All Chapters of فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه: Chapter 31 - Chapter 40

92 Chapters

الفصل ٣١

بعد أن وارت جيني وحدة التخزين الرقمية في مخبأ سري لا يعلمه إنس ولا جان، عادت سو-آه إلى دار رعاية بخطوات واهية وصمت ثقيل جاثم فوق صدرها. لكن النوم، الذي كان ملاذها الوحيد للهروب، جفا عينيها الليلة. استلقت فوق سريرها الضيق، وجسدها متصلب وعيناها معلقتان بالسقف الإسمنتي المتشقق. كانت عقارب الساعة الزاحفة تقترب من منتصف الليل. الفتيات في الغرف المجاورة نائمات، والممرات الطويلة ساكنة يلفها صمت مريب، بينما المدينة خلف الزجاج تغرق في ظلام بارد وقاسٍ. أما عقل سو-آه... فكان يحترق بجحيم من الأفكار التي لا تهدأ. كلما أغلقت جفنيها المتعبين، عادت إليها تفاصيل المشهد الدامي: صورة هيتشول وهو غارق في دمائه بين التروس، ثم ملامح العميد الصارمة وهو يعلن قرار إيقافها، ونظرات الشماتة المسمومة من زميلاتها. مستقبلها بأكمله كان يتهاوى ويتحطم كقطع الزجاج. جلست فجأة في فراشها، كأن قوة خفية دفعتها من الداخل. لم تعد تحتمل البقاء، ولم يعد في رئتيها متسع للتنفس بين هذه الجدران الخانقة. ارتدت معطفها الداكن بصمت، وتسللت خارج الدار. بعد دقائق معدودة، كانت سو-آه تجلس في زاوية حافلة ليلية شبه فارغة. كانت أضواء الش
Read more

الفصل ٣٢

تراجعت سو-آه خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى متلاحقة بخفة وذعر، وشعرت بأن جسدها ينكمش تلقائياً كأنه يحاول الالتصاق بالجدار الإسمنتي البارد والذوبان فيه. لم يكن قلبها يخفق فحسب، بل كان يركض بهستيرية مرعبة داخل صدرها، كعصفور سجين يوشك على الانفلات من بين ضلوعها من فرط الصدمة. دارت الأفكار والسيناريوهات الكابوسية في رأسها كالعاصفة الهوجاء التي لا ترحم: «إذا رأوني هنا في هذه الساعة المتأخرة من الليل... فقد انتهيت تماماً. أنا طالبة مفصولة مؤقتاً ومطلوبة للتحقيق الرسمي بتهمة الشروع في القتل... وجودي هنا بجانب فراشه في لحظة استفاقته سيمنحهم التهمة الجاهزة والدليل الذهبي الذي يبحثون عنه لإدانتي وتدميري للأبد». دون تفكير طويل أو تردد قد يكلفها حياتها ومستقبلها، انسحبت سو-آه بخطوات حذرة ووئيدة نحو الممر الجانبي المعتم، ملقية بنفسها بين زوايا العتمة، محاولة أن تذوب وتتلاشى بالكامل داخل ظلال المستشفى الباردة والمهجورة. لم تلتفت وراءها ولو لمرة واحدة خوفاً من أن تلتقي عينها بعين أحد الحراس، لكنها كانت تشعر في أعماق وعيها المضطرب أن الغرفة التي غادرتها خلفها لم تعد مجرد غرفة عناية مركزة عادية يعالج
Read more

الفصل ٣٣

وصلت سو-آه إلى مبنى دار رعاية بعد منتصف الليل، بخطوات بطيئة، متثاقلة، كأن ساقيها لا تخصان جسدها المنهك. كانت الممرات الطويلة الساكنة على غير عادتها تشبه نفقاً مهجوراً، والجدران الخرسانية الباردة تعكس صدى أنفاسها المتقطعة بنبرة رتيبة تثير الوحشة. دفعت الباب الخشبي لغرفتها ودخلت، ثم أغلقته خلفها بهدوء حذر، كأنها تحاول جاهدة ألا توقظ حتى ذكرياتها الراقدة في زوايا المكان. أغلقت الغرفة على نفسها، وألقت حقيبتها القماشية جانباً دون أي اكتراث بالترتيب. لم تملك الطاقة الكافية لخلع ملابسها بالكامل؛ فقط جلست على طرف السرير الضيق، وتسمرت عيناها تحدقان في الفراغ العريض. كان التعب الذي يجتاح وعيها في هذه اللحظة لا يشبه التعب الجسدي المألوف، بل كان شيئاً أثقل بكثير... كأن عقلها انطفأ تدريجياً تحت وطأة الضغط المتواصل للأيام الأخيرة؛ خذلان جيهون المفاجئ على تلك الدراجة، ونظرات الاتهام المسمومة التي رمتها بها الوجوه الخبيثة، وأروقة المستشفى الباردة، وصورة هيتشول وهو غارق بين الحياة والموت وسط الأسلاك. وفي داخلها، كان الصوت مختلفاً هذه المرة... أهدأ من المعتاد، لكنه كان أكثر حدة ومضاءً كشفرة سكين: «ل
Read more

