共有

الفصل الثاني

last update 公開日: 2026-05-21 02:36:35

كان جالسًا، كعادته، في شرفة غرفته، تحيط به صور زوجته الراحلة ومتعلقاتها، يتأملها تارةً بابتسامةٍ شاحبة، وتارةً أخرى بحزنٍ ينهش قلبه بصمت. لم يكن يدري متى ستنتهي تلك العادة التي أثقلت روحه وأرهقت فؤاده.

فما أقسى الاشتياق لشخصٍ لم يعد له وجود بيننا... رحل تاركًا إيانا نبكي على أطلال الذكريات، نتمنى لو يمنحنا القدر يومًا واحدًا فقط لنراه مجددًا، لنملأ أعيننا به قبل أن يختفي إلى الأبد.

كان يمسك بصورةٍ قديمة تجمعه بزوجته في أيام شبابهما؛ صورة تعج بالحياة والضحكات، التُقطت قبل تلك الحادثة المروعة التي سلبت منهم كل شيء، وأخذتها منه إلى غير رجعة.

ومنذ رحيلها، لم يعد سوى جسدٍ يسير بلا روح. ولو أمعن أحدهم النظر داخله، لأدرك أنه مات معها منذ ذلك اليوم، وأن ما تبقى منه ليس سوى بقايا رجل يتمنى الرحيل كل ليلة لعل الله يجمعه بها من جديد.

قطع شروده صوت طرقاتٍ خفيفة على باب غرفته، فانتفض على إثرها، ومسح دموعه سريعًا قبل أن تخونه أمام ابنته، فهو لا يريد أن يثقل قلبها بحزنه كما أثقل قلبه هو بالفقد.

ثم سمح لها بالدخول.

ــ صباح الخير يا أبي.

قالتها "رفيف" بابتسامتها الرقيقة التي اعتاد أن يستقبل بها صباحاته، فتضيء يومه ولو قليلًا.

بادلها ابتسامتها بحنان، ثم سألها متعجبًا وهو يتأمل هيئتها:

ــ صباح النور يا حبيبة أبيكِ... إلى أين تذهبين بكل هذا الاستعداد؟

جلست على المقعد المجاور له، ثم وضعت حقيبتها فوق الطاولة المقابلة، وقالت بابتسامتها الهادئة المعهودة:

ــ منذ فترة طويلة لم أذهب للتسوق، وهناك الكثير من الأشياء التي أحتاج إليها، لذلك قررت أنا و"داليا" أن نخرج معًا، خاصةً أن الدراسة قد بدأت، وما زالت تنقصني بعض المستلزمات الخاصة بالجامعة.

أومأ لها متفهمًا، ثم ارتشف قليلًا من قهوته الصباحية المعتادة وقال برفق:

ــ حسنًا يا حبيبتي، افعلي ما يحلو لكِ، المهم أن تعتني بنفسك.

نهضت من مكانها بعدما ألقت نظرةً سريعة على الوقت، ثم اتجهت نحوه وعانقته بحب، قبل أن تقبّله على وجنته قائلةً باستعجالٍ خفيف:

ــ حسنًا يا أبي، لا تقلق.

التقطت حقيبتها، ثم لوّحت له بيدها مودعة:

ــ إلى اللقاء يا أبي.

ابتسم على حيويتها الدائمة، وتمتم بحبٍ صادق:

ــ إلى اللقاء يا روح أبي.

غادرت الغرفة بخفةٍ تشبه نسائم الربيع حين تلامس الأرواح، بخطواتٍ رقيقة تنبض بالحياة.

كانت تمتلك حيويةً آسرة وملامح صغيرة تمنحها هيئةً أصغر من عمرها الحقيقي، الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة بعد. وقد زاد جسدها النحيل وقامتها القصيرة من تلك الهيئة الطفولية المحببة، إلا أنها رغم ذلك امتلكت أنوثةً رقيقة تجذب الأنظار إليها بسهولة.

كانت تعشق والدها حد التعلق، فهو كل ما تبقى لها بعد رحيل والدتها، التي لم تحتفظ عنها بأي ذكرى حقيقية، إذ فقدتها وهي لم تتجاوز عامها الثاني بعد.

ليصبح والدها عالمها بأكمله... هو وشقيقها الوحيد "مجد".

*****

كان يحتسي قهوته برفقة صديقه خلال الاستراحة المخصصة لوجبة الغداء داخل الشركة التي التحق بالعمل بها مؤخرًا، بعدما ساعده صديقه الجالس أمامه في الحصول على تلك الوظيفة.

