Masukفهم "مجد" جيدًا تلك النظرة والمعنى المختبئ خلف كلماتها الأخيرة، فضيّق عينيه بمكرٍ وهو يقول:
ــ إذًا تعالي لنرى ماذا سيفعل أبي حين يعلم أن سيدتنا الصغيرة عادت بعد الحادية عشرة ليلًا... وهي تقود السيارة بنفسها أيضًا. أدار لها ظهره واستأنف سيره نحو الداخل، لكنه لم يكد يخطو بضع خطوات حتى أسرعت خلفه، متشبثة بذراعه وهي تقول بتوسلٍ ولهفة واضحة: ــ مجد، أرجوك... لا تخبر أبي أنني خرجت وحدي من دون السائق. نظر إليها بجدية، وعادت ملامحه الجامدة كما اعتاد الجميع رؤيتها، ثم قال بصوتٍ تحذيري: ــ هذه آخر مرة يا "رفيف" أعلم فيها أنكِ خرجت ليلًا دون السائق. سأمرر الأمر هذه المرة، لكن في المرة القادمة لن أنتظر حتى أخبر أبي... وسأتصرف بنفسي، وأنتِ تعلمين جيدًا أن تصرفي لن يعجبك. مطّت شفتيها بتذمرٍ طفولي، ثم قالت بخجل وهي تنظر إلى الأرض: ــ لم أخرج ليلًا من الأساس، أقسم لك... أنا خارج المنزل منذ الصباح، كنت أتسوق وأخبرت أبي بذلك، ولم أتوقع أن أتأخر لكل هذا الوقت، لذا لم آخذ السائق معي. ثم رفعت عينيها إليه بابتسامتها المحببة إلى قلبه، وأردفت برقة: ــ لن يتكرر الأمر مجددًا... فلا تغضب مني. قالت جملتها الأخيرة وهي تضع يدها الصغيرة فوق وجنته، فتلين ملامحه القاسية على الفور، وابتسم لها أخيرًا قبل أن يمسك يدها ويقبّل باطنها بحنان، ثم أحاط خصرها متجهًا بها نحو الداخل وهو يقول: ــ أنتِ وحدك تعرفين كيف تُسكتينني بكلمتين... حسنًا يا "رفيف". ضحكت بدلالٍ وهي تحيط خصره بدورها. كانت فتاته الصغيرة المدللة، الوحيدة القادرة على تبديل حاله بذلك الشكل الواضح. معها فقط يظهر ذلك الجزء الصغير من "مجد الكيلاني" الذي كان عليه يومًا ما، قبل أن يدفنه الزمن والعمل والقسوة في مكانٍ مجهول. أما مع الجميع، فكان دائم الجفاء والجمود، لا يلين مهما بلغت مكانة من أمامه. لقد صنع من نفسه كيانًا صلبًا، رجلًا لم ولن يستطيع أحد الوقوف في وجهه أو مجابهته. ***** كان الجميع يجلسون حول مائدة الطعام يتناولون العشاء، بينما تبادلت "أسيف" و"طيف" النظرات والغمزات فيما بينهما بخبثٍ واضح. وما إن همّت "طيف" بالكلام حتى وصلهم صوت "عدي" يقول باستغراب: ــ ما بكما؟ هل فقدتما صوابكما أم ماذا؟! نظرت إليه "أسيف" بابتسامةٍ واسعة وقالت بهدوء: ــ في الحقيقة، كانت "طيف" تو... قاطعتها "طيف" على الفور، والتفتت نحو شقيقها قائلةً باندفاعٍ مسرحي: ــ أيرضيك يا "عدي" أن تقول أمي إنها تبنّتني، وأنها لا تملك في هذا المنزل سوى "أسيف"؟! وحين أخبرتها أنك حبيبي الوحيد هنا، قالت لي وهي تلوّح بيدها: «بل حتى هو لا يطيقك!»... أيرضيك هذا يا "دودو"؟! سأترك لك الحكم في هذه القضية! ضيّق "عدي" عينيه وهو يستشعر الكذب الصريح في حديثها، لا سيّما بعدما لمح اتساع عيني "أسيف" ودهشتها الواضحة مما نطقت به شقيقتها. توترت "طيف" قليلًا تحت نظراته المتفحصة، لكنها انتبهت إليه حين قال بهدوءٍ مريب: ــ أولًا... دعينا نتجاوز مسألة "دودو" هذه، وأرجو ألّا تتكرر مجددًا، فهذا سيكون أفضل لكِ بالتأكيد. رمقها بنظرةٍ حملت تهديدًا صريحًا، مما جعلها تهز رأسها سريعًا بالإيجاب، بينما أكمل بنبرةٍ خفيفة امتزجت بالمرح: ــ وعلى أي حال يا أخت "طيف"، بالطبع