Home / الآخر / الرحلة 301 / Chapter 91 - Chapter 100

All Chapters of الرحلة 301: Chapter 91 - Chapter 100

124 Chapters

البارت الحادى والتسعون

كان يجلس وحده على جمر الرمل البارد، تتقاذفه أمواج الحيرة العاتية، وقد غربت الشمس بالكامل خلف الأفق البعيد، تاركةً وراءها خيوطًا واهنة من نورٍ كأنه الشفق الأخير لروحٍ تحتضر... خيوطًا وداعية خافتة تشبهه تمامًا في لحظة انكساره. كان قلبه سعيدًا... أو هكذا يُفترض برجلٍ في موقفه أن يكون. فها هو أخيرًا على مشارف العودة إلى وطنه وأرضه، إلى أولاده وقُرّة عينيه الذين لم تهدأ روحه يومًا من شدة الشوق واللوعة إليهم. ولكن، رغماً عن عدالة الفرحة، كانت السعادة منقوصة، باهتة ومخضبة بالدموع، وكان في صدره وجعٌ كاسح لا يُفسَّر بمنطق، كأن قلبه مُثقل بحكم إعدام جائر لم يُستأنف. إن عودته إلى وطنه... تعني حُكمًا بالوفاة على ذلك العشق المستحيل الذي نمت جذوره في أرض الغربة؛ عشقٌ لم يعرف قلبه مثله في طهارته وعنفوانه، ولم يدق نبضه لغيره. كم حلم في خلواته أن يحيا معها تحت سقف واحد، أن يشاركها دفء الأيام الصيفية وبرد الشتاء القارس، أن يشيخ بجوارها ويهرم، ويبتسم لوجهها الملائكي مع إشراقة كل صباح... لكن القدر يملك قسوته الخاصة ودهاءه الأعمى؛ يُعطيك أمنيتك الغالية بعد أن يسرق منك شطر روحك الآخر في الوقت الخطأ والمك
Read more

البارت الثانى والتسعون

كانت تجلس بجواره فوق الأريكة المخملية، تتظاهر بمتابعة أحد البرامج التليفزيونية المنسابة ألوانه على الشاشة، لكن عينيها لم تكونا تريان من العرض شيئًا، وعقلها المجهد كان يجوب مغتربًا في عوالم موحشة من القلق الجاسم والتساؤلات الحارقة التي لا تنتهي. منذ ليلة زواجهما، وهي تشعر بأنها باتت حبيسة جدران هذا المنزل الصامت، كأن هذا الزواج لم يكن في حقيقته إلا قفصًا ذهبيًّا جديدًا، صُممت قضبانه بعناية فائقة ليبدو فخمًا ومهيبًا أمام الأعين، لكنه في عمقه لا يختلف أبدًا عن أسر الزنازين الضيقة. دارت الظنون السوداء في رأسها كالعاصفة: هل يعاقبها بهذه العزلة لأنها تحدّت كبرياءه من اليوم الأول؟ هل لا يزال قلبه غاضبًا لأنها رفضت منحه حقوقه الشرعية كزوج؟ هل كُتب عليها في لوح القدر أن تُسجن وتُعاقب كلما حاولت فقط أن تنزع قيدًا وتكون امرأة حرة؟ تفاقم المرجل في صدرها حتى لم تعد تحتمل الصمت؛ فانتفضت واقفة فجأة بحركة مباغتة، تجمدت على إثرها ملامح عمر بدهشة شاخصة. وقبل أن ينطق بحرف واحد ليستفسر، باغتته بصوت متحشرج يحمل مزيجًا لاهبًا من العتب المر والانكسار الطاغي - هو أنا هفضل معاقبة ومحبوسة في البيت ده لحد إم
Read more