الفصل ٣٤

لم تستطع سو-آه النوم أبداً بعد قراءة تلك الرسالة المريبة. كانت مستلقية على سريرها الخشبي الضيق، وتحدق بعينين متسعتين في سقف الغرفة المظلم، بينما كانت كلمات هيتشول الحبرية تتردد في دهاليز رأسها بلا رحمة أو توقف: «الفتاة التي من دار الأيتام... ظلها كان واضحاً وجلياً جداً تحت ضوء أجهزة الإنعاش البارحة». كلما حاولت إغلاق جفنيها المتعبين لعلهما ينعمان بلحظة راحة، عادت الجملة لتتجسد أمامها من جديد بحروف من نار. شعرت في تلك اللحظات العصيبة وكأنها تقف وحيدة على حافة هاوية سحيقة لا ترى لها قاعاً. هل كان يهددها علناً؟ أم يدعوها للقاء خاص؟ أم أنه ببساطة يجرّ قدميها نحو فخ جديد ومحكم الإغلاق؟ تنهدت ببطء شديد، وأغلقت عينيها مستجمعة شتات نفسها، وهمس صوتها الداخلي بنبرة حازمة: «اهدئي... الخوف لن يحل شيئاً في هذه المعركة. فكري كما تفكرين دائماً في حل المسائل الصناعية المعقدة. حللي الظروف، ورتبي المعطيات المتاحة أمامكِ». بدأ عقلها يعمل بكفاءة رغم الفوضى العارمة المحيطة بها؛ هيتشول استيقظ من الغيبوبة، ولم يبلغ عنها حراس الأمن، ولم يتهمها أمام الإدارة، بل أرسل رسالة سرية خاصة يطلب فيها رؤيتها بمفردها.
Read more

الفصل ٣٥

ابتسم هيتشول ابتسامة ساخرة، ابتسامة باردة لم تلامس عينيه اللتين ظلتا غائرتين كبئر عميقة من العداء، بل كانت ابتسامة مشبعة بالاشمئزاز أكثر من كونها سخرية، ثم أدار رأسه ببطء شديد نحو النافذة المظلمة التي تعكس صورته الشاحبة وقال بنبرة متهالكة: "دخلوا عليّ هذا الصباح بدموعهم المزيفة، يمثلون دور الوالدين المكلومين، يسألون عن صحتي بلهجة يملؤها الزيف.. وقبل أن تجف دموع أمي الباردة، كان أبي يقف في الزاوية المجاورة يحسب بدقة خسائر الشركات وتأثير الحادث على أسهم السوق في البورصة". ضحك هيتشول ضحكة قصيرة، جافة، وخالية تماماً من أي بهجة إنسانية. "عندما أخبرتهم بوضوح تام، وبدون أي لبس، أن بنات شركائهم المقربين هن من دفعنني عمداً إلى تلك الماكينة القاتلة... هل تعلمين ماذا كان ردهم؟ هل تعلمين ماذا حدث بعد ذلك الصمت المطبق؟". توقف لثوانٍ معدودة، تنفس فيها بشعورٍ من الانكسار المرير، ثم أكمل: "لقد نظروا إليّ، وفي أعينهم نظرة لم أكن لأتخيلها يوماً.. نظرة تمنت لو أنني بقيت في غيبوبتي إلى الأبد، أو لو أنني لم أستيقظ قط لأفسد خططهم التجارية". اتسعت عينا سو-آه قليلاً، وقد جمدت الدماء في عروقها. ول
Read more