رمقه "عدي" بنظرةٍ جادة وقال:

ــ العمل هنا كثير بالفعل كما أخبرتني، لكن كل شيء يهون أمام ذلك النظام الصارم والدقة العالية. هذه ثالث شركة أعمل بها، لكنني أقسم أنها تختلف تمامًا عن السابقتين... الفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض.

وضع الآخر كوبه فوق الطاولة المقابلة له، ثم قال بتفهم:

ــ طبيعي أن تشعر بذلك، فأنت تعمل في أحد فروع "الكيلاني"، وأظن أن اسم "الكيلاني" وحده يغني عن أي شرح.

أومأ "عدي" عدة مرات بتفهم، ثم ارتشف آخر ما تبقى من قهوته قبل أن يضع الكوب أمامه قائلًا بامتنانٍ صادق:

ــ أشكرك كثيرًا يا "حمزة" على وقوفك إلى جانبي ودعمك لي أمام المدير، فلولاك لما تم قبولي بالوظيفة...

قاطعه "حمزة" سريعًا، واضعًا يده فوق يد صديقه بابتسامةٍ هادئة:

ــ صدقني، لم أفعل شيئًا يُذكر. قسم الحسابات كان بحاجة فعلًا إلى شخص يمتلك خبرتك، وكل ما فعلته أنني طلبت منهم التدقيق جيدًا في سيرتك الذاتية، لا أكثر. بل أعتقد أنك كنت ستُقبل حتى دون تدخلي لو أنهم ركزوا عليها جيدًا.

ثم أضاف بنبرةٍ مرحة محاولًا تلطيف الأجواء بينهما:

ــ أنت فقط يا رجل لا تدرك قيمتك الحقيقية.

ابتسم له الآخر بتقدير، ثم نهض من مقعده قائلًا:

ــ والله لا أحد يعرف قيمتي مثلك... سأعود الآن إلى مكتبي.

اتجه نحو مكتبه الجديد، الذي لم يعتد عليه بالكامل بعد، بخطواتٍ واثقة وهيئةٍ رجولية آسرة، ازدادت جاذبيةً بوسامته التي كثيرًا ما خطفت أنظار النساء إليه.

كان عاشقًا لعمله إلى أبعد حد، مجتهدًا فيه بصورةٍ لافتة، يحرص دائمًا على أداء مهامه بأفضل صورة ممكنة، كما كان يسعى جاهدًا لنيل التقدير الذي يستحقه مقابل جهده وإبداعه.

ولهذا السبب تحديدًا لم يستمر طويلًا في شركتيه السابقتين، حتى انتهى به الأمر للعمل هنا، في أحد فروع شركات "الكيلاني". فقد كان يبحث عن المكان الذي يستطيع فيه إثبات كفاءته وخبراته، وإظهار ذكائه واجتهاده في تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقه.

أوقف سيارته داخل القصر، ثم ترجل منها بخطواتٍ هادئة. وفي أثناء دخوله، لمح شقيقته الصغرى وهي تصف سيارتها الأخرى بالقرب منه، قبل أن تترجل منها بابتسامةٍ واسعة.

التفت إليها، فهتفت بسعادةٍ بالغة ونبرةٍ يغلب عليها المرح:

ــ يا إلهي! أهذا "مجد باشا" بنفسه يشرف قصرنا المتواضع؟!

ضحك على كلماتها، فهي الشخص الوحيد القادر وسط حياته المكدسة بالعمل والصرامة على انتزاع تلك اللمعة الصادقة من عينيه بمجرد رؤيتها.

اقترب منها واحتضنها بحب، ثم قبّل وجنتيها قائلًا بمشاكسةٍ دافئة:

ــ قلت أحنّ عليكما وآتي لأقضي اليوم معكما... لقد اشتقت إليكما، فما ذنبي؟

بادلته العناق بشوقٍ جارف، فقد غاب عن القصر لأيام طويلة بسبب انهماكه المستمر في العمل، حتى أصبح في الآونة الأخيرة يمكث أغلب الوقت في منزله القريب من مقر الشركة بدلًا من العودة إلى القصر.

ابتعدت عنه قليلًا، ثم رمقته بحزنٍ وقالت بنبرةٍ مستاءة:

ــ مجد، لا تبتعد عنا كثيرًا هكذا... لقد أصبحت تعيش وحدك تقريبًا، ولم نعد نراك إلا نادرًا. بالكاد نجلس معك أو حتى نتحدث إليك.

