن ضميره ومسؤوليته كرجل لا يرتضيان أن يترك فتاة غريبة وضائعة كجنات بهذه السهولة دون تأمين كامل، لكن رزان لم تمنحه أدنى مجال للرفض أو النقاش؛ بل سحبت جنات برقة حاسمة، ودلفتا إلى مدخل البناية سويًا، كأن كلتاهما تبحث في الأخرى عن شفاء ما وجدار
Read more

104

يدقّ جرس الباب فجأة، فيرتجف قلب عمر داخل صدره بروعة مفاجئة ودون سبب واضح، كأن دقات الجرس الرتيبة العالية تخبّئ خلف حديدها قدرًا جديدًا أعمى على وشك أن يُكتب فوق طالع حياتهما. ينهض ببطء شديد من جوار نهى المنهارة، خطواته غدت مثقلة بتوتر خانق كأنه يسير في حقل ألغام، وعقله المشتت يُصارع فكرة واحدة تنهش روحه بضراوة هل يمكن أن أتحمّل خسارتها مرة أخرى بعد أن عادت لي؟ وإن كان محمود قد عاد حقًا من المقابر... هل ستختاره هو وتتركني؟ هل ما زالت بقايا حبه تسكن عروقها؟ يفتح الباب بجسد متأهب، فتتجمّد نظراته عند العتبة، ويتسمر في مكانه بذهول مطلق كمن يرى طيفًا كابوسيًا خارجًا للتو من أساطير الحكايا الخيالية. أمامه تمامًا، كان يقف رجل مجهول بملامح أنهكها التعب والشقاء، يرتدي ملابس غريبة الأطوار بدائية النسج، كأنما خُلق من رحم فيلم سينمائي طويل عن الناجين الأشاوس من حافة الموت ومجاهل المحيطات. يقف الرجل الغريب بثبات وهدوء مريب، يبادله نظرات الفحص بثقة واثقة ومتزنة قبل أن يقطع حبل الصمت السميك قائلاً بصوت خافت، أجش، لكنه يحمل نبرة اليقين - آسف جدًا على الإزعاج وفي الوقت المتأخر ده... بس في أمانة ولاز
Read more

105

في ذات اللحظة، كان حسن يجلس في المقعد الخلفي للسيارة، محاطًا بصمتٍ ثقيل خانق، وعيناه شاردتان تراقبان المجهول عبر زجاج النافذة الموشى بظلال الليل. شعر وكأن عقارب الساعة تتثاءب بكسل، تسير ببطء سلحفاة عجوز فقدت شغفها بالحياة، وكأن الزمن نفسه يتواطأ ضده ليؤجّل تلك اللحظة الفاصلة... لحظة عودته إلى عالم الأحياء. كان في طريقه إلى بيته، إلى زوجته، لكنه مع كل متر تقطعه السيارة، لم يعد واثقًا من قراره. رأسه يعج بأسئلة معلّقة ومخاوف تأبى الصمت، تنهش عقله بضراوة.... ماذا لو تزوجت؟ ماذا لو فعلت مثل زوجة محمود وبدأت حياة جديدة مع غيري؟ ماذا لو أصبحت غريبة عني ولم أعد أعرفها؟ حاول حسن أن يطرد أشباح شكوكه السوداء، فتحدث بصوت خافت مسموع كمن يقنع نفسه بوهم الأمان - مستحيل وفاء تعمل كده... مش عشان بتحبني وبس، لا... بس دي ست أصيلة وعارفة تقاليدنا كويس، وبتعمل ألف حساب لكلام الناس والمجتمع... دي بتخاف من خيالها لو اتحرك رعبًا من القيل والقال.... أكيد عاشت الفترة دي كلها بتربي العيال وبس، عشان تقف قدام المراية وتقول أنا صنت العِشرة وما اتجوزتش بعده. انتزعته صرخة بهاء القوية من عمق شروده وهو يضغط على ال
Read more

