جميع فصول : الفصل -الفصل 80

89 فصول

تجديد العهد

عجّت ساحات السرايا الشاسعة وجنبات نجع الراوي ببهجة عارمة دوت أصداؤها في كبد الليل، وانقشعت تلك الغُمّة الثقيلة التي جثمت على صدور العباد لشهور. انطلقت الزغاريد الصعيدية الحارة، المتلاحقة والقوية من حناجر النساء فوق الأسطح وفي الردهات، لتشق سكون الجبل العتيق كأناشيد النصر المؤزر. تزينت أسوار السرايا بالمشاعل المشتعلة وفوانيس الضياء التي بددت كل بقعة عتمة كانت تختبئ فيها مؤامرات الأفاعي، وتبدلت ملامح الوجوم التي ارتسمت على وجوه الخدم والحشم إلى ابتسامات رضا وارتياح بعد زوال خطر ميرال وخيانة فوزية التي طهرت الأرض من دنسهما.وفي ساحة الذبح الكبرى الملحقة بالدوار الخلفي، تراكض رجال النجع المخلصون مشمرين عن سواعدهم السمراء المفتولة تحت ضوء النيران المشتعلة في الأجران. كان قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وكبريائه الطاغي وسط الحشد، مرتجلاً بين رجاله بعباءته المقصبة بالذهب التي تفوح بعطر الهيبة والانتصار، والمسدس الثقيل يلمع بوقار في جعبته. أشار بيده القوية وعصاه الأبنوسية نحو الماشية والذبائح، وخرج صوته جهورياً، رخيماً يحمل كرم السلاطين وشهامة أهل الأرض:"اذبحوا يا رجال!.. أريحوهم واطع
اقرأ المزيد

ظهور "العهد الأكبر"

ساد السكون والوقار أرجاء الدوار الخلفي للسرايا، حيث انزوت جلبة الاحتفالات الكبرى وبقي ليل نجع الراوي ينسج خيوطه الهادئة فوق قمم الجبل الشامخ. في زاوية معتمة من زوايا الردهة العتيقة، كان "الوجار" الصعيدي التقليدي يشتعل بجمر الحطب الساخن، يرسل وميضاً برتقالياً دافئاً يترنح على الجدران الحجرية السميكة، متداخلًا مع بخار شاي الزردة الثقيل ورائحة العود النقي الذي يعبق به المكان، ليصنع أجواءً مفعمة بالهيبة والوقار وذكريات الزمن الجميل.جلست الحاجة نبيلة، بركة الدار وكبير غوالي عائلة الراوي، متكئة على وسائدها المخملية العتيقة، تلتحف بشالها الصوفي الأسود المطرز بخيوط الوقار والزمن، بينما كانت يدها المرتعشة، التي نجت بفضل العناية الإلهية من غدر الحية ميرال، تمرر حبات سبحتها النورانية بانتظام في صمت يفيض بالحمد. وأمامها، على الجانب الآخر من الوجار، كان يجلس سليم، ذراع السلطان الأيمن، واضعاً يديه الخشنتين أمام وهج النار، وعيناه الذكيتان تحملان وعثاء السنين الطويلة وثقل المؤامرات التي تكسرت عند عتبة هذه السرايا.التقط سليم لقمة من الملقاط النحاسي ليحرك بها الجمر المشتعل، وخرج صوته خفيضاً
اقرأ المزيد

العهد المدفون

عصفت رياح كانون الباردة بجدران سرايا آل الراوي، وتحول ليل الصعيد الشاتي إلى ملحمة من الزمهرير والظلمة التي لم تفلح مشاعل الساحة في تبديد حلكتها. كانت ليلة واعرة، تئن فيها الأبنية وتتوجع جذوع النخل العتيق تحت وطأة ضربات الصقيع الغادر الذي زحف من قمم الجبل الشرقي مخلفاً وراءه شعوراً خانقاً بالقبض والترقب. خفتت أصوات احتفالات النجع بولي العهد الجديد، وانزوى العباد خلف أبوابهم الموصدة، تاركين السرايا تغرق في صمت مريب لا يكسره سوى عويل الريح في الممرات والوجار الكامن في الأسفل يلفظ أنفاسه الأخيرة.في تلك الساعات الميتة من الليل، كان قاسم الراوي يضطجع في فراشه الوثير داخل الجناح العلوي، يلف ذراعه الفولاذية القوية حول خصر سلطانته ليلى، جاذباً إياها إلى صدره العريض ليحمي جسدها الشفاف من لفحات البرد التي تغلغلت عبر الشقوق الخشبية للنافذة الشاسعة. كانت ليلى تنام في حضنه الملاذ، تضع يدها الرقيقة فوق بطنها التي بدأت تحوي النبض المقدس لولي العهد المنتظر، مستسلمة لأنفاس قاسم الساخنة التي كانت تحرق وجهها برومانسية تملكية شرسة لم تنطفئ يوماً. لكن الطمأنينة التي سكنت روحيهما لشهور لم تكن لتدوم؛
اقرأ المزيد

