Home / الآخر / الرحلة 301 / Chapter 71 - Chapter 80

All Chapters of الرحلة 301: Chapter 71 - Chapter 80

124 Chapters

البارت الحادى والسبعين

تطلّعت من نافذة المكتب الشاهقة، وعيناها تائهتان في قلب ذلك الضجيج المشتعل الذي يبتلع المدينة الأسيرة تحت وطأة الفوضى. كان الارتباك والتوتر ينهشان ملامحها، وأنفاسها المتلاحقة تُزاحم حنجرتها للخروج كأنها تبحث عن مخرج من حصار الخوف المباغت. كانت تُمسك الهاتف بعصبية مفرطة، وتتحدث بنبرة يغلفها نفاد الصبر والقلق الساكن في عروقها – خلاص يا بابا أرجوك متقلقش... لأ يا حبيبي، لأ، دا كله كلام تليفزيونات وهوليلة فارغة، وإنت عارف الإعلام والفضائيات بيحبوا يهولوا الأمور ويكبروها... أنا لو لقيت الوضع برة وحش والطرق مقفولة، هبات عند أختي النهاردة ومش هتحرك، متقلقش عليا خالص. اقفلوا على نفسكم باب الشقة كويس، وإياك تنزل الشارع يا بابا مهما حصل... أنا هعرف أتصرف. أنهت المكالمة وضغطت على زر الإغلاق بقوة، ثم تنهدت زفرة ضيق حارقة كأن ثقل العالم بأسره قد انزلق واستقر فوق صدرها فجأة. تابعت المشهد الدموي خلف الزجاج بعينين مرتعشتين؛ وكان جسدها الغض ينتفض بعنف كلما اقترب من مسامعها صدى دوي قنبلة دخان، أو صرخة رعب جماعية تمزق هدوء الهواء. لم تكن تدري بحق كيف ستشق طريقها وتصل إلى أمان منزلها في هذا التوقيت العص
Read more

البارت الثانى والسبعين

جلس محمود شارداً يتطلع من تلك النافذة الخشبية العتيقة التي تطل على الطريق الوعر الغارق في الظلام الدامس؛ لم يكن يرى شيئًا سوى سواد كثيف، حالك، يمتد كأنه أفق لا نهاية له، بينما كانت تتعالى أصوات الطبيعة الموحشة من حولهم لتملأ الفراغ؛ نقيق ضفادع مستمر، وحفيف ريح باردة تعزف بحدة على فروع الأشجار المتشابكة، كأنها جوقة جنائزية ترثي الغائبين وتنوح على حظهم العاثر. إلى جواره، جلس حسن بركن الكوخ الدافئ، يتفحّص تقاطيع وجهه المجهدة بصمت، يراقب تجاعيد الحزن المتسللة إلى جبهته، قبل أن يهمس باهتمام وأخوة صادقة - مالك يا محمود؟ اشتقت لمصر وناسك وشوارعها؟... هانت يا صاحبي، كلها كام يوم ونلاقي طريقة نفك بيها اللغز ده، ونرجع لبيوتنا ومراتك تفرح بيك. تحرّك محمود في جلسته بحركة ثقيلة، واعتدل ببطء شديد وكأنما يحمل على ظهره النحيل سنوات ودهوراً من الوجع المكبوت. أخذ نفسًا عميقًا، حارقًا، وأغمض عينيه المتعبتين للحظة يلملم شتات روحه، ثم قال بصوت خافت، متهدج - أنا مش هرجع مصر تاني يا حسن... ومراتي؟ أنا طلقتها غيابي من أول أسبوع لينا هنا في الجزيرة. انكمشت الوجوه الملتفة حول الموقد من وقع كلماته القاسية،
Read more