لا يرضيني هذا الكلام، ولكن... أسرعت "طيف" تقاطعه وهي تلتفت إلى والدتها و"أسيف" بابتسامةٍ مستفزة: ــ حتى تعلموا فقط... "عدي" هو الشخص الوحيد في هذا المنزل الذي يحبني! نظر إليها "عدي" باستخفافٍ وقال: ــ يا فتاة، هل انتهيتُ من الكلام أصلًا؟! لماذا تقاطعينني؟! أقسم أنني سأضربك الآن! ابتسمت له ببلاهةٍ مصطنعة وقالت بعفوية: ــ لا أقصد شيئًا يا "دودو"، أكمل حديثك فقط. اشتعلت نظراته غضبًا، مما جعلها تستعد للفرار فور إحساسها بأنه سيتجه نحوها، وبالفعل لم تمر سوى ثوانٍ حتى أمسك بخصلات شعرها وجذبها للخلف قليلًا، فتأوهت متألمة، بينما صاح بها بقوة: ــ أنتِ مصممة على استفزازي وإخراج الإنسان الغبي الذي بداخلي، أليس كذلك؟! منذ البداية وأنا أعلم أن "طيف حبيبتي" لا تُكثر من التدلل إلا عندما تريد شيئًا لم تحصل عليه بعد... أليس هذا صحيحًا؟! نظرت إليه "طيف" بتوجعٍ مصطنع، ثم قالت بخوفٍ مضحك: ــ "عدي" حبيبي، ما بك؟! هل بدأت تتحول إلى وحش أم ماذا؟! اهدأ يا رجل، ليس هكذا ستتلف أعصاب!ك إنها فتاة صغيرة أخطأت، فهل ستجعل عقلك بعقلهي؟ ابتعد عنها "عدي" أخيرًا وهو يقول قبل أن يتجه نحو غرفته: ــ آخر مرة أسمع فيها كلمة "دودو" هذه يا "طيف"، هل فهمتِ؟ هزّت رأسها بالإيجاب سريعًا، بينما أكمل هو: ــ وتوقفي عن التحوير والمبالغة، لأن مظهرك أصبح يثير الشفقة بالفعل. هزّت رأسها مجددًا، ثم أشارت له بيدها كي يكمل حديثه، فقال وهو يفتح باب غرفته: ــ أنا ذاهب للنوم الآن، إذا سمعتُ صوتك مرتفعًا... فصدقيني، رد فعلي القادم سيفاجئك. أنهى كلماته تاركًا شعرها أخيرًا، فتأوهت وهي تضع يدها فوق رأسها تدلكه متذمرة: ــ تفضل يا باشا، نم كما تشاء... وكأنني غير موجودة أصلًا في هذا المنزل، فأنت لن تشعر بي من الأساس! رمقها بنظرةٍ حادة قبل أن يغلق باب غرفته، وما إن فعل حتى التفتت نحو والدتها و"أسيف" قائلةً بعنادٍ وتبرم: ــ حسنًا، سأتكلم كما أريد، وسأرى ماذا سيفعل! ــ ماذا قلتُ أنا؟! لم يكد يُكمل جملته من خلف الباب حتى انطلقت راكضة نحو غرفتها، وهي تصرخ بحزنٍ وبكاءٍ مصطنع: ــ عائلة ظالمة والله! ما الذي يُبقيني معكم أصلًا؟! سأبحث عن ملجأ يتبناني، سيكون أفضل لي... أوووف! قالت الأخيرة بالتزامن مع إغلاقها الباب بعنف، لتنفجر والدتها و"أسيف" بالضحك على شجارهما المعتاد الذي لا يملّان منه أبدًا، بينما شاركهما "عدي" الضحك هو الآخر بعدما فتح باب غرفته واستمع إلى كلماتها الأخيرة.ابتسمت وأومأت برأسها، بينما سألت "طيف" باستفسار:- وعلى ماذا اتفقتما؟ ولماذا أراد التحدث إليك أصلًا بعد أن أخرج أسيف من الغرفة؟ استقرت عيناه على "أسيف" لثانية، ثم عاد يستند بظهره إلى الفراش، واضعًا ذراعه خلف رأسه، ونظر نحو أخته قائلًا:- لا شيء مهم... أوصاني قليلًا بشأن أسيف، وقال إنه بعد زواجنا يمكننا أن نقضي بعض الوقت هنا وبعضه عنده، لأنه لم يشبع بعد من وجودها معه، ويرى أن زواجنا سيحرمه منها إلى حد ما. لم تعلق "أسيف"، فقد تسارعت نبضات قلبها عند سماع كلماته التي تشير إلى زواجهما، بينما عادت "طيف" تسأله:- وما كان ردك؟ أجاب بهدوء واقتضاب، وهو يحك جبينه بيده الأخرى:- وافقت. اكتفى بتلك الكلمة، فلم يرغب في التطرق إلى ما قاله عن حمايتها وصونها. أما "طيف" فلم تضف شيئًا، بينما تابع هو وكأنه تذكر أمرًا مهمًا:- آه... وعقد القران يوم الخميس القادم. قالها وهو ينظر مباشرةً إلى عيني "أسيف"، لكنها تجنبت النظر إليه. ثم نهضت فجأة، وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول بتلعثمٍ التقطاه بسهولة:- أ... أنا متعبة جدًا ومرهقة، و... وسأذهب لأنام... ت... تصبحان على خير. غادرت الغرفة على عجل، الأمر الذي أ