رحيل اضطراري

تحولت ردهات السرايا الشاسعة إلى خلية نحل يغشاها الهلع الصامت، وتلبدت الأجواء في الجناح العلوي بغيمة ثقيلة من القلق والترقب الخانق بعدما فرضت ليلة الصقيع الواعرة طوارئ لم تشهدها الدار من قبل. كانت المصابيح النحاسية تومض بوهج واهن يلقي ظلالاً راقصة ومضطربة فوق الجدران الحجرية العتيقة، ليعكس عمق المأساة التي حلت بـ"سلطانة العرين".على الفراش الوثير، كانت ليلى ترقد في حالة تذيب الصخر؛ جسدها الرقيق ينتفض بين الحين والآخر بفعل حمى غامضة، ولم تكن حُمى جسدية عادية، بل كانت "حمى الطاقة السوداء" التي انبعثت من ثغرة الجبل الشرقي وتسللت إلى أحشائها. كان وجهها شاحباً كالملح، وعرقها البارد يتفصد بغزارة ليغمر وسائدها الحريرية، بينما كانت يدها الارتعاشية تقبض باستماتة على بطنها تحمي نبض ولي العهد الكامن في أحشائها من تلك البرودة الملعونة التي تحاول إطفاء شعلته. كانت تطلق زفرات حارقة وتهمس بكلمات تخاطرية متقطعة، تشعر بالسموم الروحية والموجات الفاسدة وهي تنهش في روحها وتهدد طفلها المنتظر.بجوار الفراش، جثا قاسم الراوي على ركبتيه كالفهد الجريح، وقد نزع عباءته وتخلى عن كبريائه الصارم أمام ضعف ا
اقرأ المزيد

فك الشفرة

توقفت السيارة المصفحة أخيراً بعد رحلة الموت الواعرة أمام البوابة الحديدية الضخمة لقصر قاسم السري في ضواحي القاهرة، ذلك الحصن المنيع المحاط بالأشجار الكثيفة والأسوار العالية المجهزة بأحدث أنظمة الرقابة والتحصين الأمني بعيداً عن عيون أفاعي البندر ورجال المنظمة. لم يكد سليم يطفئ محرك السيارة حتى كان قاسم يدفع الباب المصفح بحركة عاصفة مباغتة، حاملاً ليلى بين ذراعيه الفولاذية برفق لا يصدق، دافناً جسدها الشاحب والمنهك في صدره العريض لكي يحميها من بقايا صقيع الفجر الذي كان يلف العاصمة. شق قاسم ردهات القصر الفخم بخطوات ثقيلة ومزلزلة، وصعد بها الدرج الرخامي المؤدي إلى الجناح الرئيسي، حيث كانت الأجواء مهيأة ومضاءة بوهج خافت ودافئ ينبعث من الشموع الكبيرة والثرية الكريستالية النحاسية. وضعها بعناية فائقة فوق الفراش الوثير المخملي، وبأصابع ترتعش من فرط الشغف والخوف الدفين عليها، بدأ يدثر جسدها الرقيق بأغطية الحرير الناعم واللحاف الصوفي الثقيل، محاولاً بث الدفء في أطرافها التي غمرتها برودة "حمى الطاقة السوداء" الملعونة. كان المشهد يفيض برومانسية حزينة وحميمية طاغية تذوب لها الج
اقرأ المزيد