البارت الثالث والتسعون

خطا أيمن ووليد وعتبات قاعة الحكم تستقبل خُطاهما المثقلة؛ كانا يسيران نيابةً عن الجميع، يحملان فوق أكتافهما أمل العودة الواجف، وحذر الخسارة الذي يتربص بهما عند كل منعطف. وفي قاعة الحكم المهيبة، حيث كان الضوء ينساب نقيًا صافيًا لا يشوبه دخان الطمع البشري أو زيف المظاهر، تقدم أيمن بخطوة متزنة إلى الأمام، ثم نظف حلقه بوقار وهمس بخشوع وأدبٍ جمّ - نشكرك جزيل الشكر والعرفان، يا سيدي، على كرم ضيافتك السخية لنا طوال هذه المدة، وعلى كل ما قدمته لنا من عون ورعاية منذ أن وطئت أقدامنا أرضكم.... لقد كنتَ طوال رحلتنا مثالًا حيًا للحاكم العادل والقلب الرحيم... نسأل الله العلي القدير أن يوفقك دائمًا لما يحب ويرضى، وأن يديم الرخاء على شعبك. أومأ عليان برأسه متقبلاً الثناء في وقار الملوك، وارتسمت على وجهه نبرة ودودة غسلت بعضًا من توتر الأجواء وهو يرد - أنتم لم تكونوا يومًا ضيوفًا عابرين على كالاتيا، بل كنتم لنا أهلًا وعشيرة. وقد وهبتموني وهبتم هذه الجزيرة أعظم الهدايا وأثمنها على الإطلاق... السيدة المبجلة التي أنارت حياتنا. تفضلوا إذن... ما هو طلبكم الذي جئتم من أجله؟ أشار أيمن برأسه لوليد أن يتولى
Read more

البارت الرابع والتسعون

شعر بهاء بالضيق يتسلّل إلى صدره كدخانٍ أسود ثقيل يكتم أنفاسه… في كل مرة يظنّ أن طريقه الوعر إلى النهاية قد انفتح أخيرًا، وأن بوابات النجاة شرعت مصاريعها، تعود الحياة بقسوتها لتدفعه بعنف إلى نقطة البداية… وكأن النجاح والتوفيق قررا أن يعانداه شخصيًا، أن يماطلاه، أن يتلذذا برؤيته ينهار ويتآكل صبريًا على بُعد خطوة واحدة من ملامسة شاطئ الأمل. أسند رأسه المثقل بالهموم إلى كفيه المرتجفتين، وزفر بمرارة حارقة كادت تشق ضلوعه. لكن قبل أن يستسلم لتيار الإحباط الجارف، نهض زياد من مكانه بجسده الرياضي وحركته الواثقة، كما يفعل دائمًا في اللحظات الحرجة… ذاك الرفيق الصنديد الذي لا يسمح لجرثومة اليأس أن تكبر أو تعشش في قلوب رجاله. جاء صوته هذه المرة جهوريًا، مفعمًا بالحماس المتفجر والإصرار الذي يبعث الميت حيًا - اسمعوني كويس وجمدوا قلبكم.. لما عدّيت واستكشفت الناحية التانية من الشط، لاحظت وجود صخرة غاطسة وكبيرة جداً، تجويفها ممكن نتدارى تحته بالمركب بسهولة ومن غير ما أي عين تلمحنا. الخطة كالتالي.... بهاء هياخد المركب الأولى، ومعاه شنطة سبايك الدهب واللؤلؤ، وهيأخد معاه البنات… اللي طبعًا من أهل الجزيرة
Read more

البارت الخامس والتسعون

وقف الجميع على حد الشاطئ الفيروزي، وحانت أخيرًا اللحظة التي طال الهروب منها... لحظة الرحيل المرّ. العيون لم تعد تبكي، فقد جفت المآقي من طول السهر والترقب، لكنها كانت تنطق بملء الصمت... تنطق بحنينٍ جارف عالق في الحناجر كغصة حادة، وبرغبةٍ مجنونة خفية في أن يلتقطوا الملامح الأخيرة للجزيرة، كأنهم يريدون حفر تضاريسها، وصخورها، وظلال نخلها في سويداء قلوبهم، لتبقى معهم حية الشذى إلى الأبد. كل زاوية مألوفة… كل ركن شهد ضحكة أو دمعة… كل همسة ريح باردة عبرت أشجارها الكثيفة… كانت تحمل قطعة من أرواحهم تركوها هناك قرباناً للمكان. وفي تلك البرهة الفارقة وهم يتهيأون للمغادرة، همس الجميع في سرائرهم بذات الأمنية المستحيلة - ليتنا نستطيع أن نقضي ما تبقى من عمرنا الهارب هنا... في طهر هذا المنفى. وضع وليد كفه الثقيلة على كتف محمود، وقد خيم عليه أسى الفراق ومرارة ترك رفيق الدرب خلفهم، وردد بنبرة رجاء حارة متمنياً معجزة في اللحظة الأخيرة - مش هتغير رأيك في آخر ثانية يا محمود وتيجي معانا؟ بلدك أولى بيك يا صاحبي. أجاب محمود بهزّة رأس خفيفة، هادئة وصارمة، تحمل وقار الزاهدين - لا... مكاني هنا، وناسي هنا
Read more

