All Chapters of وردة في عرين السلطان: Chapter 61 - Chapter 70

83 Chapters

قنص الذئاب في دهاليز العتمة

أسدلَ الليلُ العتيمُ سِتارهُ الأسودَ الثقيلَ فوق شعاب النجع والدروب الملتوية المؤدية إلى ظلال الجبل الشرقي، ليخنق آخر أنفاس الضياء ويحيل الحركة إلى ما يشبه ممر الأشباح. كان الهواء يلسع الوجوه ببرودةٍ جافة قارسة، محملًا برائحة تراب المحاجر الرطب ونبت الحلفاء البري الذي يئن مع عصف الرياح. لم يكن الصمت في هذه البقعة النائية من النجع يحمل طمأنينة؛ بل كان صمتًا مطبقًا مشحونًا بفحيح المؤامرات الخفية ونذر الفاجعة الطاحنة، حيث بدأت خيوط المكر التي حكتها ميرال السيوفي والمنظمة الدولية تتلوى كالأفاعي في عتمة الليل، لتسهيل هروب أذنابهم بعد أن سحق قاسم هيبتهم في الديوان وابتلع أنياب قوتهم الأمنية ببروده الملوكي.في جوف هذا الظلام الخانق، وتحديداً عند "ممر الصخور الميتة"—وهو الممر الضيق الوعر الذي يشكل المخرج السري الوحيد من النجع صوب البندر—كان "سليم الراوي" يربض كالنمر المستعد للاقتناص. كان يتشح بجلبابه الصعيدي الداكن الذي يذوب في سواد الليل، وعباءته الثقيلة مستقرة فوق كتفيه العريضين لـ تستر عتاده وسلاحه الآلي الذي يلقي ببريقٍ معدني خافت مع كل هبة ريح. كانت عيناه الصقريتان الحادتان تجولان
Read more

غزو سفح الجبل

تحدثت جوليا بـ صوتها الحاد البارد الذي يقطر بـ الغطرسة والوعيد، قائلة بـ لغتها العربية المكسورة:ـ "بـ سرعة يا رجال.. ميرال واللواء رفعت فرضوا العزل على النجع بـ الأوراق والقوانين، وقاسم الراوي دلوك بـ يتحارب مع كبرياء حريمه بـ السرايا وم ع يشمش خبر بـ اللي بـ يدور اهنه. المناشير الليزر لازم تقطع في قلب الصوان ده قبل طلوع الفجر، ونفك الردم عن بوابة الأبعاد بـ أي تمن. الأبحاث الدولية مستنية طاقة الجبل ده، والمنظمة ع تدفع الملايين للي يخلص الشغل ويشيل آل الراوي من طريقنا للأبد!"في تلك اللحظة الحرجة التي كانت الأجهزة تنهش فيها أحشاء الصخور بـ أزيزٍ حراري مكتوم، كان قاسم الراوي يقف في "الجناح الكبير" بـ السرايا، ممسكاً بـ يد زوجته وسلطانة قلبه "ليلى". كانت الغرفة تغرق في ظلال دافئة يعكسها وميض الشموع المتراقصة، تفوح بـ عبير العود وميثاق الحب الناضج الذي عُمّد بـ الدم والتحدي. كان قاسم يرتدي جلبابه الصعيدي الأسود، وقامته الشاهقة تلقي بـ ظلال الهيبة فوق الفراش الوثير.فجأة، وتحديداً مع أول ضربة لـ ليزر المنظمة في سفح الجبل، انتفض جسد قاسم بـ عنفٍ صاعق شل أطرافه لـ ثوانٍ. تلاح
Read more

