Se connecter
كان الجميع مطأطئي الرؤوس، عاجزين عن النطق ببنت شفة، لا يدرون بأي حجةٍ يبررون ما آلت إليه الأوضاع من تكاسلٍ وإهمالٍ خلال الآونة الأخيرة، رغم التحذيرات المتكررة من مديري الإدارات بضرورة الالتزام وعدم التقصير، حتى لا يصل الأمر إلى المدير العام؛ فحينها لن يستطيع أحد الوقوف في وجه تلك الكارثة.
ــ ما هذا الاستهتار الذي أراه؟! أهذه شركة أم مدينة ملاهٍ نأتي إليها لنلهو ثم نغادر؟! صدحت كلماته بعصبيةٍ مفرطة وغضبٍ عارم كاد يفتك بمن حوله إن تجرأ أحدهم على الاعتراض أو الوقوف في طريقه بتلك اللحظة. "مجد الكيلاني"... اسمٌ تهتز لذكره أعتى الرجال، ويُكنّ له أصحاب الطبقات المخملية وصفوة المجتمع كل احترامٍ وتقدير. وكيف لا، وهو مالك واحدةٍ من أضخم مجموعات شركات الأدوية في الشرق الأوسط؟ استطاع بعلمه واجتهاده أن يرفع شأنه وشأن شركاته، حتى ارتفع اسمها فوق جميع منافسيها، ولم يقتصر نجاحه على الداخل فحسب، بل امتدت فروعه بالخارج لتضاهي الأصل قوةً ونفوذًا. كان الموظفون يتبادلون النظرات فيما بينهم بصمتٍ خانق، لا يجرؤون على التعقيب خوفًا، بل رعبًا من أن يصدر منهم ما يزيد من اشتعال غضبه، الأمر الذي جعل "مجد" يزداد سخطًا من صمتهم. فهبّ واقفًا بعنف، مشيرًا بيده نحو باب مكتبه، هاتفًا بصوتٍ ارتجفت له الأجساد: ــ اخرجوا جميعًا... حالًا! إلى الخارج! كانت صرخته الأخيرة كفيلة بأن تدفعهم للفرار مذعورين من أمامه. وفي خضم ذلك التوتر، دلف "جاسم" إلى المكتب؛ شريكه ببعض الأسهم، وذراعه الأيمن في العمل، وصديقه الوحيد خارج نطاقه. اتجه نحوه بابتسامةٍ مترددة، ثم قال وهو يجلس على أحد المقاعد الجلدية: ــ اهدأ يا مجد، فالعصبية الزائدة لن تُجدي نفعًا... المشكلة ستُحل، وبالتأكيد ليس بهذه الثورة. كان الآخر يقف أمام الواجهة الزجاجية العريضة لمكتبه، يتطلع إلى الخارج بنظرةٍ شاردة وملامح متجهمة، بينما برزت عروق عنقه بوضوح إثر غضبه، وقد أطبق شفتيه بقوة حتى بلغ مسمعه حديث صديقه، فالتفت إليه بعينين متقدتين، هادرًا بانفعال: ــ أتدرك ما الذي تقوله؟! أي مشكلةٍ تلك التي ستُحل؟ إنها مصيبة حقيقية! وإن كنت جئت لتستفزني، فالأفضل أن تغادر الآن. عقد "جاسم" حاجبيه وقال بهدوء، محاولًا احتواء ثورته: ــ لست أستفزك، صدقني... أحاول فقط أن أجعلك تهدأ قليلًا لنفكر بعقلانية. العصبية لن تفيد، وأنا أعلم جيدًا حجم العشوائية والاستهتار الحاصل مؤخرًا، وخصوصًا في فرع السويس. وإن استمر الوضع على هذا النحو، فسأبدأ باتخاذ إجراءات صارمة، وسأستغني عن كل من يخالف الاستراتيجيات الجديدة التي أنوي فرضها خلال الفترة القادمة. ثم أردف وهو ينهض واقفًا: ــ سأذهب بنفسي غدًا إلى السويس، وسأتولى متابعة ذلك الفرع خلال الفترة المقبلة، إلى جانب فرعي الخاص. أجابه "مجد" بهدوءٍ نسبي، وهو يقف أمامه بهيبته الطاغية وبنيته القوية التي تضفي على حضوره رهبةً لا تُخفى: ــ حسنًا... أريد جميع الملفات المتعلقة بالفترة الماضية والحالية على بريدي الإلكتروني، ومن الآن فصاعدًا سيكون هذا النظام