طقوس الغدر

تسللت الظلال الكثيفة داخل ردهات القصر السري في البندر، حيث خيم صمت قاتم ومشحون بالترقب والخوف، ولم يكن يقطعه سوى أنين الرياح الخافتة التي تضرب زجاج النوافذ الشاهقة. وفي غياب قاسم الذي خرج لضرب رؤوس الأفاعي، كانت الحراسة مشددة بالأسفل، لكن المؤامرات الدنيئة تتقن دائماً التسلل من الشقوق. كانت ميرال—التي نجحت منظمة "جوليا" في تهريبها من مصحة الأمراض العقلية بدم بارد—تتحرك كالأفعى في ممرات الطابق العلوي، متنكرة في زي ممرضة برداء أبيض خادع، وتضع كمامة طبية تخفي ملامح وجهها الشاحب الذي غابت عنه أمارات العقل وحل محلها غلّ أعمى. كانت تقبض بيد مرتجفة بسب غضبها الدفين على حقنة طبية تحوي سائلاً شفافاً قَاتلاً، مادة كيميائية طورتها المنظمة لتسريع إسقاط الجنين وتدمير ولي عهد آل الراوي إلى الأبد.دلت ميرال إلى الجناح الرئيسي بخطوات هادئة وخافتة لا تكاد تطأ الأرض الرخامية. وعلى الفراش الوثير تحت ضوء الشموع الخافت والدافئ، كانت ليلى ترقد بجسدها المنهك الذي لفحته حمى الطاقة السوداء، واضعة يدها فوق بطنها بحنو وتملك غريزي لحماية نبض طفلها. وفجأة، وقبل أن تقترب ميرال من الفراش بثوانٍ معدودات، سرت ق
اقرأ المزيد

عهد الدم والنار

تلاطمت أمواج نهر النيل الداكنة بقسوة على الهيكل الخشبي العتيق لمركب عائم، استقر سراً في بقعة معزولة بعيداً عن أضواء صخب البندر، ليكون غطاءً آمناً لتدبير مؤامرة دولية دنيئة تُحاك ضد شرف وعرش آل الراوي. كانت الأجواء داخل الصالون المغلق للمركب مشحونة بالتوتر، يكسر جمودها الدخان الكثيف المتصاعد من سجائر الأطراف الدولية ورجال المنظمة المحتشدين حول طاولة مستديرة غُطيت بخرائط جغرافية دقيقة لـ"جبل الراوي". كان الوميض الأزرق لشاشات الحواسيب المحمولة يعكس ملامح "جوليا" الباردة، وهي تقف بكبرياء غادر ترتدي ثياباً رسمية قاتمة، وتوزع نظراتها الثاقبة بين الممثلين الدوليين لعواصم الغرب وبين الرسوم البيانية الكهرومغناطيسية للثغرة السوداء. ضربت جوليا بكفها فوق الطاولة الخشبية، وخرج صوتها حاداً، حانقاً يحمل قسوة منزوعة الرحمة: * "الوقت لا يعمل لصالحنا.. قاسم الراوي اخترق معمل رفعت وتحصل على المخطوطة، وميرال فشلت تماماً في التخلص من الجنين وباتت في قبضتهم. الخيار الوحيد المتبقي لدينا هو إجبار ذلك الجنين على التفاعل مع بوابة الأبعاد عنوة، وبأسرع وقت قبل أن يعودوا إلى الصعيد."
اقرأ المزيد

حصار المغارة الكبرى

امتلأت سماء نجع الراوي بـظلمة كاحلة غريبة ومفاجئة في وضح النهار، حيث تراجعت خيوط الشمس الذهبية لتحل محلها حمرة دموية موحشة غلفت قمم الجبل الشرقي، إثر اشتداد "الطاقة السوداء" المنبعثة من الثغرة الأعمق لبوابة الأبعاد. بدت الأجواء مشحونة برائحة الأوزون والبارود، وتصاعدت عواصف من الغبار الأحمر لتلتف حول أسوار السرايا ككفن هائل، في لقطة حبست الأنفاس وأثارت الرعب والوجوم في نفوس العباد؛ فقد تسبب اضطراب الموجات الكهرومغناطيسية للمنظمة الدولية في إحداث خسوف جزئي غريب للشمس، بدت معه كعين نارية تنطفئ ببطء فوق رؤوس القبائل المحتشدة بذهول وسلاحها في أيديها.وسط هذه الأجواء الماورائية العاصفة، انفتحت البوابة الخشبية الكبيرة لـشرفة السرايا الرئيسية المشرفة على الساحة الكبرى، لتطل منها ليلى بـكبرياء السلطانة الشامخ الذي يليق بملكة توجتها النيران والملاحم. كانت ترتدي عباءة مخملية سوداء مطرزة بخيوط الذهب تفوح برائحة البخور الجبلي والياسمين، وشعرها الغجري طويل الخصلات يتطاير كراية حرب خلف كتفيها، بينما كانت تضع يدها برفق وتملك غريزي فوق بطنها التي تحوي النبض المقدس لولي العهد. وخلفها مباشرة، كان
اقرأ المزيد