العودة للعرين

انسلَّت خيوط الليل الأخيرة فوق مياه نهر النيل الساكنة، لتترك خلفها عاصفة الدماء والبارود وتغلف شرفة القصر السري في البندر بهدوء شتوي عذب شابه مسحة من الشجن. ساد الصمت والسكينة أرجاء الشرفة الشاسعة، ولم يكن يقطعه سوى الحفيف الخافت لأوراق الأشجار المنعكسة في عتمة المجرى المائي. كان وهج الشموع النحاسية الموضوعة في زوايا الشرفة يلقي ظلالاً دافئة، راقصة ومطمئنة فوق الرخام البارد، ممتزجاً برائحة بخور العود النقي والياسمين الجبلي الذي كان يفوح من ثياب "سلطانة العرين".كانت ليلى تقف مستندة بجسدها الرقيق إلى السور الحجري للشرفة، وتتنفس بعمق بعد شهور ووعثاء أيام طوال أضناها المرض؛ إذ شعرت ليلى بتحسن مؤقت يسري في أطرافها بعدما تراجعت حدة سموم وموجات المنظمة الدولية إثر غلق قاسم وسليم لشفرة الأجهزة الترددية في البندر. كانت ترتدي ثوباً قطنياً ناعماً يتطاير مع هبات النسمات النيلية الباردة، وشعرها الغجري طويل الخصلات ينسدل بحرية فوق كتفيها كشلال من الظلام. لم تمر لحظات حتى شعرت بأنفاس ساخنة مألوفة تحرق قفا نحرها، وذراعين كالفولاذ تلتفان حول خصرها النحيل بجنون وتملك شرس أطاح بكل مسافات الخوف.جذبها ق
Read more

في جبل الرواي

طغت ظلمة مطبقة على جنبات المغارة الصخرية في قلب "جبل الراوي"، ذلك الكيان الحجري العتيق الذي شهد على ملاحم النجع لقرون. لم يكن يكسر هذا السواد الدامس سوى الوميض الأحمر والأزرق المتقطع للأجهزة الإلكترونية المتقدمة، وشاشات الرصد والتعقب الحراري التي نصبتها منظمة "جوليا" الدولية في زوايا المغارة كأخطبوط تكنولوجي غريب عن طهارة الأرض. كانت الأجواء داخل التجويف الصخري مشحونة برائحة البارود الساخن الخانقة، والتراب الكثيف الذي تذرّه الأقدام المذعورة في حركتها العشوائية. كان رجال جوليا المدججون بأحدث الأسلحة الأوتوماتيكية وأجهزة الرؤية الليلية المثبتة فوق خوذاتهم يضيقون الخناق ببطء وتكتيك عسكري صارم على قاسم، محاولين حصاره في زاوية ميتة لإنهاء أسطورة "سلطان الجبل" التي أَرّقت مضاجعهم، ودفن سره معه مرة وإلى الأبد.في تلك اللحظة الحرجة التي بلغت فيها القلوب الحناجر، كانت ليلى تقف خلف إحدى الركائز الصخرية العتيقة، ملتصقة بالجرانيت البارد كأنها جزء منه. شعرت بنبضات قلبها تتسارع بعنفوان يزلزل صدرها، ولم يكن هذا الوجيف رعباً على حياتها أو خوفاً من رصاصة طائشة، بل كان هلعاً خالصاً وجارفاً من أن
Read more

هدنة الدم

في الجناح العلوي من السرايا، حيث تنعزل الأنفاس عن ضجيج العالم الخارجي ومؤامراته الخبيثة، كان الصمت يفرض هيبته، صمتٌ غليظ مشحون بالتوتر العاطفي والخوف الذي لم يهدأ بعد. انقشعت غُمّة المعركة من وراء الأسوار، لكن شظاياها ظلت عالقة في الوجدان. كان الضوء الخافت المنبعث من المصباح النحاسي المعلق في زاوية الغرفة يلقي بظلاله الطويلة والراقصة على الجدران العتيقة، ليرسم لوحة سريالية لجسدين أضناهما العشق والبارود.كان قاسم يجلس على طرف الفراش الوثير، بعد أن خلع عباءته الصعيدية التي تلطخت بغبار الجبل، وفتح أزرار قميصه الأبيض القطني ليظهر صدره العريض الذي لفحته نيران المعارك. لم يكن صدره مجرد جسد لرجل، بل كان خريطة حية من الندوب والجروح الطازجة؛ خدوش عميقة تركتها شظايا الصخور المتناثرة بفعل الانفجارات، ودماء قانية تخثرت على جلده الأسمر بفعل حرارة الجو، ترسم خطوطاً من الكبرياء والوجع. كان يتنفس بصعوبة، ليس عجزاً، بل من فرط المشاعر المتلاطمة في صدره كأمواج بحر هائج، وعيناه المثبتتان على الفراغ تلتمعان بجمر الغضب والغيرة الشرسة التي لم تنطفئ بعد.جثت ليلى على ركبتيها بين قدميه، كانت تبدو كح
Read more

