Home / الآخر / الرحلة 301 / Chapter 61 - Chapter 70

All Chapters of الرحلة 301: Chapter 61 - Chapter 70

124 Chapters

البارت الحادى والستون

أنهَت عملها المضني، والتقطت حقيبتها الجلدية بنية المغادرة والفرار إلى سكينتها، لكن خطوتها تيبّست فجأة، وهوت دقات قلبها في صدرها حين وجدته واقفًا كطيفٍ آسرٍ إلى جوارها... عمر. كانت نظراته المسلطة عليها غريبة، دافئة بشكلٍ لافت، لا تنتمي أبدًا إلى ذلك الصمت الجليدي المعتاد الذي كان يحيط به نفسه كحصنٍ منيع كلما التقت عيونهما في ردهات العمل. كان يتأمل تفاصيل وجهها بصمتٍ غامض يفيض بالكلمات المؤجلة، ثم فاجأها بابتسامة هادئة، عذبة، مختلفة تمامًا عن بروده المعهود الذي طالما أرهق تفكيرها. دارت في عقلها تساؤلات عاصفة: ما الذي تغيّر في ليلة وضحاها؟ ومنذ متى يتحول هذا الرجل من تجاهلٍ مُتعمد وهروب دائم إلى هذا الهدوء الآسر والمربك؟ كانت في قمة دهشتها وشتات أفكارها حين قطع هو حبل ظنونها، قائلًا بصوت رخيم، دافئ وناعم اخترق هدوء المكان - ممكن أعزمك على الغدا النهاردة؟ يا الله... ما تلك النبرة التي خرجت من بين شفتيه؟ كانت رقيقة، صافية، ومغلفة بصدقٍ باغت عاطفتها، وكأنها تعزف على أوتار قلبها مباشرة لترغمها على الرقص! شعرت في تلك اللحظة أن خفقات قلبها المتسارعة قد فضحت أمرها وأصداؤها تملأ الفراغ، حتى
Read more

البارت الثانى والستون

يجلس قبالتها على تلك الطاولة الدافئة، ينتقي لها بعناية وشغف أصناف الطعام الشرقية التي يحفظها عن ظهر قلب، ويعرف تمامًا أنها تعشقها وتذوب في مذاقها. كان يحيط بهما ارتباك صامت لافح، تشتعل به الأنفاس، لكنها وحدها من كادت أن تُسقِط أدوات المائدة المعدنية من بين أصابعها المرتجفة من فرط توترها الأنثوي الطاغي. تتناول طعامها في صمت مطبق، تخشى حتى أن ترفع جفنيها لتنظر في وجهه، فكلما تجرأت ورفعت رأسها قليلًا، اصطدمت عيناها بنظراته الصادقة المختلسة، تلك النظرات المحملة بوعود قديمة تزيد من ارتباكها وتجعل قلبها يرتعش في صدرها كعصفور بلله المطر. انتهت الجلسة الحافلة بالصمت البليغ، وأقبل النادل ليضع فناجين القهوة الساخنة برائحتها النفاذة. في تلك الثواني، شعرت نهى أن هذه اللحظة ليست عادية أبدًا، وأن خلفها سرًا سيغير مجرى حياتها؛ فجمعت ما تبقى لها من شجاعة، ونظرت إليه مباشرة لتسأله بنبرة مرتعشة - عمر... لثاني مرة هسألك، ممكن أعرف إيه السبب الحقيقي ورا عزومتك دي يستند عمر بظهره على الكرسي الخشبي، ويرتشف رشفة بطيئة من قهوته، كمن يحاول باستماتة أن يستمد من مرار ومذاق القهوة جرأةً رجولية للكلام والمواج
Read more

