All Chapters of لم يكن حبًا... بل إدمانًا لا شفاء منه: Chapter 1 - Chapter 10

147 Chapters

الفصل الأول

كان الجميع مطأطئي الرؤوس، عاجزين عن النطق ببنت شفة، لا يدرون بأي حجةٍ يبررون ما آلت إليه الأوضاع من تكاسلٍ وإهمالٍ خلال الآونة الأخيرة، رغم التحذيرات المتكررة من مديري الإدارات بضرورة الالتزام وعدم التقصير، حتى لا يصل الأمر إلى المدير العام؛ فحينها لن يستطيع أحد الوقوف في وجه تلك الكارثة.ــ ما هذا الاستهتار الذي أراه؟! أهذه شركة أم مدينة ملاهٍ نأتي إليها لنلهو ثم نغادر؟!صدحت كلماته بعصبيةٍ مفرطة وغضبٍ عارم كاد يفتك بمن حوله إن تجرأ أحدهم على الاعتراض أو الوقوف في طريقه بتلك اللحظة."مجد الكيلاني"... اسمٌ تهتز لذكره أعتى الرجال، ويُكنّ له أصحاب الطبقات المخملية وصفوة المجتمع كل احترامٍ وتقدير. وكيف لا، وهو مالك واحدةٍ من أضخم مجموعات شركات الأدوية في الشرق الأوسط؟ استطاع بعلمه واجتهاده أن يرفع شأنه وشأن شركاته، حتى ارتفع اسمها فوق جميع منافسيها، ولم يقتصر نجاحه على الداخل فحسب، بل امتدت فروعه بالخارج لتضاهي الأصل قوةً ونفوذًا.كان الموظفون يتبادلون النظرات فيما بينهم بصمتٍ خانق، لا يجرؤون على التعقيب خوفًا، بل رعبًا من أن يصدر منهم ما يزيد من اشتعال غضبه، الأمر الذي جعل "مجد" يزداد س
Read more

الفصل الثاني

كان جالسًا، كعادته، في شرفة غرفته، تحيط به صور زوجته الراحلة ومتعلقاتها، يتأملها تارةً بابتسامةٍ شاحبة، وتارةً أخرى بحزنٍ ينهش قلبه بصمت. لم يكن يدري متى ستنتهي تلك العادة التي أثقلت روحه وأرهقت فؤاده.فما أقسى الاشتياق لشخصٍ لم يعد له وجود بيننا... رحل تاركًا إيانا نبكي على أطلال الذكريات، نتمنى لو يمنحنا القدر يومًا واحدًا فقط لنراه مجددًا، لنملأ أعيننا به قبل أن يختفي إلى الأبد.كان يمسك بصورةٍ قديمة تجمعه بزوجته في أيام شبابهما؛ صورة تعج بالحياة والضحكات، التُقطت قبل تلك الحادثة المروعة التي سلبت منهم كل شيء، وأخذتها منه إلى غير رجعة.ومنذ رحيلها، لم يعد سوى جسدٍ يسير بلا روح. ولو أمعن أحدهم النظر داخله، لأدرك أنه مات معها منذ ذلك اليوم، وأن ما تبقى منه ليس سوى بقايا رجل يتمنى الرحيل كل ليلة لعل الله يجمعه بها من جديد.قطع شروده صوت طرقاتٍ خفيفة على باب غرفته، فانتفض على إثرها، ومسح دموعه سريعًا قبل أن تخونه أمام ابنته، فهو لا يريد أن يثقل قلبها بحزنه كما أثقل قلبه هو بالفقد.ثم سمح لها بالدخول.ــ صباح الخير يا أبي.قالتها "رفيف" بابتسامتها الرقيقة التي اعتاد أن يستقبل بها صباحات
Read more