الفصل ٣٦

في صباحٍ شاحب، كانت الجامعة تبدو وكأنها لم تغلق أبوابها طوال الليل على فوضى الأمس، بل تركتها مفتوحة عمدًا لتستمرّ الشائعات في الانتشار كالنار في الهشيم. كانت الممرات مزدحمة كعادتها، لكن الضجيج الحقيقي لم يكن في الأصوات العالية، بل في نظرات العيون التي تلاحق سو-آه بفضولٍ مسموم. كل نظرة كانت تعبر أمامها كانت تحمل سؤالاً واحداً لا مفر منه: «كيف ما زالت هذه الفتاة هنا بعد كل ما حدث؟». لكن سو-آه كانت تمشي بلا تردّد؛ ليس لأن قلبها هادئ أو مطمئن، بل لأن روحها قد استنفدت بالكامل قدرتها على الشعور بالخوف. لم تأتِ اليوم لتطلب السماح، ولم تأتِ لتستجدي عودة مهينة، بل جاءت لتواجه نظاماً أكاديمياً حاول محوها بقرار إداري بارد كالثلج. كانت خطواتها ثابتة، وكتفاها مشدودين بإرادة صلبة، وعيناها نصف منخفضتين كمن يحسب كل احتمال في طريق مليء بالألغام. «لن أُدفن بهدوء»، همست لنفسها دون صوت. «إن كان هناك قرار جائر اتُخذ ضدي، فليواجهني من أصدره وجهاً لوجه». وعند مدخل الممر الرئيسي، بدأت الهمسات تتكاثر وتصطدم بجدران المكان: «هي هي...»، «كيف رجعت إلى هنا؟ ألم تُفصل رسمياً؟»، «قضية هيتشول... هل انتهت هكذا ب
Read more

الفصل ٣٧

لم تندفع سو-آه نحو هيتشول، ولم تسعَ للقائه فور عودتها الغامضة إلى الجامعة، بل فعلت ما تفعله دائماً عندما تواجه أزمة أو صراعاً بشرياً معقداً: تراجعت خطوة إلى الخلف، ليس خوفاً، بل لتضع الصورة الكاملة تحت مجهر التحليل. مر يومان كاملان وكأنهما "دراسة جدوى" لمشروع خطير؛ كانت تدخل القاعة ببرودها المعتاد، تجلس في مقعدها، تفتح دفاترها، وتدون الملاحظات وكأن شيئاً لم يحدث، لكن خلف ذلك القناع الصامت، كان عقلها يعمل بلا توقف، يحلل ردود الأفعال، ويرصد ارتعاشات الأيادي. راقبت سو-آه أولئك الفتيات اللواتي حاولن التخلص منها في المصنع؛ كانت ترى بوضوح تام الفزع في أعينهن، والارتباك الذي يكسو حركتهن، والهمسات التي تنقطع فجأة فور مرورها من جانبهن. لم يستطعن فهم اللغز: كيف عادت الفتاة الفقيرة التي كان الجميع ينتظر سقوطها المدوّي؟ كيف أُلغي قرار فصلها بجرة قلم وبسرعة خيالية؟ وكيف تحولت من متهمة ملاحقة إلى طالبة تجلس في مقعدها بكل هذا الثبات؟ أسندت سو-آه ذقنها إلى راحة يدها أثناء محاضرة مملة، بينما راحت تراقب الوجوه الشاحبة في القاعة. «لقد نفذ وعده»، فكرت وهي تنظر إلى السبورة دون أن ترى ما يُكتب عليها، «
Read more

الفصل ٣٨

في صباح اليوم التالي، دخلت سو-آه مبنى الإدارة الصناعية قبل بدء المحاضرات بوقت طويل. كان المبنى في تلك الساعة يبدو مختلفاً؛ ممراتٌ شبه فارغة يغمرها ضوء رمادي باهت يتسلل من النوافذ الطويلة، يمنح المكان هيبة غامضة. تحركت سو-آه بخطوات هادئة، مدروسة، نحو طاولة المجموعات حيث تُترك الملفات العائدة من المستشفى، لتستقر بانتظار أصحابها أو من يهمهم أمرها. كان المجلد بانتظارها. توقفت أمامه لثوانٍ معدودة، شعرت خلالها بقلبها ينبض مرة واحدة بقوة، كقرع طبول معركة وشيكة. مدت يدها ببطء، وفتحت المجلد بهدوءٍ يحاكي هدوءها الخارجي. للوهلة الأولى، لم ترَ شيئاً مختلفاً، فقد كان يبدو مجرد ملف جامعي عادي، لكن حين قلبت الغلاف الداخلي، وقعت عيناها على كلمات جديدة، مكتوبة بحبر أسود حاد، لم تكن موجودة بالأمس. تسمّرت نظراتها فوق السطور التي خطها هيتشول: «يعجبني أنكِ وضعتِ شروطكِ الخاصة، فهذا يعني أنكِ لستِ دمية سهلة الكسر. اطمئني... لن أضعكِ في الواجهة؛ فالأفاعي لا تُواجَه وجهاً لوجه، بل تُترك لتلدغ بعضها بعضاً حتى تفنى. لنبدأ بأضعف حلقة في تلك السلسلة: كيم مين-جي. إنها ليست القائدة، وليست الأذكى، لكنها الأكث
Read more