مطبقًا على جميع الفروع، لا هذا الفرع وحده. لن أسمح مطلقًا بتكرار ذلك الاستهتار مرة أخرى. غادر "جاسم" المكتب وأغلق الباب خلفه بعد انتهاء حديثه، بينما أعاد "مجد" نظره نحو الزجاج الممتد أمامه، يتأمل الأفق بعينيه السوداوين الحادتين، المحاطتين بأهدابٍ كثيفة تزيد ملامحه صلابةً وقسوة. وقد خفّت حدة غضبه تدريجيًا، واختفت آثار ثورته التي اجتاحت المكتب قبل دقائق. تلك الإمبراطورية لم تُبنَ عبثًا، بل شيدها بجهده ودهائه عبر سنواتٍ طويلة، لم يتوانَ خلالها يومًا عن العمل أو التراجع. ولن يسمح، مهما كلّفه الأمر، بانهيار ما أفنى عمره في بنائه. لم يعرف يومًا حياة اللهو كبقية من هم في سنّه، بل أهدر أجمل سنوات عمره داخل دوامة العمل التي ألقتها الأقدار على عاتقه منذ رحيل والدته، وانهيار شركات والده فرعًا تلو الآخر، حتى بلغ الأمر إعلان الإفلاس أكثر من مرة، لتنقلب حياتهم رأسًا على عقب. لكن خلال ثلاث سنواتٍ فقط، استطاع "مجد" أن يعيد اسم "الكيلاني" إلى سوق العمل من جديد، وخلال خمسة أعوام أخرى، أوصل شركاته إلى القمة، محققًا نجاحًا استثنائيًا لم يسبقه إليه أحد. وحده ذلك الكيان الصلب المدعوّ بـ"مجد الكيلاني" كان قادرًا على صنع مجده بيديه. ***** كانت تقف أمام المرآة تتأمل هيئتها للمرة الأخيرة قبل مغادرتها الغرفة، ثم سارت بخطواتٍ هادئة عبر الرواق المؤدي إلى غرفة المعيشة، حيث اعتادت والدتها وشقيقتها الكبرى، التي تكبرها بعامين، الجلوس معًا كل صباح، لتشاركهما هي الأخرى إفطارهن المعتاد منذ بداية عامها الجامعي الأول. ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، وأشرقت ملامحها الناعمة بحماسٍ خفيف اعتادوه منها في بداية كل يومٍ جامعي، فدخولها تلك الكلية كان بالنسبة إليها حلمًا تحقق بعد سنواتٍ طويلة من التمني والسعي. ــ صباح الخير. بادلتها شقيقتها "طيف" الابتسامة، وقالت بنبرةٍ مرحة: ــ صباح النور على أكثرنا هدوءًا ورزانة. جلست "أسيف" على المقعد المجاور لها، ثم هزّت رأسها باستنكارٍ خفيف من مزاحها الدائم، وسألتها بهدوء: ــ أين أمي؟ ولماذا لا تتناول الإفطار معكِ؟ تركت "طيف" طعامها، ثم رمقتها بنظرةٍ أدركت منها "أسيف" أنها على وشك العودة لعبثها المعتاد، فقالت بتصنعٍ واضح: ــ يبدو أن الآنسة فوق رأسها ريشة! لا يُعدّ لها الإفطار فقط، بل وحتى الإسبريسو الخاص بها! ثم تابعت بغيظٍ مرح: ــ أخبريني، لماذا يعاملونكِ بكل هذا التدليل وأنا لا؟ أظنكِ قد صنعتِ لهم سحرًا ما يا فتاة! كانت تتحدث بجديةٍ زائفة جعلت "أسيف" تنفجر ضاحكة حتى اغرورقت عيناها بالدموع، بينما حاولت "طيف" الحفاظ على ملامحها الجادة قبل أن تستسلم هي الأخرى لنوبة ضحكٍ مماثلة. حاولت "أسيف" التقاط أنفاسها، وقالت بصوتٍ لا يزال يحمل أثر ضحكها: ــ أقسم أنكِ غير طبيعية! وفي تلك اللحظة، حضرت والدتهما وهي تحمل كوب الإسبريسو، وقالت برفقٍ وابتسامةٍ حانية: ــ تفضلي يا "سوفي"، أكملي إفطارك سريعًا واشربيه حتى لا تتأخري يا حبيبتي. ضيّقت "طيف" عينيها بصدمةٍ مضحكة، وقالت بتذمرٍ طفولي مصطنع: ــ "سوفي"، و"إسبريسو"، و"حبيبتي" أيضًا؟! أظن أنني لست ابنتكما حقًا! انفجرت والدتها و"أسيف" ضاحكتين، بينما تصنعت الأخرى الحزن وهي تقول: ــ سأغادر، فلا مكان لي بينكما أساسًا. نهضت "أسيف" خلفها على الفور، وقالت بنبرةٍ لم تخلُ من الضحك: ــ انتظريني يا فتاة، أنا قادمة معكِ. علّقت "طيف" حقيبتها فوق كتفها، وأمسكت متعلقاتها بيدها، ثم التفتت نحو والدتها وشقيقتها قائلةً بمرح: ــ في الحقيقة، لا أحد يقف في صفي سوى عدي... انتظرن فقط حتى يعود أخي من عمله! غادرتا المنزل معًا في طريقهما إلى الجامعة، بينما اكتفت والدتهما بالابتسام وهزّ رأسها باستنكارٍ محبب تجاه طفلتيها اللتين كبرتا عمرًا، لكنهما ما زالتا تحتفظان بعفويتهما وطباعهما الطفولية. لم تكن "طيف" لتكف يومًا عن مرحها وعبثها اللذين يملآن المنزل بهجةً وحياة. كانت شقيةً إلى حدٍ كبير، مفعمةً بالطاقة الإيجابية، لا تفارق الابتسامة ملامحها الفاتنة التي تجذب أنظار كل من يراها. تمتلك ذوقًا رفيعًا في اختياراتها كافة، وقوامًا ممشوقًا وقامةً طويلة نسبيًا، إلى جانب شخصيةٍ قوية لا تسمح لأحد، مهما بلغت مكانته لديها، أن يفرض عليها ما لا تريده. كما امتلكت قدرًا كبيرًا من الجرأة مكّنها من مواجهة صعوبات الحياة بعزيمةٍ وإصرار، دون أن تعرف لليأس طريقًا إليها. أما "أسيف"، فكانت على النقيض تمامًا. بملامحها الهادئة الرقيقة، كانت تبعث في نفس من يراها شعورًا عجيبًا بالراحة والسكينة، فضلًا عن جمالها الناعم الذي يأسر القلوب ببساطته. امتلكت جسدًا مائلًا للنحافة قليلًا، لكنه كان يليق بها بشدة، كما لم تكن طويلة القامة مقارنةً بشقيقتها. ورغم هدوئها الآسر، كانت شديدة الهشاشة من الداخل؛ تخشى الكثير من الأمور، وتعجز غالبًا عن مواجهة المواقف الصعبة بمفردها، لذلك كانت تعتمد دومًا على دعم عائلتها ومساندتهم، فوالدتها وشقيقاها كانوا عالمها الوحيد، وكل ما تملكه في هذه الحياة.شعرت بأنه ضيّق عليها الخناق بتلك الطريقة، فتحرجت من الرفض، وكذلك عجزت عن القبول دون موافقة ابنتها، وبتلجلجٍ طفيف قالت له:- أنا لا أعلم ماذا أقول، كلامك على رأسي، ولكن الأمر ليس بيدي. رأى في تلك اللحظة أن يجعلها تفكر مليًا في كلماته دون ضغطٍ منه، لذا قال:- أنا لا أضغط عليكِ، انتظري رأي طيف وعدي، ومهما كان القرار فأنا معكم، ولن أسمح لمجد بأن يتجاوز حدوده معكم حتى لو كان بالكلام. اعتدلت "طيف" بجلستها المجاورة لوالدتها، وقد أحدث ذلك الحوار الذي دار بينها وبين –مجازًا– والد زوجها تخبطًا متزايدًا برأسها، في حين تابعت "نادية":- كلامه عن ابنه طمأنني يا طيف، وجعلني أشعر أنه ليس سيئًا كما كنا نظن، بل على العكس كان يتحدث عنه وكأنه شخص آخر لم نره بعد. هزت "طيف" كتفيها وهي شاردة في التفكير، وقالت باحتمالٍ:- ربما قال ذلك عنه بسبب ابنه. بدون أن تفكر والدتها للحظة في صحة استنتاجها، قالت لها بغير اتفاقٍ مع وجهة نظرها:- لا أظن يا طيف، الرجل صادق ولا يعرف الغش والمراوغة، أنا أستطيع فهم من أمامي.. وما لبثت أن تابعت:- وليس فقط كلام والده هو ما طمأنني نحوه، أخته الصغيرة أيضًا قالت عنه كلامًا لا