البارت الثالث والسبعين

تساعده نُهى على النهوض بجسدها الغضّ، بينما ذراعه المصابة ما زالت ترتجف بعنف تحت وطأة الألم النابض، في حين تتكأ كتفه العريضة على كتفها الضئيل كأنها تحوّلت في لحظة فارقة إلى عكاز روحٍ لا غنى عنه، وسندٍ أثمن من مصائر البشر. كانت نظرات عمر المجهدة لا تغادر تفاصيل ملامحها المذعورة، وكأن كل قطرة دم فقدها في حومة المعركة قد عادت وتدفّقت في عروقه حارةً بمجرد نظرة واحدة في عينيها.يسير بجوارها بتثاقل ملموس، مدفوعاً بقلبه قبل قدميه، ومحاطاً بأولئك الشباب النبلاء الذين أفسحت إنسانيتهم النقية مكاناً آمناً لهما وسط ليلٍ قاهري فوضوي كالح. وحين وصلا أخيراً إلى الغرفة الملحقة بالمستشفى الميداني، دفع أحدهم الباب الخشبي بلطف، كاشفاً عن ملاذ بسيط لكنه يفيض بالدفء؛ سرير حديدي مغطى بلحاف نظيف، وزجاجة ماء باردة، ونافذة صغيرة تطل على العراء، يلوّح من خلف زجاجها غبش ضوء خافت يشبه الأمل البكر المولد من رحم العتمة.جلس عمر ببطء شديد على حافة السرير وهو يئن في سره، بينما تحاول نُهى بشتى الطرق أن تُريه الثبات والتماسك، لكن روحها في الحقيقة كانت تقف على شفا انهيار تام. لم تكن تتخيل أبداً أن لحظة زمنية واحدة قد تق
Read more

البارت الرابع والسبعين

حاول جاهدًا أن يبدو طبيعيًا ومتماسكًا أمامها، رغم الخدر والآلام التي تنهش كتفه، وابتسم برقة بالغة وردّ بصوت أشبه بالهمس الدافئ- أنا تمام... طول ما عيني شايفاكي قصادي متقلقيش عليا..... أنا هنام على الكرسي ده مكاني، وإنتِ اطلعي نامي وارتاحي على السرير.لم يترك لها أي فرصة للاعتراض أو الجدال الذي تعشقه؛ أسند رأسه المتعب على ظهر المقعد المريح، وأغمض عينيه نصف إغماضة وأضاف بنبرة مرهقة تذوب عشقاً- بلاش كلام كتير يا نُهى... أنا خلاص، هموت وأنام من التعب... لو اتكلمتي وعاندتي دلوقتي، النوم والراحة هيتبخروا من عيني.اختتم كلماته بتثاؤب طويل وثقيل، بدت بعدها ملامحه الرجولية الفاتنة وكأنها ذابت واستسلمت لسبات عميق وخدر الآلام والمُسكّنات.وقفت نُهى تنظر إليه بحيرة بالغة وشجن يمزق صدرها؛ أرادت بشدة أن تقترب منه أكثر، أن تلمس جبهته، أن تضع خلف ظهره وسادة إضافية تحميه، أن تبوح له بكلمة واحدة تشفي غليله... لكنها لم تجد في قاموس كبريائها ما يُقال في هذه اللحظة العارية.نهضت بهدوء شديد، وخطت نحو السرير بخطوات واهنة، ثم ارتمت فوقه بكامل جسدها المنهك كما لو أنها أفرغت روحها من كل الأثقال والمخاوف التي
Read more

البارت الخامس والسبعين

انتهى عرس سالي الأسطوري... وعادت الجزيرة المعزولة إلى هدوئها القديم الغامض، وكأنها تلفظ أنفاس الاحتفال الأخيرة في جوف ليلها الساحر. خمدت الأضواء اللاهبة التي أشعلت الفضاء لسبع ليالٍ متتالية، وسكنت الموسيقى الصاخبة، وبقي البحر وحده في عزلته الكونية يهمس بأسراره العتيقة للأمواج والرمال، كأن شيئًا لم يكن. ومع انطفاء شموع الفرح، بدأ الفريق الغريب في تنفيذ الخطة السرية المحفوفة بالمخاطر، تلك التي وضعوا خطوطها العريضة بمساعدة جنات؛ تلك الفتاة التي لم تتوانَ للحظة عن توفير كل ما يطلبونه ويحتاجونه من أدوات بدائية ومعدات دقيقة، لتنطلق رحلتهم الكبرى للبحث بين ثنايا الصخور الصماء... رحلة صعبة غامضة، لا يعرف أحد منهم ما إن كانت علمية بحثة، أم أنها قدرية بحتة كُتبت عليهم منذ أن وطئت أقدامهم أرض كالاتيا. صار لكل فرد فيهم وجهان؛ فالحاجة سعاد وليلى ورامز وأدهم يعملون نهارًا بجدٍ وتفانٍ في مهامهم المعتادة بالجزيرة لعدم إثارة الشكوك، وتتقاطع حركاتهم مع أهلها بسلام، لكنهم بمجرد أن يسدل الليل ستاره المظلم، يعودون مسرعين إلى تلك الغرفة الضيقة، حيث تتحول الأجواء إلى ثورة علمية ونفسية صامتة. تتناثر وتتقا
Read more