البارت الثالث والستون

اختلاطٌ عنيفٌ يعصف بمشاعر سالي، كأن روحها جمرةٌ عالقة بين مدّ وجزرٍ من التناقضات الحارقة؛ بين بهجةِ عودةٍ مشتهاة إلى وطنها وأهلها، ويأسٍ مباغت يُنهك النبض في قلبها الصغير. لم تكن تدري كيف ستخرج من هذه الدوامة العاتية، ولا كانت تملك الشجاعة الكافية لاتخاذ قرارٍ يفصل بين عالمين، حتى جاء الحسم أخيرًا بصدمةٍ مباغتة، تمثلت في إعلان فشل التجربة الكيميائية ومراوغة النتيجة لآمالهم. كانت الأصوات من حولها في الكوخ تدور كإعصارٍ صاخب؛ نقاشات محتدمة، اتهامات متبادلة، ومبررات تُلقى هنا وهناك، أما هي فكانت في وادٍ آخر... لم تكن تسمع في أذنها إلا سؤالاً واحدًا يتردد في أعماقها بصمتٍ مؤلم...... ما هو القرار المناسب يا سالي؟ - على لسان سالي - كنت محتارة وتعبانة من التفكير... نصي التاني كان فرحان وعاوز يطير لأني هرجع أخيرًا لحضن أمي وناسي، بس النص التاني كان ينزف وموجوع لأني هفارق فراس وأسيب روحي معاه هنا... ولما هما أعلنوا فشل التحليل والمية طلعت عادية، غصب عني حسيت براحة غريبة غمرت صدري! قلت لنفسي هفضل مع فراس شوية كمان، يمكن الأيام دي تديني فرصة أبني ذكريات تانية لحب حقيقي وطاهر دخل قلبي وتملكني
Read more

البارت الرابع والستون

جلسا في غرفة الضيوف الواسعة كما رسمت الخطة المسبقة الدقيقة التي وضعها أمجد بحذر، فقط من أجل هدف واحد: إسكات تلك الشكوك والظنون الشرسة التي بدأت تنمو وتتحرك من تحت السطح في عقل والدها الصارم. بدا المشهد ظاهريًا للناظرين هادئًا، وادعًا، لكنه في الحقيقة كان مشبعًا بتوتر غير مرئي، ثقيل، يملأ الأثير والهواء الفاصل بين جسديهما كشحنات كهربائية توشك على الانفجار. كان أمجد يجلس في هدوء حذر، منكمشًا على ذاته، ينظر في هاتف المحمول بتشتت مصطنع وعينين لا ترى السطور، بينما جيلان تلاحق تفاصيل وجهه وأنفاسه المضطربة دون أن تشعر. شيء ما في هذا الرجل كان مكسورًا بشكل لافت، وبدا شاحبًا، منطفئ النور رغم كل محاولاته المستميتة للتظاهر بالتماسك والصلابة الرجولية. كانت تدرك بفطرتها الأنثوية ذلك الحزن النبيل القابع خلف ملامحه، وإن لبس قناع الصمت واعتصم به. مر الوقت بينهما ثقيلاً، كأنه دهر كامل، يتأرجح بين صمتٍ كئيب وأحاديث مقتضبة، مبتورة، تحمل في طياتها ذكريات مشتركة عن غائبهم الحاضر "بهاء"؛ يسترجعان فيها شذرات دافئة من الماضي، كأنهما يتشبثان بأظافرهما بما تبقى منه في الذاكرة، خشية أن ينمحي نهائيًا بفعل قسوة
Read more

البارت الخامس والستون

لا تعلم ما الذي طرأ عليه مؤخرًا؛ تشعر بشروده القاتل، بقلبه الذي يئنّ في جوف صدره بصمت مريب، كأنه يحمل جرحًا غائرًا قديمًا لا يُشفى مع الأيام، وألمًا دفينًا يأبى البوح به أو الانصياع لراحة النسيان. عاد عليان من جولته الطويلة بين أحوال رعايته وشعبه في أرجاء كالاتيا، مُرهق الجسد والروح، يتنهد بحرارة لافحة تكاد تشقّ صدره الفارع نصفين. كانت سلمى تتأمله بصمت شجِي وعينين قلقتين، تودّ في سرها لو تملك سحرًا تتسلل به إلى أعماق روحه، إلى ما وراء ضلوعه المتعبة، علّها تنتزع بيديها ذاك الألم المسموم الذي يأسره ويطفئ نور عينيه. اقتربت منه بخطوات وئيدة تفيض بالأنوثة والحنان، وجلست بجواره على طرف الفراش الخشبي. أسندت رأسها برقة إلى كتفه العريض، واحتضنت ذراعه القوية بكلتا يديها، وتشبثت به كأنها تبحث عن مأمن أخير يحميها من غيابه الوشيك الذي تستشعره باقتراب العاصفة. كانت تسمع رنين تنهيدته الساخنة وهي تتسلل من صدره كأنها وجع سجين يحاول الهرب يائسًا من قفصه الصدري. مسح عليان على شعرها الانسيابي برفق أبدي، وخرج صوته حنونًا، دافئًا كنسمة فجرية في آخر الليل تداعب أوراق الشجر - باكر... موعد الرحلة الشهرية
Read more