لم تتفاجأ "نادية" من تلقيها ذلك الخبر الحصري، فلم تتأثر تعبيراتها، بل علقت باستخفاف:- لهذا خطر في باله أن يتزوجها، حتى تكون له ولا يأخذها "مجد" منه، لا لكي تبقى معنا فقط. لم تعلق "طيف" على فطنتها لذلك الأمر، فعلى ما يبدو أن أخيها كان أمره منكشفًا لها من البداية، وهي آخر من لاحظ مشاعره نحو الأخرى، تخطت ذلك الاستنتاج، وتكلمت بتعقل:- وحتى لو كان "عدي" قد تقبّل فكرة أنها ستكون في بيت آخر، وعرف "أسيف" مشاعره نحوها وتقدم لها بشكل طبيعي، فإن "مجد" لم يكن ليرضى بزواجهما، خصوصًا عندما تكون في بيته وتحت سلطته، لأنه أخَذها عنادًا مع "عدي" بسبب موقفه منه منذ البداية، والله أعلم وقتها كيف كانت الأمور ستسير، وهل كانت المشاكل ستزداد أم لا. زوت "طيف" ما بين حاجبيها بتأثر وهي تضيف بتعاطف:- أنا أشفق على أخي يا أمي، لم أكن أريد أن ينكسر قلبه، هذا غير أننا جميعًا لم نكن ننتبه لمشاعره نحوها، ولا حتى هي، الموقف كان سيكون صعبًا عليه، وأنتِ تعلمين كم "عدي" حساس وكاتم لمشاعره. أراحها شعورها نحو أخيها، فقد كانت تخشى أن ترى أنها ضحت بها لأجل سعادته وراحته بالقرب ممن يحب، ولكن ما يشغلها هو شعورها تجاه ما أ
تفوه بتلك الجملة وهو يربت فوق جانب ذراعها بحنان التمسته بنبرة صوته، ولمسته اللينة، حينها فقط ارتسمت بسمة صغيرة على شفتيها، باهتة كبهوت وجهها، وردت عليه باحترام:- شكرًا لكِ. بعد لحظات كان قد لملم المأذون متعلقاته وغادر بعد أن بارك للجميع مجددًا، سادت حالة من التوتر في الأجواء، الجميع كان مترقب للخطوة التالية، والتي قرر أن يضعها "مجد"، حينما شعر بوجوب مغادرته، قبل أن يسقط قناع الجمود، ويظهر للجميع اختناقه، فقد نهض عن جلسته، وتحرك بضعة خطوات في اتجاه "طيف" المتابعة لتقدمه نحوها بقلب يقرع كالطبول، وعينين ترمشان بتلبكٍ، ولكنها عملت على أن يكون وجهها ثابت التعبيرات وهو يقول لها بنبرته الرجولية المهيبة عن كثبٍ:- سأترككِ اليوم لتجهزي نفسك، وسأرسل لكِ السائق بالسيارة غدًا صباحًا ليأخذكِ. بدون أن ينتظر ردًا منها، التفت في اتجاه باب الغرفة وسار بخطيٍ سريعةٍ نحو الخارج. تركها في حالة مشتتة، كحال جميع الموجودين معها في الغرفة، فهيئته الغير معتادة بالنسبة لها، خاطفة للأنفاس، شخصية مريبة رغم سمعته الطيبة، وغامضة رغم وضوح نواياه نحو تلك الزيجة، وناهيك عن صوته القوي بنبرة خشنة مميزة تهز الأبدان، ف
رمش بأهدابه بتوترٍ انبجس بقوة فوق تعبيراته إثر مباغتتها له بتلك الكلمات، وحين رأت أنها أصابت هدفها، تابعت بابتسامة ماكرة: -وهل أصبح هذا حبًّا متبادلًا بينكما ونحن كالمغفلين بينكما، أم أنه لا يزال من طرفٍ واحد من جهتك؟ واللهفة التي تلمع في عينيك فضحتك كثيرًا. اعترته دهشة واضحة من ملاحظتها لمشاعره الدفينة تجاه الأخرى، كما أن جرأتها جعلت توتره يتضاعف، فابتلع ريقه بحرجٍ ولم يعقب على ما قالته، بينما رأت هي أن تحدثه بجدية عن تلك العلاقة الوليدة، فقالت له: -لا تضيعها من يدك يا عدي، ربما لم يخطر ببالي يومًا أن تكون أسيف لك، أو أن أتخيلكما معًا، لكن منذ أن حدث كل هذا، وأنا لا أراكما إلا لبعضكما. ازداد اضطرابه، وتعاظم إلى درجة انعكست بوضوح على ملامحه المعقدة، وشعر في تلك اللحظة أن عقله قد توقف عن التفكير، أو عن إسعافه بحل سريع. طأطأ رأسه نحو الأرض، بينما بدأ صدره يضيق باختناق العجز، فاستطاعت بسهولة استيعاب حالته، والشعور بما يعتمل داخله، لذلك حاولت التخفيف عنه قائلة بمرح: -ثم إنك تتخيل أنه سيتمكن مني؟ أنت تعرف أختك جيدًا، قد أقتله وأخفيه ثم أقول لا أعلم عنه شيئًا، وأبكي عليه أيضًا، فأصبح ك
لم يدع لوالدته فرصة للرد، أو لقول ما قد يهدئ ثورته التي كانت على وشك الاشتعال، واتجه مسرعًا نحو الغرفة التي اجتمعوا بها. وجدها جالسة في الداخل، وعلى ملامحها جمود غريب، كأنما تواري خلف ذلك القناع رفضها البديهي، لكن ما لم يفهمه آنذاك هو سبب قبولها الصادم. وقف أمامها بوجه محتقن بالغضب، وعينين تتطاير منهما شرارات سخطه المتأجج، ثم صاح بصوت مرتفع وهو يلوح بيده: -أأنتِ تعبثين؟! على ماذا وافقتِ؟! أيُّ جنونٍ هذا؟ وجدت أنظار الجميع قد اتجهت نحوهما، وبالأخص "مجد" الذي حافظ على ثباته وجلسته المسترخية، كأنه غير عابئ بعصبية أخيها العارمة. حينها خشيت أن ينتبه "عدي" إلى تعبيراته الباردة، فيندفع إليه مفتعلًا شجارًا معه، لذا سارعت بالنهوض من مقعدها، وأمسكت بذراعه، ثم جذبته معها نحو أحد أركان الغرفة، وقالت بصوت خفيض، تحثه فيه على التمسك بهدوء لم يعد يملك منه ذرة: -عدي، اخفض صوتك، لا يصح أن تتصرف هكذا. قابل عبارتها بصوت محتدم، وإن كان أخفض من ذي قبل: -الذي لا يصح حقًا هو ما تريدين فعله، وأن تتخذي قرارًا كهذا من دون أن ترجعي إليّ فيه، وكأنك تمحين وجودي، أو تخبرينني أنني لا قيمة لي عندك. أغمضت عينيه
حدجه "جمال" بنظرةٍ تنهاها عن الحديث، ثم تابع كلماته موجّهًا حديثه نحو "مجد"، الذي صبَّ عليه هو الآخر كامل تركيزه: -لا تؤاخذنا يا مجد بيه، لكننا نريد أن نؤمّن مستقبل ابنتنا معك. لم تتغير ملامح وجه "مجد"، وظلت مرتخية، بينما سأله بهدوءٍ فاتر، من موضعه القريب من "طيف" بجوار باب الغرفة: -وما هي طلباتكم؟ رد عليه بلهجةٍ متشرطة: -أن تُجلب لطيف شبكة تليق بها، مثلها مثل أي عروس. على الرغم من ضيقه من نبرته الآمرة، إلا أنه التزم الصمت، كاتمًا انزعاجه، بينما أناب والده عنه في الرد، قائلًا بوقار: -هذا حقها طبعًا، وبالتأكيد سيجلب لها مجد أفضل شبكة. تهللت أسارير "جمال"، وانشرح صدره من رده المبشر بالخير، مما دفعه لإضافة المزيد من الطلبات التي ظهر بها طمعه واستغلاله لمكانتهم الاجتماعية، مردفًا: -وسواء عشتم في شقة أو فيلا، تُكتب باسمها، أعتذر منك، أنا أريد أن أضمن مستقبل ابنة أختي. برقت عينا كلٍّ من "طيف" ووالدتها بصدمة من طلباته غير المتوقعة، وبالأخص الأخيرة، مما جعل "مجد" –الذي انتبه إلى تبدل هيئتيهما منذ البداية– يتيقن أن طلباته مدفوعة من رأسه، وليست باتفاقٍ فيما بينهم. وعندما لم يظهر أي اع