البارت السادس والسبعين

قال زياد وهو يتكئ بكل ثقله وبجدية صارمة على الطاولة الخشبية، مشابكًا أصابعه بقوة وموجّهًا نظراته الحادة الثاقبة مباشرة إلى عيني يوسف – أنا دلوقتي لما أنزل البحر وألمّ اللؤلؤ ده كله... هطلع بيه قدام الناس وأهل الجزيرة إزاي؟ من غير ما حد يشك فينا أو يسألنا مين اللى جابه سؤالٌ بدا بسيطًا في ظاهره ومبناه... لكنه كان محمّلًا بتبعات خطيرة وأبعاد مرعبة قد تقلب الطاولة على رؤوس الجميع. ساد صمتٌ خانق، ثقيل للحظات، وغرق كل من في الغرفة في لجج التفكير العميق. كانوا في تلك الثواني كمن يزن خطوة انتحارية على حافة هاوية سحيقة؛ فأي هفوة، أو نظرة، أو خطأ غير محسوب قد يكشف أمرهم، ويفضح سر أبحاثهم، ويحولهم من ضيوف تائهين إلى أعداء ومطامع مستباحة لأهل الجزيرة. وفجأة، نهض بهاء من مكانه ببطء، رافعًا حاجبيه بلا مبالاة مصطنعة وهو يلوّح بيده في الهواء كمن يحاول تهوين الأمر وتبديد التوتر الجاثم على الأنفاس - أنا مش عارف إنتوا مكبرين الموضوع ومعقدينه ليه كده يا جماعة! ما هو يوسف أصلاً مش من أهل الجزيرة، والكل عارف إنه غريب ومش عارف عاداتهم ولا قوانينهم... إلم اللؤلؤ بتاعك ده يا صاحبي لوحدك في السير، من غير
Read more

البارت السابع والسبعين

– أنا مش فاهم، إيه علاقة الثورة بإنك لسه مخلصتش الشقة وعمال تماطل وتتحجج؟ قالها عاطف بحدة لاهبة صكت جدران الصالون، كأن الكلمات قذائف غاشمة لا تسعى للفهم أو النقاش بل للنسف المباشر وكبرياء السيطرة. لم تكن نبرته مجرد تساؤل رجل يريد الاطمئنان على زواج ابنته، بل كانت اتهاماً صريحاً ومبطناً لأمجد بالعجز، والتخاذل، وقلة الحيلة. أوشك أمجد أن ينهض من مجلسه بعنف، أن يلكم هذا الرجل المتغطرس الذي خرب حياتهم جميعاً بقراراته الجائرة وأنانيته، لكنه كبح جماح نفسه في اللحظة الأخيرة. ابتلع غضبه العارم كما يبتلع المرء السم الزعاف، وشد على قبضتيه حتى ابيضت مفاصله، ثم رد بصوت مخنوق حاول جاهداً أن يكسوه بهدوء زائف لا يملك منه ذرة في حقيقته – يا عمي إنت عارف البلد برة ماشية إزاى دلوقتي والدنيا مقلوبة في كل شبر... الشوارع متقفل ومفيش عمال بيرضوا ينزلوا يشتغلوا، والمحلات قافلة وكل حاجة واقفة تماماً. إحنا لسه فى نص يناير، وكنا متفقين أصلاً إن الفرح يكون الشهر الجاى... أنا كل اللي بطلبه نأجله بس لشهر أربعة، تكون الأمور والأوضاع في البلد هديت، والعيال اللى فى ميدان التحرير دول يهدوا ويرجعوا بيوتهم شوية بعد خ
Read more