أومأ له "عدي" بثبات ظاهري ونبرة هادئة:- أنا لم أكن أشك في ذلك من البداية، وقد أخبرتك بهذا. كل ما أردته هو إثبات رسمي، لأن "أسيف" أمانة في أعناقنا، وليس من الطبيعي أن يأتي شخص ويقول إنه والدها أو شقيقها فنسلمها له فورًا. كان لا بد أن نطمئن أولًا. بل على العكس، كان ينبغي أن تقلق لو أننا لم نفعل ذلك... و... توقف لحظة ليبتلع ريقه، ثم تابع بهدوء امتزج بشيء من التوتر:- وأنا الآن بانتظار ردك على طلبي. نظر "هشام" إلى ابنته، وربت على يدها بحنان، ثم قال بخفوت:- اتركينا أنا و"عدي" وحدنا قليلًا يا حبيبتي. أومأت له، ثم نهضت وغادرت في صمت. أما هو فأعاد نظره إلى الشاب الجالس أمامه، والذي كان ينتظر جوابه في توتر يحاول إخفاءه، ثم قال بهدوء:- انظر يا بني... ربما في البداية قلتم: لماذا تذكرونا بها الآن؟ وبعد ستة عشر عامًا جئتم تبحثون عنها؟ وربما دارت في أذهانكم أسئلة كثيرة. لكن لا أحد يعلم كيف مرت عليّ تلك السنوات. تنهد بعمق ثم تابع:- لم أخسر خلالها "أسيف" فقط... بل خسرت زوجتي أيضًا. لقد حزنت حزنًا شديدًا بعد اختطاف ابنتنا، وأصابها المرض من فرط ألمها، ولم تقوَ عليه، فرحلت إلى جوار ربها. ساد
فغرت فاهاها مما قاله؛ ففي البداية كانت الكلمات تخرج منها متقطعة وغير مكتملة، أما الآن فلم تعد تخرج على الإطلاق. أعادت سؤاله في رأسها: «أتحبينه؟».ماذا؟! ماذا يقول؟! عن أي حب يتحدث؟!لا، لا يستحيل أن يكون هذا الحب بينها وبين "عدي" إطلاقًا؛ فهو أخوها، وإن لم يكن أخاها بيولوجيًا، فيكفي أنها تشعر بالأمان معه وبجانبه، على عكس ذلك الـ"مجد" الذي لا تعرف إلى الآن كيف ستتقبله، بل كيف ستتعامل معه من الأساس.قطع شرودها والدها وهو يجيب على الهاتف. لم تركز في حديثه في بادئ الأمر، لكن لفت انتباهها آخر ما قاله، وقد بدا عليه الفرح والحماس، وهو يهتف:-تمام، أنا قادم لأستلم التقرير حالًا.أنهى المكالمة ونهض من مقعده قائلًا بلهفة، وهو يضع النقود فوق الطاولة:-هيا يا حبيبتي.أخذ يدها بين كفيه وغادرا المطعم متوجهين نحو السيارة. وما إن استقلاها حتى أمر السائق بالعودة إلى ذلك المعمل الخاص بالتحاليل مرة أخرى. ثم رمقها بتعجب وسألها باستفهام:-لا بد أنكِ انتبهتِ إلى أن الذي اتصل بي هو الطبيب الذي أجرى لنا التحليل، فلماذا لم تسأليني عن النتيجة؟أجابته بتلقائية وابتسامة هادئة:-ولماذا أسأل عن شيء أنا متأكدة منه؟
