جميع فصول : الفصل -الفصل 5

5 فصول

الفصل الأول

كان الجميع مطأطئي الرؤوس، عاجزين عن النطق ببنت شفة، لا يدرون بأي حجةٍ يبررون ما آلت إليه الأوضاع من تكاسلٍ وإهمالٍ خلال الآونة الأخيرة، رغم التحذيرات المتكررة من مديري الإدارات بضرورة الالتزام وعدم التقصير، حتى لا يصل الأمر إلى المدير العام؛ فحينها لن يستطيع أحد الوقوف في وجه تلك الكارثة.ــ ما هذا الاستهتار الذي أراه؟! أهذه شركة أم مدينة ملاهٍ نأتي إليها لنلهو ثم نغادر؟!صدحت كلماته بعصبيةٍ مفرطة وغضبٍ عارم كاد يفتك بمن حوله إن تجرأ أحدهم على الاعتراض أو الوقوف في طريقه بتلك اللحظة."مجد الكيلاني"... اسمٌ تهتز لذكره أعتى الرجال، ويُكنّ له أصحاب الطبقات المخملية وصفوة المجتمع كل احترامٍ وتقدير. وكيف لا، وهو مالك واحدةٍ من أضخم مجموعات شركات الأدوية في الشرق الأوسط؟ استطاع بعلمه واجتهاده أن يرفع شأنه وشأن شركاته، حتى ارتفع اسمها فوق جميع منافسيها، ولم يقتصر نجاحه على الداخل فحسب، بل امتدت فروعه بالخارج لتضاهي الأصل قوةً ونفوذًا.كان الموظفون يتبادلون النظرات فيما بينهم بصمتٍ خانق، لا يجرؤون على التعقيب خوفًا، بل رعبًا من أن يصدر منهم ما يزيد من اشتعال غضبه، الأمر الذي جعل "مجد" يزداد س
last updateآخر تحديث : 2026-05-21
اقرأ المزيد

الفصل الثاني

كان جالسًا، كعادته، في شرفة غرفته، تحيط به صور زوجته الراحلة ومتعلقاتها، يتأملها تارةً بابتسامةٍ شاحبة، وتارةً أخرى بحزنٍ ينهش قلبه بصمت. لم يكن يدري متى ستنتهي تلك العادة التي أثقلت روحه وأرهقت فؤاده.فما أقسى الاشتياق لشخصٍ لم يعد له وجود بيننا... رحل تاركًا إيانا نبكي على أطلال الذكريات، نتمنى لو يمنحنا القدر يومًا واحدًا فقط لنراه مجددًا، لنملأ أعيننا به قبل أن يختفي إلى الأبد.كان يمسك بصورةٍ قديمة تجمعه بزوجته في أيام شبابهما؛ صورة تعج بالحياة والضحكات، التُقطت قبل تلك الحادثة المروعة التي سلبت منهم كل شيء، وأخذتها منه إلى غير رجعة.ومنذ رحيلها، لم يعد سوى جسدٍ يسير بلا روح. ولو أمعن أحدهم النظر داخله، لأدرك أنه مات معها منذ ذلك اليوم، وأن ما تبقى منه ليس سوى بقايا رجل يتمنى الرحيل كل ليلة لعل الله يجمعه بها من جديد.قطع شروده صوت طرقاتٍ خفيفة على باب غرفته، فانتفض على إثرها، ومسح دموعه سريعًا قبل أن تخونه أمام ابنته، فهو لا يريد أن يثقل قلبها بحزنه كما أثقل قلبه هو بالفقد.ثم سمح لها بالدخول.ــ صباح الخير يا أبي.قالتها "رفيف" بابتسامتها الرقيقة التي اعتاد أن يستقبل بها صباحات
last updateآخر تحديث : 2026-05-21
اقرأ المزيد