ثم أضافت بنبرةٍ ذات مغزى:

ــ وعلى فكرة... هذا الأمر يزعج أبي كثيرًا.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • لم يكن حبًا... بل إدمانًا لا شفاء منه   اقتباس ثاني من الجزء الثاني

    أثناء جلوسهما فوق الفراش في غرفتهما، وتعبيرات وجهيهما أضحت مغايرة تمامًا لما كانت عليه قبل تشغيل ذلك التسجيل الصوتي، الذي اكتشف "مجد" وجوده صدفةً في سجل الرسائل الخاصة به على حسابه الشخصي في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، والذي كان قد فتحه توا، ليصدح أكثر صوت ينبذانه مرددًا:- وصلني خبر خروج ابنك من الحضانة. مع أنني كنت أستطيع إيذاءه وهو فيها، لكنني لم أفعل. ما حدث لزوجتك، وإلقاء ابنك في الحضانة خلال الفترة الماضية، وفرحتك به التي حوَّلتها إلى قلق عليه... كل ذلك أرضاني كثيرًا، بصراحة. لكن لا تظن أنك تخلصت مني بهذه السهولة. في المرة القادمة ستكون المواجهة بيني وبينك، ولن أُدخل أحدًا بيننا؛ لأن حقي هذه المرة عندك أنت وحدك. وإذا كان التسجيل الذي تملكه لي يمنعني من الاقتراب من أحد أفراد عائلتك، فلم يعد يلزمني الاقتراب من أيٍّ منهم، لكن اعلم أنك ستظل في ذهني يا مجد.التوى فم "مجد" بابتسامة هازئة، فهو لم يتراجع عن تفكيره المليء بالشرور، حتى بعدما أصبح يمتلك ما يدينه، ولم يكتفِ من إيذائه بعد كل ما افتعله من مكائد في عمله، وإيذاء شقيقته، وحتى بعدما طال أذاه زوجته وطفله. بسهولة استشعر "مجد" كمّ

  • لم يكن حبًا... بل إدمانًا لا شفاء منه   اقتباس من الجزء الثاني

    ومن قال أن الأماني لا تُحقق؟، أو أنها وسيلة لإهدار الوقت المنقضي في الدعاء بها؟، فمن يقع بصره الحين على ذينك الزوجين، المحاوطين لبعضهما، يؤديان رقصة هادئة، افتتاحية لبدء حفل زواجهما، مؤكدا سيصدق في تحقيقها، وسيجزم أن الصبر نهايته جبران ورضا، يكفي فقط أن تكون الأماني نابعة من القلب، قلبٌ ينبض بالخير، ولا يتمنى ما يؤذي الغير، وهنا قلبا عاشقين، لم يحمل أي منهما غير أمنية اكتمال روحه، والاجتماع بونيسه، والذي حظيا كل منهما به؛ بعد مجابهة العديد من الصعاب، والتغلب على كل مصاب حل بهما، في البداية سارا طريقا غير صالحٍ، فلم ينجم عنه غير كل طالحٍ، ولكنهما سريعا ما عرجا عنه، وعادا إلى صوابهما، وندما عما بدر منهما، وكان جزاءهما في الأخير؛ أن رضاهما المولى بحدوث ما تمنياه وأكثر.كانت هيئتهما أكثر من ساحرة، فـ"جاسم" بدا ببذلته السوداء كما لو كان أميرًا في إحدى القصص الأسطورية، بعد خوضه للكثير من المعارك، نال أخيرًا أميرته الجميلة، التي تفوق سائر الفتيات حسنًا وفتنةً، و"رفيف" الشبيهة بالفراشة المحلقة في خفتها، بفستانها المماثل لها في رقته، تخبره بنظرتها الهائمة به، أنه الوحيد دونًا عن رجال العالمين،