البارت السادس والستون

لم تستوعب المعنى الحرفي الدقيق لكلماته، والتَبس على عقلها الحائر المقصود من حديثه، لكنها تلقفت ما التقطه وعيها بطريقتها العفوية الخاصة؛ وفجأة، أضاءت عيناها الفيروزيتان بفرحة طفولية بكرة جرفت معها كل وجوم، ورددت بحماس متفجر وقد تشابكت كفاها بلهفة - يعني نجحوا؟ بجد يا عليان؟ لقوا الطريقة والسر اللي هيخرجهم من هنا ويرجعهم؟ لكن كلماتها العذبة تلك، والتي نطقتها ببراءة ونقاء كاملين، ارتدت على صدر عليان كنصل خنجر مسموم غُرس في الصميم. لم تكن سلمى تعلم أن سعادتها الخاطفة تلك ستخترق دروعه هكذا… بتلك القسوة اللاهبة التي لم يحسب لها حسابًا. شعر بفقدان توازن داخلي عنيف، كأن أرض كالاتيا تميد وتنهار من تحت قدميه، فترنح خطوتين وجلس بثقل كاهل على إحدى الأرائك الخشبية، وخرج صوته متهدجًا يتخلله انكسار رجولي مرير - ألتلك الدرجة… ألتلك الدرجة أنتي سعيدة ومتلهفة لعودتك إلى وطنك وعالمك القديم يا سلمى؟ كانت جملته المخنوقة تلك كمن أزاح الستار أخيرًا، وبعنف، عن السبب الحقيقي والمنبع الأصيل لذلك الحزن الأسود الذي كان يسكن عينيه الصقريتين طوال الأيام الماضية ويؤرق مضجعه. الآن فقط فهمت… الآن اتضح لها كل شيء؛
Read more

البارت السابع والستون

التفت لها بكامل جسده وجلسته، وعيناه رغم سحب الحزن الكثيفة التي تغلفهما، امتلأتا بتركيز حقيقي واحترام لوجودها - أكيد طبعاً يا جنات… قولي، ولو في استطاعتي ومقدورتي، عمر ما أتأخر عنكِ أبدًا بعد كل اللي عملتيه معايا. هنا، وفي هذه الثانية اللاهبة، تغيّرت ملامح وجهها تمامًا؛ ارتجفت شفتيها قليلًا، وكأنها تسترجع شيئًا ثقيلًا، ومؤلمًا من زوايا ذاكرتها القديمة، ثم قالت بصوت خافت جداً كاد لا يُسمع، لكنه كان مملوءًا بكسرة ورجاء يمزق القلوب - ممكن… لو نجحت في يوم وعملت المعجزة وقدرت ترجع لوطنك ومصر… تاخدني معاك؟ مش عاوزة أفضل هنا لوحدي... صعقته كلماتها كتيار كهربائي مباغت. حدّق فيها بدهشة عارمة وعينين متسعتين، وكأن طلبها الغريب والمفاجئ قد أيقظ روحه بعنف من سُبات وعزلة أحزانه. ولكن… لم يسألها ليه؟… ولم يقل بصلابة الغرباء مستحيل… لم يستطع لسانه في تلك اللحظة أن يتلفّظ بأي حرف قد يكسر خاطرها أو يخدش رجاءها. فقط، أطبق شفتيه في صمت بليغ، واكتفى بإيماءة صغيرة هادئة من رأسه… إيماءة حائرة، مشوشة بين ماضيه وحاضر الجزيرة، لكنها كانت تحمل في طياتها وعدًا خفيًا، صادقًا، لرجل لا يعرف نكث العهود. ✨✨✨✨✨
Read more