الفصل الثالث

فهم "مجد" جيدًا تلك النظرة والمعنى المختبئ خلف كلماتها الأخيرة، فضيّق عينيه بمكرٍ وهو يقول:ــ إذًا تعالي لنرى ماذا سيفعل أبي حين يعلم أن سيدتنا الصغيرة عادت بعد الحادية عشرة ليلًا... وهي تقود السيارة بنفسها أيضًا.أدار لها ظهره واستأنف سيره نحو الداخل، لكنه لم يكد يخطو بضع خطوات حتى أسرعت خلفه، متشبثة بذراعه وهي تقول بتوسلٍ ولهفة واضحة:ــ مجد، أرجوك... لا تخبر أبي أنني خرجت وحدي من دون السائق.نظر إليها بجدية، وعادت ملامحه الجامدة كما اعتاد الجميع رؤيتها، ثم قال بصوتٍ تحذيري:ــ هذه آخر مرة يا "رفيف" أعلم فيها أنكِ خرجت ليلًا دون السائق. سأمرر الأمر هذه المرة، لكن في المرة القادمة لن أنتظر حتى أخبر أبي... وسأتصرف بنفسي، وأنتِ تعلمين جيدًا أن تصرفي لن يعجبك.مطّت شفتيها بتذمرٍ طفولي، ثم قالت بخجل وهي تنظر إلى الأرض:ــ لم أخرج ليلًا من الأساس، أقسم لك... أنا خارج المنزل منذ الصباح، كنت أتسوق وأخبرت أبي بذلك، ولم أتوقع أن أتأخر لكل هذا الوقت، لذا لم آخذ السائق معي.ثم رفعت عينيها إليه بابتسامتها المحببة إلى قلبه، وأردفت برقة:ــ لن يتكرر الأمر مجددًا... فلا تغضب مني.قالت جملتها الأخي
last updateآخر تحديث : 2026-05-21
اقرأ المزيد

الفصل الرابع

تنهد وهو يراجع التقارير التي سيقوم بتقديمها لاحقًا إلى الإدارة التنفيذية، ثم رفع نظره نحو صديقه قائلًا بعمليةٍ بحتة:ــ هكذا أصبح كل شيء جاهزًا. لقد راجعت جميع الملفات التي أُرسلت، وهناك بعض الملاحظات التي بعثتها إليك عبر البريد الإلكتروني، أريدك أن تراجعها، وإن رغبت بإضافة شيء فأخبرني أولًا.أومأ له "جاسم" بينما يغلق الحاسوب الموضوع أمامه فوق الطاولة الملحقة بالمكتب، ثم تنهد بتعبٍ مجيبًا بهدوء:ــ ألقيت نظرة سريعة عليها قبل قليل، وسأراجعها بالكامل الآن، وإن وجدت ما يحتاج إلى إضافة فسأخبرك.همهم "مجد" بإيجاب، ثم نهض متجهًا نحو الواجهة الزجاجية العريضة لمكتبه، يتأمل الخارج بنظرته الشاردة المعتادة.لاحظ "جاسم" شروده الواضح منذ بداية اليوم، فتنحنح بخفةٍ ثم سأله:ــ هل هناك شيء يا "مجد"؟ أشعر أنك مختلف اليوم.التفت إليه الآخر نصف التفاتة وقال بصوتٍ خافت:ــ والدي لم يعد يطمئنني مؤخرًا... الإرهاق يزداد عليه، وأصبح يبدو أكثر حزنًا من السابق. آخر مرة ذهبت إليه، لم أشعر حتى بسعادته لرؤيتي، ولم يعاتبني على غيابي كعادته، وكان حديثه قليلًا بصورةٍ أقلقتني.زفر بإرهاق، ثم جلس على الأريكة المجاورة
last updateآخر تحديث : 2026-05-21
اقرأ المزيد

الفصل الخامس

انفجر "حمزة" ضاحكًا على حديثه، ثم غادر متجهًا نحو باب المكتب وهو يصيح بصوتٍ مرتفع نسبيًا:ــ لا تنسَ الذهاب إلى المدير... لم يحدد وقتًا معينًا، قال فقط: حين تنتهي من عملك اصعد إليه... ويبدو أنه يريد إبلاغك بأمرٍ ما.رفع "عدي" نظره إليه وأومأ بالإيجاب قائلًا:ــ حسنًا، أمامي نصف ساعة على الأكثر وسأذهب إليه.أومأ له "حمزة" قبل أن يغادر، تاركًا الآخر يتابع عمله حتى ينتهي سريعًا ويتمكن من معرفة سبب طلب المدير مقابلته شخصيًا.عاد "جاسم" إلى متابعة عمله على الحاسوب الموضوع فوق مكتبه بعد مغادرة "عدي" وإبلاغه بالأمر الذي استدعاه المدير لأجله.*****كان مندمجًا فيما يفعله بتركيزٍ شديد، حريصًا على ألّا يقع بأي خطأ مهما بدا بسيطًا.اعتمد عليه "مجد" في الكثير من الأعمال؛ لذكائه الحاد وأمانته التي جعلته يثق به سريعًا، حتى بات يستشيره في أمورٍ عديدة ويأخذ برأيه دون تردد.كان يفضّل الهدوء بطبعه، لا في العمل فقط، بل في حياته بأكملها. ذلك الهدوء الذي ينعكس على ملامحه وكلماته وتصرفاته.امتلك قدرًا كبيرًا من الوسامة جعله محط أنظار الكثير من الفتيات، وحلمًا لعددٍ لا بأس به من النساء، خاصة بعينيه الزرقاوي
last updateآخر تحديث : 2026-05-21
اقرأ المزيد
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status