البارت السادس والتسعون

كانت كلماتها الفطرية كأنها سكبت ملحًا لاهبًا فوق جرحه المفتوح النازف؛ إذ تذكر كيف هرب من الشاطئ وترك سالي ترحل من دون كلمة وداع واحدة. أخذ نفسًا عميقًا حارقًا… شعر معه بأنه يكاد يختنق، لكنه أومأ برأسه بالإيجاب مسلّمًا أمره للقدر. لم يكن قادرًا على الحديث… لقد تعبت حنجرته من الكلام، وتعب روحه من النحيب الصامت. وقبل أن يهم بالنهوض ليداري عجز رجولته، شدّت يثرب بقوة طفولية على ساعده المشدود، وقالت بتردد وعينين تترقبان ملامحه - أبى وأمى زعلانين قوي علشانك وبيموتوا في اليوم مية مرة من قلقهم عليك… ما تزعلهمش أكتر من كده يا فراس، وارجع بات في حضن البيت النهاردة شعر فراس في تلك اللحظة وكأنه تجرد من الدنيا كلها، وبات عاريًا أمام الصقيع… لم تمر إلا نصف ساعة فقط على رحيل قاربها، ومع ذلك، كان يشعر أن عُمره كله، وشبابه، وقدرته على النبض قد فقدهم معها وسط ذلك البحر الغادر. كيف له أن يبدأ حياة جديدة، أو يستقبل صباحًا آخر وهي ليست فيه؟ كيف له أن يغلق بابًا للعشق كان يفتحه بقلبه وجوارحه كل يوم ليدخل منه عطرها؟ ابتلع غصته المرة بصعوبة تكاد تمزق بلعومه، وأخذ شهيقًا عميقًا… فتسلل الحزن الأسود مع الن
Read more

البارت السابع والتسعون

يدلف فراس إلى منزل أبيه بخُطى وئيدة خائرة، كتلك التي يسير بها المنكوبون والمفجوعون في جنازات أحبابهم… عيناه اللتان كانتا تبرقان بالجسارة انطفأتا تمامًا، وقلبه الظامئ يتآكل في صدره بصمتٍ مطبق ونهشٍ لا يرحم. الليلة الأولى بدونها… كيف لها أن تمر؟ كيف يمكن لليلٍ أن يطوي عباءته على رجلٍ نُزع شطره؟ كيف يُطفأ في عينيه ضوء الحياة وتستحيل الألوان كلها رمادًا؟ كيف يتنفس بعد الآن دونها، وهو الذي اعتاد طوال مكوثها أن يتنفس من خلال رِئتيها، وأن يستمد الحياة من رجع صدى خطواتها؟ أغلق الباب خلفه بوجهٍ كاسف، وأسند ظهره بإنهاك إليه، كأن ذلك الحائط الحجري وحده في هذا الكون الفسيح من يستطيع أن يتحمّل ثقل جسده وروحه المتداعية الآن. زفر زفرة حارقة كادت تشق أضلعه، ثم مشى مترنحًا بضع خطوات واهنة حتى سقط بكامل ثقله على الأريكة الخشبية، وما إن استقر جسده حتى انقضّت عليه الذكريات المريرة كوحوشٍ كاسرة جائعة تنهش صدره بلا هوادة… كل شيء فيها يهاجمه ويحاصره؛ ضحكتها الرنانة، عذوبة صوتها، طريقتها الفريدة في الحديث، لمسة يدها التي كانت تُحيل خوفه أمانًا، وحتى سكونها وتمنعها الصامت… كل تفصيلة باتت نصلًا مغروزًا في وي
Read more

