في أعمق زوايا القبو القديم، حيث تتكاثف العتمة وتتلاشى أنفاس الأحياء ليحل محلها عبق الموت والزمن، وقف قاسم الراوي كأنه ماردٌ نُحت من صخور الجبل الشرقي. الغبار الكثيف المعلق في الهواء كان يتراقص في حزم الضوء الخافتة، ورائحة الرطوبة والعفن المنبعثة من الطوب اللبن الأسود كانت تزكم الأنوف، لكنها بالنسبة لقاسم كانت رائحة الأرض، رائحة الأجداد الذين شيدوا هذا العرين ليصمد في وجه العواصف. تقدم قاسم بخطوات بطيئة وئيدة نحو الجدار القبلي، حيث كان يستقر تمثال الأجداد؛ ذلك التمثال الحجري الضخم الضارب في القدم، والمصنوع من البازلت الأسود الصلد، والذي يمثل الفارس الأول لعائلة الراوي وهو يقبض على لجام جواده بعزة وكبرياء صعيدي لا يلين. كانت عينا قاسم تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، تلك الهالة السرية التي ورثها من البعد الآخر، وكأنها كشّافٌ كوني يكشف ما خفي عن عيون البشر. وقفت ليلى قريبة منه، تكاد تلتصق بظهره العريض، عباءتها السوداء المطرزة بخيوط القصب تتناغم مع حركاتها الرشيقة، وعيناها الواسعتان تفيضان بمزيج من الشغف الروماني والترقب المشوب بالحذر. خلفهما، عند بداية الدرج الحجري
Read more