  • لم يكن حبًا... بل إدمانًا لا شفاء منه   الفصل المئة وخمسة وأربعون

    بعدما عادوا جميعًا وامتلأت الغرفة من جديد، كانت أصواتهم المثرثرة وضحكاتهم وابتساماتهم تمنحها سعادة غامرة ودفئًا من نوع آخر. ورغم وجود جميع أفراد عائلتها وعائلته، فإنها لم تكن ترى غيره، بهيبته التي سحرتها منذ الوهلة الأولى، وابتسامته المنعشة لروحها والقادرة على رسم البسمة على محياها بمجرد رؤيته. وفي خضم شرودها بزوجها المنشغل بالحديث مع والده، وصديقه الذي تصالح معه وعادت صداقتهما كما كانت، وكذلك شقيقها الذي أصبحت علاقته به أقوى وأمتن، استمعت إلى صوت "أسيف" وهي تقول بنبرة خائفة أكثر منها مازحة: -لا، لقد خفت حقًا من الولادة، كانت "طيف" تبدو متعبة للغاية. ظهرت ملامح الصدمة على وجه "عدي"، وقابل كلماتها باستنكار ممزوج بالرجاء ولكن بطريقة مرحة كعادته: -لا تخافي، من فضلك لا تضيعي تعبي معك طوال الشهور الماضية. لم يتمالكوا أنفسهم من الضحك الذي جلجل في أرجاء المكان، وما إن خبت الضحكات وانتهى صداها حتى صدح صوت "جاسم" موجّهًا حديثه إلى "هشام" قائلًا بابتسامة عريضة: -عمي، ألن نحدد موعد الفرح بالمناسبة السعيدة هذه؟ لم يمنح "مجد" الفرصة لوالده للرد، فأردف مستنكرًا دون انفعال، ولكن بطريقة

  • لم يكن حبًا... بل إدمانًا لا شفاء منه   الفصل المئة وأربعة وأربعون

    حلّ الحزن على كامل قسماته لأجلها هي ورضيعهما، قرّبها إلى صدره بذراعه ضامًّا إياها برفق إليه، وأجابها بنبرة مطمئنة محاولًا إبعاد أي هواجس مقلقة عن رأسها: -نعم، سيكون بخير، لا تقلقي، لقد طمأنني الطبيب عليه. دفنت رأسها في صدره وعيناها لم تبتعدا عن وجه ملاكها النائم، وقد لاحظت بسهولة الشبه بين شفتيه وشفتيه، مما جعلها تبتسم من بين دموعها، وقالت له بنبرة مهزوزة أقرب إلى البكاء، وقد غلبها ما يعتري صدرها، وأكثر ما تتمناه في تلك اللحظة: -أتمنى كثيرًا أن أحمله بين يدي وأضمه إلى صدري. ارتفعت يده لتمسح جانب رأسها، واقترب بشفتيه من مقدمة رأسها فقبّلها مطولًا، راغبًا في التخفيف من حزنها وإضفاء بعض الطمأنينة، ثم قال بلطف: -غدًا سيتحسن ويصبح بخير، وسنحمله حتى نملّ من حمله أيضًا. رفعت وجهها إليه وطالعته بنظرات تحمل شيئًا من العبوس، وعلّقت معترضة على ما قاله بمشاعر أمومة متعاظمة: -لكنني لن أملّ منه أبدًا. في أعماقه، ورغم ما سببه ذلك الوضع من ألم بسبب ولادتها المفاجئة ورقدة رضيعه، كان يشعر برضا بالغ؛ فهو لم يفقدهما وزوجته بخير، ومع مرور الوقت سيتعافى صغيرهما ويصبح بينهما، وتُغمر حياتهما ب

  • لم يكن حبًا... بل إدمانًا لا شفاء منه   الفصل المئة وثلاثة وأربعون

    دار الحوار بين "مجد" ووالده -قبل أن يذهب وينفذ ما أخبره به بدلًا مما كان ينوي فعله بغضبه الأهوج- وكان بمثابة المنقذ للآخر مما كان يوشك على ارتكابه. بدأ "مجد" في سرد تفاصيل ما حدث لوالده، الذي كان يستمع بانتباه بالغ، حيث قصّ عليه كل ما جرى منذ مجيء "عاصم" برفقة "عدي" ورجاله، بعد أن وقع في فخ خطته التي كانت في الأساس من تدبير والده، وصولًا إلى فقدانه السيطرة على أعصابه وإطلاقه الرصاصة، مع أنه كان قد تعهّد لوالده ألا يؤذيه، غير أن غضبه قد خذله.¤¤¤برقت عينا كلٍّ من "جاسم" و"عدي" عندما أطلق "مجد" رصاصة على "عاصم"، فهذا لم يكن ضمن اتفاقهم. أصابت الرصاصة كتفه، فانخفضت يده عن رأسه عمدًا، وترنح جسده إلى الخلف من شدة الألم، الذي خرج على هيئة أنين حاد، بينما تشنجت ملامح وجهه.أما "مجد" فكان أقل ما يوصف به أنه في حالة هياج؛ فقد اشتعلت النيران داخله، واحمرّ وجهه بشدة. ألقى سلاحه أرضًا بغضب بالغ، ثم اندفع نحو "عاصم" مسددًا له عددًا لا نهائيًا من اللكمات في أنحاء وجهه، دون أن يبدي الأخير أي مقاومة تُذكر، إذ كان في حالة رعب شديدة مما يراه من غضب "مجد" وما يشعر به من ألم.سقط "عاصم" أرضًا، ولم يكن ي