البارت الثامن. والتسعون

ابتسم بهاء ابتسامة باهتة مجهدة، وهو يربت على كتف صاحبه بقوة - الموضوع كبير وشرحه يطول يا أمجد… هقعد وأحكيلك كل تفصيلة بعدين. دلوقتي ركّز معايا كويس عشان الوقت بيسرقنا… سيد هيطلعك على الشط إنت والبنات حالا. الشنطة دي فيها أمانة غالية ومهمة، والبنات دول من برة ومعاهمش بطاقات شخصية أو أوراق تثبت هويتهم… هتاخدهم وتودّيهم فندق هادي، وتوصي عليهم الإدارة بنفسك… خلي بالك يطلع لهم الأكل لحد الأوضة، مش عايز رجل واحدة منهم تخرج برة، وإنت لسانك يقول إنهم أجانب ومش بيتكلموا عربي. وبعد ما تأمنهم، تاخد تاكسي ملوش علاقة بالمكان وتروح على القاهرة فورًا… الشنطة دي رقبتنا فيها يا صاحبي. لم يفهم أمجد من كل هذه الطلاسم شيئًا، لكنه هز رأسه موافقاً دون أن يسأل عن التفاصيل… فيكفيه أن بهاء أمامه، ويكفيه أنه يثق به ثقة عمياء. نُقلت الفتيات بحذر إلى القارب الآخر، ومعهما حقيبة السبايك الثقيلة. وقبل أن يتحرك القارب مغادراً، استدار بهاء فجأة بنظرة لاهفة، وسأل بصوت مبحوح خرج من أعماق وجعه - جيلان… كانت معاك في البيت ليه يا أمجد في الوقت ده؟ طمّني يا صاحبي والنبي. ابتسم أمجد ابتسامة صافية، ووضع يده على كتف
Read more

البارت التاسع والتسعون

أحس أمجد بالحرج يطوق عنقه، فاقترب من منصة الاستقبال وهمس بصوت منخفض وهو يضاعف كمية الأموال النقدية ويضعها تحت دفتر الحجز - يا فندم جوازات السفر بتاعتهم ضاعت في البحر وإحنا بنعدي… الموضوع مؤقت إنسانيًا، يومين بالكتير والورق كله هيخلص. هز الموظف رأسه بالرفض القاطع خوفًا من المسؤولية؛ وهنا، لم يجد أمجد بدًا من إخراج سلاحه النفسي الأخير، فاعتدل في وقفته وقام بتهديد مبطن قائلاً بنبرة حادة وصوت رخيم - شوف يا استاذ… أنا بتفاهم معاك بالذوق لحد دلوقتي عشان إحنا ولاد بلد وبنقدر الأصول، لكن لو اضطررت أرفع سماعة التليفون وأكلم السفير شخصيًا يتدخل، هتبقى مشكلة كبيرة للفندق كله… خصوصًا وفيهم شخصية دبلوماسية قريبة ومهمة جدًا والبلد مقلوبة عليها. تردد موظف الاستقبال، ودارت الشكوك في رأسه أمام ثقة أمجد وهيئته، ثم استسلم للأمر الواقع وأخذ الأموال، ووافق على منحهم غرفة مشتركة، بشرط صارم أن يكون الحجز ليومٍ واحد فقط لا غير حتى يتدبروا أمرهم. وافق أمجد على الفور، وسرعان ما استدار ودعا الفتيات للحاق به بصمت. ساروا خلفه داخل الممرات الضيقة للفندق، عيون الفتيات تدور في أرجاء المكان برهبة وخوف شديدين؛ كأ
Read more

100

التفّ الناس حولهم في حلقة دائرية ضيقة، يتدافعون برغبة عارمة في الفهم والاستكشاف كما لو أن شيئًا استثنائيًا يكسر نواميس الطبيعة يحدث أمام أعينهم... العيون تتساءل في صمت مذهول، والأيدي تمتد بلا تردد، يدفعها شعور إنساني غريزي جارف نحو المساعدة والإنقاذ. كانت ملامح العائدين أشبه بلقطة مقتطعة من مشهد سينمائي غامض وسريالي ثيابهم البدائية الغريبة، وجوههم الشاحبة كالأموات، وانفعالاتهم الحادة الخارجة تمامًا عن السيطرة، وكأنهم انشقوا عن باطن الأرض أو خرجوا للتو من دهاليز كابوس طويل ومظلم. كان يوسف قد انهار تمامًا؛ سقط على ركبتيه يصرخ بجنون ويتشبث بتراب الشاطئ، يغرس أصابعه في الرمل كأنه يتأكد من حقيقة الوجود، ودموعه تنهمر بغزارة كأنها تعصر سنوات طويلة من الفقد، من الغربة، ومن الوحدة القاتلة. كان يهتف بكلمات متداخلة غير مفهومة، فتجاوبت مع نحيبه دموع المارة والنساء دون أن يعرفوا تفاصيل ما حدث. في تلك اللحظة، لم يكن هناك ذرة من التمثيل أو الكذب... لم يكن ما يحدث مشهدًا مخططًا لإقناع السلطات، بل كان الألم حقيقيًا عاريًا، والصوت المرتجف الباكي خارجًا من أعماق خائفة وممزقة أنهكتها وحشية السنين في الم
Read more
PREV
1
...
8910111213
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status