كان يجلس وحده على جمر الرمل البارد، تتقاذفه أمواج الحيرة العاتية، وقد غربت الشمس بالكامل خلف الأفق البعيد، تاركةً وراءها خيوطًا واهنة من نورٍ كأنه الشفق الأخير لروحٍ تحتضر... خيوطًا وداعية خافتة تشبهه تمامًا في لحظة انكساره. كان قلبه سعيدًا... أو هكذا يُفترض برجلٍ في موقفه أن يكون. فها هو أخيرًا على مشارف العودة إلى وطنه وأرضه، إلى أولاده وقُرّة عينيه الذين لم تهدأ روحه يومًا من شدة الشوق واللوعة إليهم. ولكن، رغماً عن عدالة الفرحة، كانت السعادة منقوصة، باهتة ومخضبة بالدموع، وكان في صدره وجعٌ كاسح لا يُفسَّر بمنطق، كأن قلبه مُثقل بحكم إعدام جائر لم يُستأنف. إن عودته إلى وطنه... تعني حُكمًا بالوفاة على ذلك العشق المستحيل الذي نمت جذوره في أرض الغربة؛ عشقٌ لم يعرف قلبه مثله في طهارته وعنفوانه، ولم يدق نبضه لغيره. كم حلم في خلواته أن يحيا معها تحت سقف واحد، أن يشاركها دفء الأيام الصيفية وبرد الشتاء القارس، أن يشيخ بجوارها ويهرم، ويبتسم لوجهها الملائكي مع إشراقة كل صباح... لكن القدر يملك قسوته الخاصة ودهاءه الأعمى؛ يُعطيك أمنيتك الغالية بعد أن يسرق منك شطر روحك الآخر في الوقت الخطأ والمك
Read more