تطلّعت من نافذة المكتب الشاهقة، وعيناها تائهتان في قلب ذلك الضجيج المشتعل الذي يبتلع المدينة الأسيرة تحت وطأة الفوضى. كان الارتباك والتوتر ينهشان ملامحها، وأنفاسها المتلاحقة تُزاحم حنجرتها للخروج كأنها تبحث عن مخرج من حصار الخوف المباغت. كانت تُمسك الهاتف بعصبية مفرطة، وتتحدث بنبرة يغلفها نفاد الصبر والقلق الساكن في عروقها – خلاص يا بابا أرجوك متقلقش... لأ يا حبيبي، لأ، دا كله كلام تليفزيونات وهوليلة فارغة، وإنت عارف الإعلام والفضائيات بيحبوا يهولوا الأمور ويكبروها... أنا لو لقيت الوضع برة وحش والطرق مقفولة، هبات عند أختي النهاردة ومش هتحرك، متقلقش عليا خالص. اقفلوا على نفسكم باب الشقة كويس، وإياك تنزل الشارع يا بابا مهما حصل... أنا هعرف أتصرف. أنهت المكالمة وضغطت على زر الإغلاق بقوة، ثم تنهدت زفرة ضيق حارقة كأن ثقل العالم بأسره قد انزلق واستقر فوق صدرها فجأة. تابعت المشهد الدموي خلف الزجاج بعينين مرتعشتين؛ وكان جسدها الغض ينتفض بعنف كلما اقترب من مسامعها صدى دوي قنبلة دخان، أو صرخة رعب جماعية تمزق هدوء الهواء. لم تكن تدري بحق كيف ستشق طريقها وتصل إلى أمان منزلها في هذا التوقيت العص
Read more