صباح اليوم التالي...كانت تجلس إلى جوار والدها في المقعد الخلفي للسيارة بعدما أجريا تحليل النسب الذي سيثبت أنها ابنته.أما هو، فلم يكن بحاجة إلى أي إثبات يؤكد له أنها طفلته التي غابت عنه سنوات طويلة. لقد شعر بها بقلبه قبل أن يراها، وأيقن أنها هي منذ اللحظة التي وقعت عيناه عليها. وكيف لا تكون ابنته وهي نسخة تكاد تكون مطابقة لزوجته وحبيبته الراحلة التي رحلت ومعها روحه وحياته، تاركةً إياه بلا قلبٍ ينبض؟ فمنذ رحيلها لم يعرف قلبه معنى النبض من جديد.التفت إليها، فوجدها شاردة الذهن، فمد يده وأمسك بكفها بين راحتيه قائلًا بحنانٍ بالغ:-هل ترغبين أن نذهب إلى أحد المطاعم لنتناول الغداء ريثما تظهر نتيجة التحليل، أم نبقى في السيارة؟التفتت إليه بابتسامة هادئة وقالت:-كما تشاء.ربت على يدها بحماسٍ واضح وقال: -إذن لنذهب إلى مطعم. بصراحة أنا جائع جدًا، وأرغب في تناول الطعام مع ابنتي الحبيبة، وأظن أنكِ جائعة أيضًا.هزت رأسها موافقة، واتسعت ابتسامتها وهي تقول بصوتها الناعم:-في الحقيقة أشعر بالجوع فعلًا، وأود أن أتناول الطعام معك أنا أيضًا.غمرته السعادة من كلماتها الأخيرة، فالتفت إلى السائق قائلًا ب
نظرت إليه طويلًا، بينما لم تعد "أسيف" تحتمل سماع المزيد من الأصوات أو النقاشات من حولها، فغادرت الغرفة تاركةً الجميع في حيرةٍ من أمرهم، لا يعلمون أضايقها ما فعله "عدى" أم أن الأمر أكبر من ذلك.قالت "طيف" بعد تفكيرٍ وحزنٍ على حالة شقيقتها عقب مغادرتها:-أتظنان أن "أسيف" انزعجت مما قاله "عدى"؟ أعني... ماذا لو كان والدها قد أقنعها بالذهاب معه وكانت قد وافقت بالفعل؟ بالتأكيد طلب "عدى" الزواج منها سيزعجها ويضعها في موقفٍ صعب؛ بين أن تختارنا أو تختار والدها. ومن جهةٍ أخرى، لا بد أنها صُدمت... كيف لمن عاشت معه طوال عمرها على أنه أخوها أن يطلب الزواج منها؟نظر "عدى" إلى أخته مفكرًا لبرهة، ثم نهض متجهًا إلى الخارج للحاق بـ"أسيف".هتفت "طيف" بذهول مما يحدث:-ما الذي يجري؟! أمي، لماذا لا تتحدثين؟! هل أنتِ موافقة فعلًا على أن يتزوج "عدى" من "أسيف"؟نظرت إليها والدتها بابتسامةٍ واسعة ثم قالت بهدوء:-ولماذا لا أوافق؟!❈-❈-❈كانت جالسةً فوق فراشها، تضم ركبتيها إلى صدرها وتحدق أمامها بنظراتٍ شاردة، تحاول استيعاب كل ما يحدث حولها. ما زالت كلمات والدها تتردد في ذهنها وهو يؤكد لها أنه لم يتركها بإرادته،
هزّت رأسها بالإيجاب مرةً أخرى، وقد خفّ توترها كثيرًا، ثم قالت بابتسامةٍ سلبت انتباه الآخر لثوانٍ، وإن لم تؤثر فيه:-نعم، ما زال هنا... في غرفة المعيشة مع أسيف.أومأ لها في صمت، وسار خلفها متجهًا نحو الغرفة التي يوجد بها والده وشقيقته، لكنه تجمد في مكانه من هول ما سمعه. أما هي فقد وضعت يدها فوق فمها كاتمةً شهقةً اندلعت منها رغمًا عنها، واتسعت عيناها بدهشة، وما أقلقها أكثر أنها حين التفتت إلى مجد الواقف بجوارها، رأت ملامحه وقد تحولت في لحظة من الجمود إلى غضبٍ عارم.❈-❈-❈قبل قليل:كان عدي جالسًا في غرفته بملامح متجهمة بعدما عاد من عمله، وعلم من والدته أن والد أسيف يجلس معها في غرفة المعيشة. كان يفرك رأسه بيديه بين الحين والآخر بغضب كلما خطرت بباله فكرة أنها سترحل وتبتعد عنهم.لقد كان متعلقًا بها إلى حدٍّ كبير؛ بينهما ذكريات لا تُحصى، فقد تربت معهم وبينهم. لا، لن يتقبل فكرة أن تتركهم وتعيش في منزل آخر، أو أن يكون لها أهل غيرهم. فهي أخته، طفلته التي دخلت بيتهم منذ ستة عشر عامًا، وكانت أكثر من يتعلق به بينهم جميعًا. كانت تأتي إليه لتطلب منه اللعب معها، أو مساعدتها في دروسها، أو مرافقتها إل