مواجهة في ردهة العز

لم تكن شمس الصعيد قد أشرقت بعد، كان الفجر يزحف ببطء كحبر رمادي ينسكب فوق قمم "جبل الراوي" الشامخة، مغلفاً النجع بأكمله بوشاح من الضباب الكثيف والبرودة القارسة. في هذا الوقت الميت من الليل، حيث تخمد الأنفاس وتهدأ الحركة، كانت الحركة داخل المربوع الخلفي للسرايا تدور في سرية مطلقة لا يعلم مستقرها إلا الله.كان قاسم الراوي يقف أمام مرآة خشبية عتيقة، يرتدي ثياباً لم يعتد نجع الراوي رؤيته بها؛ لقد تخلى مؤقتاً عن عباءته الصعيدية الفضفاضة وعصاه الأبنوسية، ليرتدي حُلة سوداء عصرية تلتف حول جسده الرياضي العريض بصرامة، يخفي فوقها معطفاً طويلاً داكناً. كان هذا التحول في المظهر بمثابة إعلان مبطن عن تغيير استراتيجية المعركة؛ فالحرب في الجبل تحتاج للبارود والجسارة، أما الحرب في "البندر" (القاهرة) فتحتاج إلى الدهاء والسرعة والتحرك كالأشباح بين ردهات الأبراج العالية وخزائن المال المغلقة.بجواره، كان يقف سليم، ذراعه الأيمن ورجل المهام المستحيلة، يتفحص مخازن الذخيرة والمسدسات الكاتمة للصوت بتركيز شديد قبل إخفائها تحت معطفه. التفت قاسم نحو سليم، وكانت عيناه تقطران ببريق حاد كالشفرة، وقال بصوت من
Read more

فك أسرار الخزنة

كان ليل القاهرة (البندر) يزحف ببطء كئيب فوق أسطح البنايات الشاهقة، حاملاً معه صخب شوارعها وضجيج سياراتها الذي لا يهدأ، لكن خلف الجدران الصماء لبرج "السيوفي" الفاخر بقلب العاصمة، كان الصمت المطبق هو سيد الموقف. تداخلت أضواء النيون المنعكسة من الشوارع عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لترسم خطوطاً باهتة داخل المكتب الفخم والمغطى بالسجاد العجمي الثمين.وسط هذه العتمة، تحرك قاسم الراوي وسليم كالأشباح التي لا تكاد تطأ أقدامها الأرض. كان قاسم قد نزع معطفه الطويل، وظهرت بنيته الجسدية القوية بقميصه الأسود المشدود، وعيناه تلمعان ببريق ذئبي حاد يتربص بالصيد. بجواره، كان سليم يمسك بحقيبة الأدوات الإلكترونية، يوزع نظراته الذكية بين شاشات المراقبة المعطلة مؤقتاً وبين الممر المؤدي إلى الخزانة السرية.تنفس قاسم بعمق، وأخرج هاتفه المحمول المشفر الذي أضاء وجهه الأسمر الصارم. ضغط على زر الاتصال لتأتيه النبرة المتهدجة والباكية من الضفة الأخرى؛ كانت فوزية تتحدث من ركن مظلم داخل سرايا الصعيد، وصوتها يرتعش بندم حقيقي زلزل كيانها بعد تهديدات ميرال الأخيرة لها بالقتل، وقررت أن تكفر عن ذنبها وتنقذ دمها و
Read more