الفصل ٣٩

بعد أن وضعت سو-آه الظرف البني في مكانه الاستراتيجي فوق طاولة مين-جي، تراجعت إلى الوراء تراقب التبعات من مسافة آمنة. رأت الشرخ الأول يتسلل بوضوح إلى نظرات كيم مين-جي المرتبكة، ورأت كيف تبدلت ملامحها من الغطرسة المعتادة إلى ذعرٍ مكتوم يشبه ذعر الغريق. ومع ذلك، لم تشعر سو-آه بذاك "الانتصار" البراق الذي كان من المفترض أن يغمرها. على العكس، جلست في مقعدها بصمتٍ مطبق، بينما كانت أصوات المحاضرة تتردد في القاعة كضجيج بعيد مشوش لا يصل إلى لبّ عقلها المشغول بتحليل العواقب والنتائج المترتبة على فعلتها. كان ثمة شيء ما يزعجها في أعماقها، شيء أثقل وأكبر من مجرد أوراقٍ سرية، وأكبر من صراعات الفتيات التافهة، بل أكبر حتى من حادثة المصنع نفسها التي كانت شرارة كل هذا الجحيم. أخفضت رأسها وحدقت في دفترها المفتوح دون أن تقرأ حرفاً واحداً؛ كان الورق مجرد بياضٍ فارغ، تماماً كالفراغ الذي بدأ يشكل حياتها. أفكارها كانت تتصارع كالتيارات المتقاطعة داخل إعصار: «هيتشول يملك ملفات مالية، وأسراراً قادرة على إسقاط عائلات بكامل نفوذها... لماذا يمتلك طالباً في الجامعة كل هذه القوة؟ لماذا يجمع هذا النوع من المعلومات ال
Read more

الفصل ٤٠

وصلت الرسالة أثناء المحاضرة الأخيرة، مطوية بعناية داخل ملف المحاضرات. لا اسم، لا توقيع، مجرد سطر واحد كُتب بخطٍ حاد وواضح: "الساعة الثامنة مساءً. الجناح القديم. آخر لقاء قبل نقلي." توقفت عينا سو-آه فوق الكلمات لثوانٍ طويلة، وشعرت بشيء ثقيل يستقر في صدرها. لم يكن خوفاً خالصاً، ولم يكن اطمئناناً، بل ذلك الشعور المزعج الذي يسبق اتخاذ قرارٍ قد يغيّر كل شيء. طوال ما تبقى من المحاضرة، لم تسمع كلمة واحدة مما يقوله الأستاذ؛ كانت تحدق إلى السبورة بينما يدور داخل رأسها سؤال واحد فقط: ماذا يريد هيتشول حقاً؟ منذ استيقاظه، لم يعد أي شيء يسير بصورة طبيعية؛ كل خطوة تجر خلفها خطوة، وكل سر يكشف سراً أكبر. تنهدت بصمت وهي تحاول إقناع نفسها بأنه شخص خطير، لكنه في النهاية أوفى بوعده وأعادها للجامعة. وهنا كانت المعضلة: هي لا تثق به، لكنها لا تستطيع تجاهل أفعاله. وقفت سو-آه أمام نافذة غرفتها الضيقة، تراقب قطرات المطر وهي تتسابق على الزجاج، تماماً كأفكارها التي لا تتوقف. كان الخوف ينهش طمأنينتها، والشكوك تلاحقها كظلالٍ سوداء. أغمضت عينيها، محاولةً استجماع بقايا قوتها، فهي تدرك تماماً أن الخطوة التي ستخ
Read more
PREV
123456
...
10
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status