106

الرحلة بدت في عيونهم أطول وأكثر إنهاكًا مما توقّعوا بمراحل، وكأن الإسفلت الأسود يمطّ نفسه تحت عجلات السيارة، ويلفّ خيوطه الأبدية حول مصائرهم بلا نهاية مأجورة. ألقى بهاء بجسده المتهالك المتعب إلى الخلف فوق مقعد السيارة، فأنّ ظهره وعموده الفقري من فرط الإجهاد المتراكم طوال رحلة الغياب العاتية، وفضحت عيناه الغائرتان رغبة شديدة، بل جوعًا جارفًا في الانسحاب التام من مشهد العودة الصاخب. لم يعد الرجل يملك طاقة ضئيلة للاستمرار أو قيادة الدفة، لا جسدًا أضنته الغربة، ولا ذهنيًا تشتت بين الوجوه والمقابر. لقد بدأت أنفاسه تتثاقل في صدره، وأعلن جسده العصيان الشامل مستسلمًا للراحة، أما العقل المنهك فقد رفع راية الاستسلام البيضاء، مطالبًا بهدنة حتمية وعاجلة من التفكير، والتوتر، والسيناريوهات المفتوحة التي قد تنفجر في وجهه عند كل منعطف. أغمض بهاء عينيه لثوانٍ معدودات، يرجو غفوة تسرق عقله، ثم تمتم بصوت واهن، خفيض ومبحوح - أنا كده جبت آخري... لازم أروّح بيتي بقى النهاردة... وأكمّل بقية المشاوير والأمانات بكرة... بجد مش قادر، حاسس إني بموت ساد الصمت أرجاء السيارة للحظة قصيرة، صمت ثقيل غلّف الأنفاس، ق
Read more

107

سادت في تلك اللحظة الرهيبة لحظة من الصمت الثقيل، صمت خانق تكاد تسمع فيه دقات القلوب الواجفة. حدّقت وفاء في عينيه المشتعلتين بالغل والرفض، وللمرة الأولى تراجعت خطوة؛ لم تعد ترى في هذه اللحظة رجلاً ضعيفًا عائدًا من الغياب يستجدي رضاها، بل بدأت ترى بذكائها الحربي وجوه الجيران المتربصة على الأبواب، ولمحت النظرات الشامتة، والكلام الذي سيُقال في ظهرها، والأحاديث التي ستنمو كالأورام الخبيثة في الحارة. لن يسمح كبرياؤها الأنثوي الطاغي بأن تُرى أمام المجتمع كمن لفظت زوجها وطردته في ليلة عودته من الموت، ولا كمن ماتت غيرة من امرأة صامتة مكسورة وقفت بلا كلمة واحدة. فتنفست الصعداء بقوة... وغيرت نبرة صوتها الحادة في ثانية واحدة كما يبدّل الثعبان جلده المرقط بالسم. وبصوت زائف، مغلّف برداء الطيبة والمسكنة المصطنعة، قالت وهي تخفض يديها - حقك عليا يا حسن... أنا بس اتخضّيت ومبقتش في وعيي... الوضع مش سهل علينا كلنا والصدمة كانت شديدة. خلاص... كفاية كلام وزعل لحد كده، خلينا نرتاح الليلة دي وكل حاجة هتتفاهم وتتحل بعدين . هدومكم الغريبة دي مش مناسبة خالص، ادخلوا غيروها، وأنا هطلع لها حالا حاجة من دولابي ت
Read more

108

- خطيبتك؟... جيلان؟ سقطت الكلمة من فم بهاء كأنها نصلٌ ثقيل شقّ هدوء المقصورة. كانت الصدمة مرسومة بوضوح على ملامحه التي شحب لونها، وكأن الحياة قد استنزفت من عروقه في لحظة. تابع بمرارة ولسانٍ ثقيل، وكأن الحروف تُنتزع قسراً من بين ضلوعه - آخر حاجة كنت أتوقعها في دنيتي... إيه، جيت تواسيها على غيابي، فحبيتها يا صاحبي؟ ياريتني ما رجعت... ياريتني فضلت مدفون في رمال الجزيرة ولا إني أرجع أشوفك إنت وهي... كانت عيناه المتقدتان بخيبة أملٍ لا توصف تتأملان الفراغ، بينما الأرض من تحته تبدو وكأنها تتصدع وتنشق لتبتلعه. شعر بهاء وكأن ستارة سوداء مخملية ثقيلة قد أُسدلت على عالمه بفظاظة، حاجزةً خلفها كل أملٍ في حياةٍ طبيعية. بدأ قلبه يخفق ببطء شديد، نبضاتٍ متثاقلة كأنها تعلن انسحاب الحياة من جسده نحو ظلامٍ أبدي. حاول أن يشهق بحثاً عن الأكسجين، لكن الهواء خان صدره الضيق، وأصبح وجوده في تلك اللحظة عبئاً ثقيلاً لا يطاق. أما أمجد، فقد كان يتطلع إليه بهدوء مريب هدوء العارف بمرارة المواقف ثم فجأة، أطلق ضحكة خفيفة، غريبة التوقيت، كانت كفيلة بأن توقع بهاء في حيرة أعظم. لم يكن ذلك رد فعلٍ انتظره بهاء؛ لا تبري
Read more