العودة للعرين

انسلَّت خيوط الليل الأخيرة فوق مياه نهر النيل الساكنة، لتترك خلفها عاصفة الدماء والبارود وتغلف شرفة القصر السري في البندر بهدوء شتوي عذب شابه مسحة من الشجن. ساد الصمت والسكينة أرجاء الشرفة الشاسعة، ولم يكن يقطعه سوى الحفيف الخافت لأوراق الأشجار المنعكسة في عتمة المجرى المائي. كان وهج الشموع النحاسية الموضوعة في زوايا الشرفة يلقي ظلالاً دافئة، راقصة ومطمئنة فوق الرخام البارد، ممتزجاً برائحة بخور العود النقي والياسمين الجبلي الذي كان يفوح من ثياب "سلطانة العرين".كانت ليلى تقف مستندة بجسدها الرقيق إلى السور الحجري للشرفة، وتتنفس بعمق بعد شهور ووعثاء أيام طوال أضناها المرض؛ إذ شعرت ليلى بتحسن مؤقت يسري في أطرافها بعدما تراجعت حدة سموم وموجات المنظمة الدولية إثر غلق قاسم وسليم لشفرة الأجهزة الترددية في البندر. كانت ترتدي ثوباً قطنياً ناعماً يتطاير مع هبات النسمات النيلية الباردة، وشعرها الغجري طويل الخصلات ينسدل بحرية فوق كتفيها كشلال من الظلام. لم تمر لحظات حتى شعرت بأنفاس ساخنة مألوفة تحرق قفا نحرها، وذراعين كالفولاذ تلتفان حول خصرها النحيل بجنون وتملك شرس أطاح بكل مسافات الخوف.
اقرأ المزيد

انكسار اللعنة

انقشع سكون الليل الشاتي فوق قمم الجبل الشرقي لنجع الراوي، وتحولت المسالك الصخرية المؤدية إلى المغارة الكبرى إلى ساحة حرب ملحمية تحت سماء تبرق بصواعق فضية مرعبة وتشهد ومضات الرعد المدوية. كانت الرياح العاتية تعصف بالغبار الأحمر المحمل برائحة البارود والأوزون، لتغلف المشهد بغلالة من الغموض والترقب الحارق؛ حيث قادت جوليا، بكبرياء غادر مكلل باليأس الأخيل، هجوماً انتحارياً وأخيراً بمساعدة رجال المنظمة الدولية المدججين بأسلحة ثقيلة وأجهزة ترددية ضخمة ومطورة، زرعوها على عجل بين الصخور لإطلاق موجات كهرومغناطيسية مكثفة قادرة على فتح بوابة الأبعاد عنوة وسرقة باطن الأرض.بجانب الأجهزة الترددية التي كانت تطلق أزيزاً رقمياً حاداً يثقب الآذان، كانت ميرال تقف بجسد تملكه الارتجاف الشديد، وقد فقدت ما تبقى من عقلها تماماً بعد هروبها من المصحة؛ كانت خصلات شعرها متناثرة بوحشية فوق وجهها الشاحب، وعيناها متسعتين بجنون هستيري وغل أعمى وهي تقبض على بندقية آلية وتصرخ بنبرة مشروخة ممسوسة بـنار الانتقام: * "هتتفتح البوابة وهتهد السرايا فوق روسهم كلهم!.. مش ع هسيب لـ ليلى ولد ولا عيش في الدار دي، لازم
اقرأ المزيد
السابق
1
...
456789
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status