الفصل الثالث

فهم "مجد" جيدًا تلك النظرة والمعنى المختبئ خلف كلماتها الأخيرة، فضيّق عينيه بمكرٍ وهو يقول:ــ إذًا تعالي لنرى ماذا سيفعل أبي حين يعلم أن سيدتنا الصغيرة عادت بعد الحادية عشرة ليلًا... وهي تقود السيارة بنفسها أيضًا.أدار لها ظهره واستأنف سيره نحو الداخل، لكنه لم يكد يخطو بضع خطوات حتى أسرعت خلفه، متشبثة بذراعه وهي تقول بتوسلٍ ولهفة واضحة:ــ مجد، أرجوك... لا تخبر أبي أنني خرجت وحدي من دون السائق.نظر إليها بجدية، وعادت ملامحه الجامدة كما اعتاد الجميع رؤيتها، ثم قال بصوتٍ تحذيري:ــ هذه آخر مرة يا "رفيف" أعلم فيها أنكِ خرجت ليلًا دون السائق. سأمرر الأمر هذه المرة، لكن في المرة القادمة لن أنتظر حتى أخبر أبي... وسأتصرف بنفسي، وأنتِ تعلمين جيدًا أن تصرفي لن يعجبك.مطّت شفتيها بتذمرٍ طفولي، ثم قالت بخجل وهي تنظر إلى الأرض:ــ لم أخرج ليلًا من الأساس، أقسم لك... أنا خارج المنزل منذ الصباح، كنت أتسوق وأخبرت أبي بذلك، ولم أتوقع أن أتأخر لكل هذا الوقت، لذا لم آخذ السائق معي.ثم رفعت عينيها إليه بابتسامتها المحببة إلى قلبه، وأردفت برقة:ــ لن يتكرر الأمر مجددًا... فلا تغضب مني.قالت جملتها الأخي
Read more

الفصل الرابع

تنهد وهو يراجع التقارير التي سيقوم بتقديمها لاحقًا إلى الإدارة التنفيذية، ثم رفع نظره نحو صديقه قائلًا بعمليةٍ بحتة:ــ هكذا أصبح كل شيء جاهزًا. لقد راجعت جميع الملفات التي أُرسلت، وهناك بعض الملاحظات التي بعثتها إليك عبر البريد الإلكتروني، أريدك أن تراجعها، وإن رغبت بإضافة شيء فأخبرني أولًا.أومأ له "جاسم" بينما يغلق الحاسوب الموضوع أمامه فوق الطاولة الملحقة بالمكتب، ثم تنهد بتعبٍ مجيبًا بهدوء:ــ ألقيت نظرة سريعة عليها قبل قليل، وسأراجعها بالكامل الآن، وإن وجدت ما يحتاج إلى إضافة فسأخبرك.همهم "مجد" بإيجاب، ثم نهض متجهًا نحو الواجهة الزجاجية العريضة لمكتبه، يتأمل الخارج بنظرته الشاردة المعتادة.لاحظ "جاسم" شروده الواضح منذ بداية اليوم، فتنحنح بخفةٍ ثم سأله:ــ هل هناك شيء يا "مجد"؟ أشعر أنك مختلف اليوم.التفت إليه الآخر نصف التفاتة وقال بصوتٍ خافت:ــ والدي لم يعد يطمئنني مؤخرًا... الإرهاق يزداد عليه، وأصبح يبدو أكثر حزنًا من السابق. آخر مرة ذهبت إليه، لم أشعر حتى بسعادته لرؤيتي، ولم يعاتبني على غيابي كعادته، وكان حديثه قليلًا بصورةٍ أقلقتني.زفر بإرهاق، ثم جلس على الأريكة المجاورة
Read more

الفصل الخامس

انفجر "حمزة" ضاحكًا على حديثه، ثم غادر متجهًا نحو باب المكتب وهو يصيح بصوتٍ مرتفع نسبيًا:ــ لا تنسَ الذهاب إلى المدير... لم يحدد وقتًا معينًا، قال فقط: حين تنتهي من عملك اصعد إليه... ويبدو أنه يريد إبلاغك بأمرٍ ما.رفع "عدي" نظره إليه وأومأ بالإيجاب قائلًا:ــ حسنًا، أمامي نصف ساعة على الأكثر وسأذهب إليه.أومأ له "حمزة" قبل أن يغادر، تاركًا الآخر يتابع عمله حتى ينتهي سريعًا ويتمكن من معرفة سبب طلب المدير مقابلته شخصيًا.عاد "جاسم" إلى متابعة عمله على الحاسوب الموضوع فوق مكتبه بعد مغادرة "عدي" وإبلاغه بالأمر الذي استدعاه المدير لأجله.*****كان مندمجًا فيما يفعله بتركيزٍ شديد، حريصًا على ألّا يقع بأي خطأ مهما بدا بسيطًا.اعتمد عليه "مجد" في الكثير من الأعمال؛ لذكائه الحاد وأمانته التي جعلته يثق به سريعًا، حتى بات يستشيره في أمورٍ عديدة ويأخذ برأيه دون تردد.كان يفضّل الهدوء بطبعه، لا في العمل فقط، بل في حياته بأكملها. ذلك الهدوء الذي ينعكس على ملامحه وكلماته وتصرفاته.امتلك قدرًا كبيرًا من الوسامة جعله محط أنظار الكثير من الفتيات، وحلمًا لعددٍ لا بأس به من النساء، خاصة بعينيه الزرقاوي
Read more