ليلة الحساب

تلبدت أجواء بهو السرايا الرئيسي بغيمة كثيفة من التوتر والترقب، وتحولت الرخامات البيضاء التي شهدت قبل لحظات إنقاذ الحاجة نبيلة إلى ساحة معركة مفتوحة. لم يعد هناك مجال للمواربة أو الأقنعة؛ فقد هبطت ميرال درجات السلم بخطوات متسارعة، حانقة، يشتعل وجهها بحمرة الغيظ والغل بعدما رأت مخططها الدنيء يتهاوى ويتحطم كشظايا الكأس الملقاة على الأرض. كانت تتقدم وعيناها تقدحان ببرود وحشي انكسر أمام صمود سلطانة الجبل.وقفت ميرال في مواجهة ليلى وسط البهو، وكانت تتنفس بحدة، ترفع رأسها بكبرياء "البندر" الزائف وتنظر إلى ليلى بعيون مليئة بالاحتقار والوعيد، وصاحت بنبرة حادة هزت جدران السرايا:"أنتِ فاكرة نفسك إيه يا ليلى؟! حتة حرمة جاهلة جاية من ورا البهائم بـ تتحداني أنا؟ بـ تكسري الكأس في وشي وعاملة فيها الحارس الأمين؟! السرايا دي كلها بـ اللي فيها هتهد فوق روسكم، وقاسم بتاعك خلاص ورق جنونه ومحوه من الدنيا في يدي، مش هتلحقي تتباكي على موته وموت العجوزة دي!"لم تهتز ليلى أنملة واحدة أمام هذا السيل من السباب والتهديدات؛ بل كانت تقف كالطود الشامخ، عيناها تلتمعان بطاقة الجبل وعنفوان الصعيد، تفيضا
Read more

اختراق حصون السيوفي

قال قاسم وعيناه تثبتان اللواء في مكانه:"عارفك زين يا رفعت بيه.. عارف إنك اللواء اللي قبضت ملايين من منظمة جوليا عشان تبيع ناسك وبلدك، وعارف إنك الغطاء الكبير اللي واقف ورا ميرال والكلاب الأغراب عشان تلووا دراع قاسم الراوي بـ قضية الحجر والجنون. الملف اللي قدامك ده هو 'الصندوق الأسود' بتاعك.. فيه كل حساباتك السرية في سويسرا، وتواريخ المقابلات اللي تمت بينك وبين جوليا في المراكب العايمة، وأوامر رفع الحراسة عن النجع عشان رجالة المنظمة يدخلوا يسرقوا الدهب."شحب وجه اللواء رفعت تماماً، وارتعشت يده التي تمسك السيجار وسقطت فوق المكتب. فتح الملف بسرعة بـأصابع ترتجف، وبدأ يقلب الأوراق التي تحتوي على صور مستندات رسمية وتحويلات بنكية لا تقبل الشك، وهي أدلة كافية لتعليقه على حبل المشنقة بتهمة الخيانة العظمى وتلقي الرشاوي. نظر إلى قاسم بذعر وهوان وقال:"أنت.. أنت جبت الحاجات دي منين؟ قاسم.. اسمعني، إحنا ممكن نتفاهم.. كل حاجة وليها حل."انحنى قاسم نحو وجهه بقسوة، وضغط بسبابه على الطاولة وقال بصوت كالسيف القاطع:"الحديث عاد مفيش فيه تفاهم يا رفعت! إحنا هنا بـ نؤمر وإنت بـ تنفذ
Read more

عودة أسياد الأرض

اجتمع كبار وعواقل نجع الراوي في ليل صامت شديد البرودة، داخل المقعد الكبير الملحق بالسرايا، حيث كانت جدرانه الحجرية العتيقة تفوح برائحة الهيبة والتاريخ. تصاعدت أعمدة الدخان الكثيف من نراجيل الشيوخ والمجالس وعقدت الوجوه الصارمة الحواجب تحت عماماتها البيضاء، خيم وجوم ثقيل على الحضور، فلا أحد كان يفهم سر هذا الاستدعاء العاجل بعد منتصف الليل، سوى أن هناك أمراً جللاً يهدد كيان النجع.جلس قاسم الراوي في صدر المجلس كطود شامخ، ترتسم على ملامحه الأبنوسية القاسية علامات النصر والدهاء، بينما كان سليم يقف خلفه كظله الحارس، يده قريبة من مقبض سلاحه. وعلى الجانب الآخر من المجلس، كانت ميرال تجلس مدعومة ببعض الأوراق المزورة، تحاول جاهدة الحفاظ على قناع البرود والغَطرسة البندرية، رغم أن رجفة خفية في أطراف أصابعها كانت تفضح ذعرها المكتوم من نظرات قاسم التي لم تفارقها.في اللحظة التي استقر فيها الصمت، وقف قاسم بطوله الفارع، وبحركة مسرحية حاسمة ألقى بالملف الجلدي الأسود وسط الطاولة المستديرة التي يتجمع حولها كبار النجع. ارتطم الملف بالخشب ليحدث دوياً جفل له الحضور. التفت قاسم إلى شيوخ القبائل وعو
Read more
PREV
1
...
456789
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status