البارت الثامن والسبعين

– أنا عاوز أعرف بالظبط... إنت بتعمل إيه هنا؟ وإيه الكركبة واللخبطة اللى عاملها فى الأوضة دى كلها؟ قالها يوسف بانفعال حاد غلفتّه حيرة شديدة، وهو يقف عند عتبة الغرفة شاخصاً ببصره نحو زياد، الذي بدا في تلك اللحظة وكأنه يعيش في مجرة أخرى تخصه وحده؛ محاطاً بأدوات ميكانيكية متناثرة، وأنابيب معدنية، ومخططات مرسومة بعشوائية تعكس الأفكار المشتعلة في رأسه. رفع زياد رأسه بهدوء شديد، تاركاً قطعة معدنية كانت في يده، وحدق في يوسف بعينين غائرتين أضناهما السهر والإجهاد، وقال بنبرة خافتة واهنة - بحاول أعمل إسطوانة أوكسجين بدائية... ظل يوسف صامتاً لبرهة، يتأمل ملامح صديقه بوجوم وهو يحاول استيعاب وتفكيك الكلمات الغريبة التي قذفتها شفتا زياد، قبل أن يعيد نطقها باستنكار وذهول، عاقداً حاجبيه - إسطوانة أكسجين؟! إنت اتجننت رسمي يا زياد؟ هتعمل بيها إيه وسط الهرجلة دي كلها؟ تنهد زياد بعمق منبعث من قاع صدره، وشعر في تلك اللحظة بأن طاقته الجسدية تتسرب منه كلياً. جمع بعض المفكات والمواسير بعشوائية ليفسح مكاناً، ثم جلس على الأرضية الخشبية المتربة وقال وهو يمرر كف يده المجهدة على جبينه المتصبب عرقاً - محتاجه
Read more

البارت التاسع والسبعين

- أنا... كنت مجرد غلطة. غلطة جوازة فاشلة ومستعجلة بين أمي وأبويا... انفصلوا بعد شهور قليلة جداً من ولادتي، وكل واحد فيهم رمى التاني بيا، وبقيت أنا الحمل التقيل. لا أمي قدرت تتحملني وتشيلني، ولا أبويا رضي يعترف بيا قدام مجتمعه. جدتي بس... الست الطيبة اللى عمرها ما شالت همّ في حياتها، هي الوحيدة اللى شالتني وجمعتني من الشارع. نزلت تشتغل وهي في عز كبرها وفي سن الشيخوخة؛ اشتغلت خدامة في البيوت، بائعة في الأسواق، عملت أي حاجة شريفة عشان تقدر تعلمني... وتعيشني وتكبرني زي البني آدمين المستورين. كنت بشوف إخواتي من أبويا في الشارع... لابسين أحسن لبس، ونضاف، ومعديين من قدامي ويتكسفوا يبصولي أو يقولوا للناس إني أخوهم من الأب. يوم ما تعبت فجأة وأنا صغير وكنت بموت ومحتاج أعمل عملية الزايدة فوراً... مكانش معانا مليم واحد. جدتي راحت لأبويا تترجاه يساعدنا، طردها من بيته بمنتهى القسوة، وقالها أنا مش ملزم بيه ولا بأي مصاريف تخصه. كانوا بياكلوا في بيته لحمة وفاكهة ويبعزقوا الفلوس قدام عينيها، وأنا كنت واقف بره على الباب، بتلوّى وأبكي من شدة الوجع... في اليوم ده بالذات، قررت إني ما أحبش في الدنيا دي كلها
Read more

البارت الثمانون

شهقت مشمشة شهقة عالية، متهدجة، حبست معها أنفاس الحاضرين، وقد لمعت عيناها اللوزيتان بدموعٍ حائرة لم تعرف إن كانت فائضة من فرط الفرح الطاغي أم من جلال الارتباك، حين رأت تلك الكمية الهائلة من اللآلئ الملكية الثمينة تسقط كالمطر الأبيض الساحر في كفّ والدها العريضة الغليظة. وقف والدها في تلك اللحظة المشهودة، منتصباً، شامخاً كأنما يُزوّج ابنته لحلمٍ فريد طال انتظاره وتمنى تحقيقه، وتلقف اللآلئ اللامعة من يد يوسف واحدة تلو الأخرى بيقينٍ تام، تأملها بذهول صامت قبل أن يرفع رأسه ويقول بصوت جهورى، وقور، مفعم بالفخر والاعتراف بالرجولة – مبارك يا بني... لقد أثبتّ أنك رجل يستحقها. الزواج يوم الإثنين المقبل، بإذن الله، وأمام العشيرة كلها. تدافعت التهاني الحارة والمباركات من كل حدب وصوب، وأحاط رجال الجزيرة بيوسف كالسوار، الكفوف تنهال على كتفه بالترحاب، والقلوب تُفتح له على الكف بعد أن بات واحداً منهم؛ أما هو، فرغم نشوة الانتصار، كانت ابتسامته ممتنة، دافئة، تسكن شفتيه، وعيناه… عينا يوسف ظلّتا دون التفاتٍ للجموع، متعلقتين بقوة ووفاء صادق بذلك الركن الصخري القصيّ الدافئ، حيث يقف زياد متواريًا خلف الأس
Read more
PREV
1
...
678910
...
13
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status