  • لم يكن حبًا... بل إدمانًا لا شفاء منه   الفصل المئة واثنان وأربعون

    كانت هذه أشبه بمعركة على وشك الحدوث، وكان هدف "مجد" الوحيد فيها أن يظفر بتلك الجولة، غير مكترث سوى بإفراغ شحنة غضبه التي كانت تتآكل في كل خلية من كيانه. ذلك المقيت، البغيض، الشبيه بالشياطين، لن يُفلت من جزاء أفعاله النكراء، ولن يُمنح فرصة للاستمرار في إيذائه وارتكاب جرائمه وظلمه المجحف.وفي خضم شروده بكل ما يدور في ذهنه من وعيد قاسٍ، استمع لصوت احتكاك إطارات سيارات تتوقف في الخارج، مدركًا أن تلك هي لحظة تصفية الحسابات المعلقة. نهض من جلسته ببرود ظاهري، يخفي خلف قناع الثبات الذي يرتديه فوق وجهه نيرانًا مستعرة تنهش صدره، وثب "جاسم" عن المقعد ووقف بجانب "مجد" في حالة من التحفز الشديد.لم تمر سوى ثوانٍ معدودة تآكلت خلالها كل ذرة تحكم لدى "مجد" في انتظاره المحموم، وما إن رأى "عاصم" يدخل من بوابة المخزن حتى تحفز جسده كله، وكأن سريان الدماء في عروقه صار كسريان نار ملتهبة. استشعر "جاسم" حركته، فحاول التقدم، إلا أن "مجد" قبض على ساعده فجأة مانعًا إياه من التحرك خطوة أخرى، ولم يبذل "جاسم" أي مقاومة تُذكر، إذ استجاب له دون تذمر، فهو وإن كان بداخله كراهية بالغة لما حدث لمن تعتبر -مجازًا- زوجته، إ

  • لم يكن حبًا... بل إدمانًا لا شفاء منه   الفصل الثالث

    فهم "مجد" جيدًا تلك النظرة والمعنى المختبئ خلف كلماتها الأخيرة، فضيّق عينيه بمكرٍ وهو يقول:ــ إذًا تعالي لنرى ماذا سيفعل أبي حين يعلم أن سيدتنا الصغيرة عادت بعد الحادية عشرة ليلًا... وهي تقود السيارة بنفسها أيضًا.أدار لها ظهره واستأنف سيره نحو الداخل، لكنه لم يكد يخطو بضع خطوات حتى أسرعت خلفه، مت

  • لم يكن حبًا... بل إدمانًا لا شفاء منه   الفصل الخامس

    انفجر "حمزة" ضاحكًا على حديثه، ثم غادر متجهًا نحو باب المكتب وهو يصيح بصوتٍ مرتفع نسبيًا:ــ لا تنسَ الذهاب إلى المدير... لم يحدد وقتًا معينًا، قال فقط: حين تنتهي من عملك اصعد إليه... ويبدو أنه يريد إبلاغك بأمرٍ ما.رفع "عدي" نظره إليه وأومأ بالإيجاب قائلًا:ــ حسنًا، أمامي نصف ساعة على الأكثر وسأذ

  • لم يكن حبًا... بل إدمانًا لا شفاء منه   الفصل الرابع

    تنهد وهو يراجع التقارير التي سيقوم بتقديمها لاحقًا إلى الإدارة التنفيذية، ثم رفع نظره نحو صديقه قائلًا بعمليةٍ بحتة:ــ هكذا أصبح كل شيء جاهزًا. لقد راجعت جميع الملفات التي أُرسلت، وهناك بعض الملاحظات التي بعثتها إليك عبر البريد الإلكتروني، أريدك أن تراجعها، وإن رغبت بإضافة شيء فأخبرني أولًا.أومأ

  • لم يكن حبًا... بل إدمانًا لا شفاء منه   الفصل الأول

    كان الجميع مطأطئي الرؤوس، عاجزين عن النطق ببنت شفة، لا يدرون بأي حجةٍ يبررون ما آلت إليه الأوضاع من تكاسلٍ وإهمالٍ خلال الآونة الأخيرة، رغم التحذيرات المتكررة من مديري الإدارات بضرورة الالتزام وعدم التقصير، حتى لا يصل الأمر إلى المدير العام؛ فحينها لن يستطيع أحد الوقوف في وجه تلك الكارثة.ــ ما هذا

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status