109

مرت عليهم أول ليلة في كنف الوطن، ليلة ربتت فيها الجدران المألوفة على قلوبهم المجهدة بعد رحلة شتات كادت تودي بأعمارهم. ورغم كل ما تتميز به جزيرة "كالاتيا" الأسطورية من جمالٍ ساحر، وطبيعة بكر، وعزلة غامضة، إلا أن عبير تراب الوطن كانت له نكهة مغايرة لا تضاهيها أرض في الكون، ولا يُضاهي حضنه حضنٌ آخر. فالوطن في وعيهم العائد لم يكن مجرد رقعة جغرافية يخطون عليها، بل هو حنان الأمهات المنتظرات، وشقاوة الطفولة المخبأة في الحارات، والأمان المطلق الخالص الذي عجزت غياهب الغربة عن منحه لهم ولو لدقيقة واحدة. وفي صباح اليوم التالي، انقشع ظلام تلك الليلة الطويلة، واستيقظ الجميع على خيوط ضوء الشمس الدافئة وهي تتسلل برقة ودلال من بين شقوق نوافذ البيوت العتيقة، لتمسح عن أجفانهم غبار الماضي، وكأنها تبشرهم ببعثٍ جديد وبداية مشرقة لطالما حلموا بها. كان هذا هو أول يوم حقيقي لهم على أرض الوطن؛ يومٌ جاء محمَّلاً بفيضٍ من الذكريات المنسية والمفاجآت المؤجلة. يومٌ بدا واضحًا أنه سيحمل لبعضهم حلاوة الشوق وعناق الخلاص، بينما سيحمل للبعض الآخر مرارة المواجهة وصدمة الواقع الذي تبدل في غيابهم. لكن الأكيد الذي لم يخ
Read more

110

استيقظت نهى على دفءٍ غامر وسحرٍ مباغت لم تعتده بمثل هذه الكثافة الفطرية من قبل، لتجد جسدها الصغير مستلقيًا بالكامل بين ذراعي عمر القويتين، محاطة بحضنه الجارف الذي كان يطوّقها بإحكام وشغف، كما لو كان يحميها من مخاوفها الدفينة ومن صخب العالم كله. فور تذكّرها تفاصيل ما حدث ليلة البارحة من استسلامٍ رقيق، اشتعل وجهها بحمرة الخجل القانية؛ لم تقاومه الأمس، بل كانت تذوب بين يديه شوقًا حارقًا تغلغل في عروقها، بل وربما كانت في سريرة نفسهاأكثر شبقًا وشوقًا منه لنيل هذا الخلاص. تململت بخفة ودلال محاولة الانسحاب بنعومة من بين ذراعيه، لكن ذراعه اشتدت على خصرها بحسمٍ عاشق، وصوته الناعس الرخيم تسلّل إلى أذنها ليفترش وجدانها: – "رايحة فين بالسرعة دي وفي أول الصباح؟" تلعثمت وتبدلت نبرتها كأن الكلمات تسقط من شفتيها المرتجفتين - يقوم… أجهز عشان ألحق الشغل. فتح عمر عينيه نصف فتحة، وارتسمت على ثغره ابتسامة دافئة وهو يهمس بنبرة تقطر حنانًا - لا يا روحي... مفيش نزول، إحنا واخدين إجازة رسمية من الدنيا كلها النهاردة… ساد الصمت أرجاء الغرفة لثوانٍ معدودات، لكنه لم يكن صمت راحة، بل صراع طاحن بين قلبٍ يتمن
Read more
PREV
1
...
8910111213
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status