الفصل السادس

بعدما انتهوا من تناول الغداء، انتقلوا إلى غرفة المعيشة يتسامرون معًا؛ بين ضحكات "رفيف" العذبة، ونظرات "جاسم" التي كانت تتبعها في صمت، ومحاولات "مجد" الحثيثة للتخفيف عن والده وانتشاله من حالة اليأس التي استبدت به مؤخرًا.هتف "جاسم" موجّهًا حديثه إلى "مجد" بنبرة مرتفعة قليلًا بعدما لاحظ شروده بعيدًا عنه:ــ حدث اليوم موقف في الشركة... مشكلة كانت على وشك أن تتسبب لنا بخسارة تقارب خمسة ملايين جنيه، لكن أحد المحاسبين الأكفاء انتبه إليها وتمكن من حلها...قاطعه "مجد" بعصبية حادة، فانتفضت "رفيف" من مكانها تلقائيًا، ورمقته بنظرة امتزج فيها الخوف بالمفاجأة، وهو ما لم يغب عن ملاحظة "جاسم".ــ مشكلة تتسبب لنا بخسارة خمسة ملايين جنيه؟! أي مشكلة هذه؟! وأين كان محاسبو الشركة؟! كيف يمر أمر كهذا عليهم مرور الكرام؟!أشار إليه "جاسم" بيده طالبًا منه التريث، ثم قال بهدوء:ــ استمع إليّ أولًا يا "مجد"، وسأشرح لك الأمر. لم تكن مشكلة مقصودة، وأنا نفسي لم أتعمق كثيرًا في تفاصيلها، لكن ما فهمته أنها كانت تتعلق بديون معدومة، وهذا المحاسب هو من لفت انتباههم إلى حل يمكن من خلاله استرداد تلك الديون. وقد أرسلوا إل
Read more

الفصل السابع

هزّ رأسه معترضًا، ثم قال بجديةٍ ممزوجة بنفاد الصبر:ــ وماذا لو نفى الأمر؟ ماذا لو أخبرنا أنها ليست عندهم؟ أو أن والده ليس الرجل الذي تبنّى أختي أصلًا؟ أنا أريد دليلًا قاطعًا أولًا يُثبت أن والده هو نفسه الرجل الذي تبنّى أختي. عندها فقط سأذهب إلى منزله وأنا متأكد أن أختي هناك... أما الآن فلن أذهب لأسأله ثم أعود بخيبة أمل إن لم تكن هي بالفعل.وقفا للحظات يفكران بصمت، قبل أن يتحدث "جاسم" بجدية:ــ يمكننا مراجعة محضر الاختطاف الذي حرره والدك آنذاك، ومعرفة اسم الرجل الذي ثبُت أنه تبنّى أختك، ثم نقارن الاسم باسم "عدي" الموجود في سيرته الذاتية.حرّك "مجد" رأسه نفيًا وقال بضيقٍ واضح:ــ هذا سيستغرق وقتًا طويلًا. استخراج ذلك المحضر بعد كل هذه السنوات ليس بالأمر السهل.صمت برهةً وكأنه توصل إلى فكرة ما، ثم قال بسرعة وهو يتجه نحو سيارته:ــ سنراجع سيرته الذاتية ونرى محل ميلاده. إذا كان من القاهرة أو إحدى المدن القريبة منها، فهناك احتمال كبير أن يكون هو المقصود، لأننا كنا نقيم هناك وقت الحادثة.ثم التفت إليه مضيفًا على عجل:ــ هيا، اركب بسرعة.استقل "جاسم" السيارة إلى جواره، وبعد لحظات كانا قد غا
Read more