البارت الثامن والستون

انتهت رزان من عملها المضني، وكانت خطواتها الوئيدة الواهنة تسير على الأرض الجافة وكأنها تحمل فوق كتفيها النحيلتين وزن السنين وشقاء دهرٍ بأكمله. كانت تمشي شاردة اللب، مغيبة الوعي عمن حولها، غارقة في عالمها المظلم، إلى أن توقفت فجأة بغتة، وصادفت أمامها وجهًا مألوفًا… بل وجهًا بدا كأنّ صاحبه قد تسمر في مكانه طويلاً بانتظارها. وليد. كان واقفًا هناك بثبات، بملامحه الهادئة، كما لو أن الصدفة المحضة قد خُطط لها بعناية فائقة وتدبير مسبق. ابتسم فور أن التقت عيناه بعينيها الحزينتين؛ ابتسامة عذبة تحمل في طياتها شيئًا من الارتياح العتيق، وشيئًا آخر خفيًا وعميقًا لا تُترجم حقيقته العارية أعتى الكلمات. سارا جنبًا إلى جنب بخطوات متثاقلة، لا يتكلمان… كان الصمت وحده هو الرفيق والملازم لهما، ذلك الصمت الثقيل، المشحون بالاعترافات المؤجلة والكلام غير المنطوق، ذلك النوع من الصمت الخانق الذي يُثقل الهواء ويجعله لزجًا بين اثنين. لكن وليد ما لبث أن قطع هذا الحصار الصامت بصوته الرخيم الهادئ - محضرتيش اجتماع امبارح في بيت أيمن... ليه يا رزان؟ كنا مستنيينك. رفعت رزان يدها بحركة سريعة، مستسلمة في الهواء، كأن
Read more

البارت التاسع والستون

أما تلك الرحلة الموعودة إلى أقاصي الشمال… فكانت في حقيقتها عكس كل المخاوف والظنون السوداء التي عششت في صدر سلمى تمامًا. كان القلق الجاثم على أنفاسها يتلاشى تدريجيًا ويتسرب بعيدًا مع كل خطوة خطتها بجوار عليان، ومع كل نبرة ترحيب دافئة وكلمة طيبة تلقتها من قلوب أهله وعشيرته في الشمال. لقد استقبلوها بحرارة بالغة واحتضنوا وجودها بصدق؛ ليس فقط لكونها زوجة الحاكم المعظم وامرأته المصطفاة، بل لأنها سلمى الغامضة والساحرة التي طالما تناهت سيرتها العذبة إلى أسماعهم، ولأنهم رأوا بأعينهم في هذا اللقاء كيف يذوب كبرياء عليان وسطوته في بحر حبها العميق، وكيف تلمع عيناه ببريق العشق كلما وقعت نظراته عليها. أغدق عليها كبار العشيرة ونساؤها بالهدايا النادرة والثمينة من صوف الشمال وحليه، بينما أغدق هو عليها، أمام القاصي والداني، بحب جارف واحترام هيب صاغ مكانتها كملكة متوجة فوق عرش قلبه وعرش الجزيرة. عادوا إلى ديارهم، وعادت سلمى مثقلة بحمل الهدايا، لكنها كانت خفيفة القلب كفراشة، تنبض بسعادة طاغية لوجودها بجواره، ومطمئنة بيقين بكر بأن الحياة في كنف هذا الرجل وبجواره غدت أجمل وأرحب بكثير مما توقعت أو تمنت يو
Read more

البارت السبعون

تزينت الجزيرة بأكملها كما لم تتزين من قبل عبر تاريخها الطويل؛ أُضرمت الأنوار اللاهبة في كل ركن وصوب، وتلألأت ألوان الزينة القنديلية في سمائها لسبع ليالٍ مخملية متتالية احتفالًا بذوبان العشق وزواج ولي عهدهم وفارسهم المغوار. كل شيء حولهم كان مبهرًا للحد الذي يسلب الأنفاس، كأن الطبيعة البكر في كالاتيا قررت أن تشارك بجوارحها في هذا العرس الأسطوري. أما فستان سالى، فلم يكن مجرد ثوب زفاف أبيض تقليدي، بل كان تحفةً فنية أسطورية تُروى تفاصيلها ولا تُرتدى. قماش مخملي بلون أحمر قانٍ يخطف الأبصار ويثير الحواس، نُحت ضيّقًا على صدرها بانسيابية ملكية طاغية برزت معها تفاصيل أنوثتها الفاتنة، ثم ينحدر من الخصر بوسَعٍ مهيب ذي ذيل طويل كأنّه أمواج بحر ثائرة تتلاطم فوق الأرض. وقد طُعّم النسيج بأكمله باللؤلؤ الطبيعي الحر، والياقوت الأحمر المشع، والزمرد الأزرق النادر، فكان كل حجر كريم يلمع مع حركتها كأنّه يحمل سِرًا دافئًا من أسرار الجزيرة الساحرة. وقفت هاميس تدور حولها كالفراشة، تهمس بإعجاب ذهب بعقلها ولم تحاول إخفاءه - ما شاء الله يا سالى… أنا أول مرة في حياتي أشوف فستان بالجمال ده تمنه في مصر يعدّي الم
Read more
PREV
1
...
56789
...
13
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status