الفصل الثامن

ما زالت كلمات ذلك المسخ تتردد في ذهنه؛ حين ساومه على ابنته، طالبًا منه أن يسلمه الملفات التي تدينه في أعماله المشبوهة مقابل أن يعيد إليه طفلته.كانت الدماء تهرب من عروقه كلما تذكر صوته البغيض وكلماته الحقيرة، وكيف جعل من طفلته الصغيرة، التي لم تكن تدرك شيئًا من قسوة الحياة، ورقةً للمساومة والابتزاز.تذكر كيف هرع إلى الشرطة وأبلغهم بكل ما حدث، راجيًا أن يعيدوا ابنته إلى أحضانه. وبفضل تسجيلات كاميرات المراقبة المثبتة على بوابة قصره، تمكنوا من التوصل إلى مالك السيارة التي استُخدمت في عملية الاختطاف.وحتى الآن، ما زالت أصداء الطلقات النارية المتبادلة بين رجال الشرطة والخاطفين تدوي في عقله، وكأنها تُطلق في هذه اللحظة أمامه.أخبره رجال الشرطة آنذاك أنهم لم يجدوا الطفلة داخل الوكر الذي داهموه، لكنهم عثروا على آثار أقدام صغيرة لطفلة، فتتبعوها حتى وصلت إلى جانب الطريق، ثم اختفت هناك.وأكدوا له أنها كانت تسير بمفردها، إذ لم تكن توجد أي آثار أقدام أخرى إلى جوار آثارها.كيف لطفلة صغيرة أن تتحمل موقفًا كهذا؟كيف يمكن أن تكون أولى الذكريات الراسخة في عقلها بهذا القدر من الرعب؟طفلته الصغيرة لم تحتم
Read more

الفصل التاسع

نظرت إليها أسيف بدهشة قائلة:— أأنتِ متأكدة أنه قال إنه يريد أسيف؟أومأت طيف برأسها مؤكدةً، ثم قالت:— نعم، حتى إنني استغربت الأمر، فسألته: ماذا يريد منها؟ ومن أنتما أصلًا؟ فأجاب الذي كان برفقته بأنه مدير عُدي، ويريده في أمرٍ مهم.مطّت أسيف شفتيها في حيرة، ثم قالت متعجبة:— وكيف يعرفني أصلًا حتى يذكر اسمي؟هزّت طيف كتفيها بعدم علم وقالت:— لا أدري... انتظري حتى يغادرا، ثم نسأل عُدي عمّا كانا يريدانه ونفهم منه إن كان قد ذُكر اسمك في الحديث أم لا.حدّقت بها أسيف مصدومة وقالت باندفاع:— أأخبرتِ عُدي أنه قال لكِ إنه يريد أسيف؟هزّت الأخرى رأسها نافيةً وقالت:— بالطبع لا، كيف أقول له ذلك؟ أخبرته فقط أن مديره في الخارج ويريده في موضوعٍ ما.أومأت أسيف بهدوء، فتابعت طيف قائلة:— لكن ما إن رأيتهما حتى شعرت بأن قلبي يخفق بعنف، وخصوصًا عندما وقعت عيناي على ذلك الذي قال إنه يريدكِ. لا أعلم السبب، ربما لأنني تفاجأت بوجودهما واستغربت هيئتهما.كادت الأخرى تجيبها، إلا أن صوت أخيهما المرتفع وصل إلى مسامعهما، وكان واضحًا أنه يتشاجر مع الرجلين المجهولين بالنسبة إليهما.تجمدتا في مكانيهما حين سمعا صوت جا
Read more

الفصل العاشر

دلف إلى القصر وإلى جواره صديقه. لم يتبادلا الحديث طوال الطريق، فقد كان الصمت سيد الموقف بينهما. كان جاسم يدرك أن صديقه يعيش حالة لا يُحسد عليها؛ فلم يره يومًا على هذه الهيئة. لم يسبق له أن لمح على ملامحه هذا القدر من التوتر أو الخوف أو الاضطراب الواضح وضوح الشمس. لم يره يومًا بهذا التخبط العاطفي.لطالما كان جامدًا، صلبًا، باردًا في كثير من الأحيان. قد تخونه أعصابه أحيانًا فيثور، لكن حتى في غضبه كان عصيًّا على القراءة، لا يكشف شيئًا مما يعتمل بداخله. ولم يكن جاسم يدري: أكان يكبت مشاعره في أعماقه ويرفض الإفصاح عنها، أم أنه لم يعد يشعر بها أصلًا بفعل ما مرّ به منذ صغره؟ما إن أغلقا الباب الداخلي للقصر حتى خرج إليهما والده مهرولًا بلهفة لم يرها مجد عليه منذ زمن، ثم سأل بتوتر:— هل وجدتماها هناك؟ هل رأيتها يا مجد؟ ماذا قالت لكما؟ ولماذا لم تحضراها معكما؟ تكلم يا مجد، لماذا تلتزم الصمت؟أجابه ابنه بجموده المعتاد، مواريًا حزنه على حال والده:— رفضت المجيء معي... قالت: «أتأتون لتسألوا عني بعد ستة عشر عامًا؟» وهي لا تصدق أصلًا أنني شقيقها... ثم طردتنا.ألقى كلماته وغادر صاعدًا إلى غرفته.بقي ج
Read more
PREV
123456
...
15
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status