جميع فصول : الفصل -الفصل 170

170 فصول

الفصل 161: شجرة الزيتون في الشتاء

في صباح يوم الأحد كانت السماء رمادية بشكل مختلف عن رمادية الأيام السابقة.ليس رمادية الغيوم العابرة التي تتفرق مع ارتفاع الشمس. بل رمادية الشتاء الحقيقي، الثابتة والموحدة كأن السماء قررت أن تأخذ لونًا واحدًا وتلتزم به طوال اليوم.استيقظت ليلى على صوت مطر خفيف على زجاج النافذة.بقيت تستمع إليه دقائق قبل أن تفتح عينيها. كان الصوت منتظمًا، لا عاصفة ولا رذاذ، مطر متوسط يسقط بهدوء على كل شيء في الخارج دون تمييز. على الأشجار وعلى الممرات الحجرية وعلى شجرة الزيتون الصغيرة في زاوية الحديقة.فكّرت فورًا في الشجرة.ليس قلقًا. بل نوعًا من الانتباه الذي ينشأ حين تُصبح مسؤولًا عن شيء حي، حتى لو كان هذا الشيء لا يحتاج منك كثيرًا في الواقع.نزلت ووقفت أمام النافذة المطلة على الحديقة. المطر كان لا يزال يسقط. الحديقة كلها كانت تلمع بلون أغمق من لونها المعتاد، التراب الرطب والحجارة المبللة والأوراق التي تحمل قطرات صغيرة تتجمع وتسقط وتتجمع مجددًا.والشجرة كانت هناك. رفيعة وثابتة. أوراقها الأربع تلمع هي الأخرى بالمطر.شعرت بشيء دافئ في صدرها حين رأتها.«تبدو بخير.»قالتها لنفسها ثم أدركت أنها تتحدث مع شج
اقرأ المزيد

الفصل 162: ما تصنعه الجذور

في الصباح الذي تلا يوم المطر، كانت السماء قد صفت تمامًا.ليس الصفاء الرمادي الناعم الذي يعني أن الغيوم ما زالت هناك لكنها خفّت. بل صفاء أزرق حقيقي، النوع الذي يأتي بعد أن يغسل المطر كل شيء ويتركه نظيفًا بلون أكثر حدة مما كان قبله.استيقظت ليلى وأول ما فعلته أنها فتحت الستارة.الحديقة في ضوء الصباح الشتائي الصافي كانت تبدو كأنها رُسمت من جديد. كل ورقة، كل حجر في الممر، كل تفصيلة كانت أكثر وضوحًا من معتادها. المطر يفعل هذا أحيانًا. يأخذ الأشياء المألوفة ويُعيدها إليك وكأنها جديدة.والشجرة في زاويتها كانت تلمع.نزلت مباشرة إلى الحديقة قبل القهوة حتى. ارتدت معطفها فوق بيجامتها ووقفت أمام الشجرة الصغيرة في الهواء البارد الصافي.كانت الأوراق الأربع ترتجف ارتجافًا خفيفًا مع النسيم. وفي ضوء هذا الصباح الأزرق النظيف، كانت خضرتها الفاتحة واضحة بشكل لم تره من قبل. أكثر إشراقًا. أكثر حضورًا. كأن المطر لم يسقط عليها فقط بل غسل عنها شيئًا كان يحجب ما فيها.ركعت أمامها.مسّت التربة. كانت مبللة وطيّعة تحت أصابعها. وحين ضغطت قليلًا، شعرت بدفء خفيف من الأعماق. التربة الجيدة تحتفظ بالدفء حتى في الشتاء.
اقرأ المزيد

الفصل 163: اللحظة الأولى

في صباح يوم الثلاثاء جاءت رسالة من نوال.«ليلى، هناك شخص. اسمه سامي. أربعة وعشرون عامًا. عرف منذ أسبوع. طلب التحدث مع شخص مرّ بنفس الشيء. إذا كنتِ مستعدة، يمكن ترتيب مكالمة هذا الأسبوع.»قرأت الرسالة مرتين.أربعة وعشرون عامًا. عرف منذ أسبوع. هذا يعني أنه لا يزال في اللحظة الأولى بمعناها الحقيقي. الأسبوع الأول هو الأثقل لأن الخبر لا يزال جديدًا بما يكفي ليُفاجئك في كل لحظة تنساه فيها. تذهب لتصنع قهوة وتتذكره. تنظر من النافذة وتتذكره. الأسبوع الأول لا يترك مساحة للتعود.أرسلت لنوال: «متى؟»«يوم الخميس. العاشرة صباحًا إذا كان مناسبًا.»«مناسب.»أغلقت الهاتف ووضعته على الطاولة.جلست في صمت الصباح الذي لم ينتهِ بعد. آدم لم ينزل. الفيلا كانت هادئة. والحديقة من خارج النافذة كانت في ضوئها الشتائي الثابت.فكّرت في سامي.أربعة وعشرون عامًا. عمرها حين وقّعت على العقد البارد في تلك الغرفة كان أكبر بقليل. لكن الأربعة والعشرين التي هو فيها الآن تختلف عن أي عمر آخر. عمر يكون فيه الإنسان قد بنى صورة عن نفسه بما يكفي ليشعر بزعزعتها بشكل حقيقي، لكنه لم يبنِ بعد العمق الكافي ليُدرك أن الزعزعة ليست نهاية
اقرأ المزيد

الفصل 164: ما بعد سامي

في الصباح التالي للمكالمة مع سامي، استيقظت ليلى بشعور لم تتوقعه.لم يكن ثقلًا. ولم يكن خفة بالمعنى الاحتفالي. كان شيئًا أشبه بالاستقرار. كأن شيئًا ما كان يبحث عن مكانه الصحيح طوال الوقت ووجده أخيرًا دون أن يُعلن عن ذلك.بقيت في السرير دقائق تستمع إلى صمت الفيلا الصباحي.فكّرت في سامي. في صوته الهادئ الذي كان يحمل تحته شيئًا يريد الخروج. وفي الجملة التي قالها في آخر المكالمة: أحسّ بشيء في جسده تغيّر وهو يتكلم.هذه الجملة ظلت معها طوال الليل.ليس لأنها كانت مفاجئة. بل لأنها كانت مألوفة بشكل عميق. عرفت ما يصفه لأنها عاشته. حين تحمل شيئًا وحيدًا لوقت طويل ثم يُشاركه مع شخص آخر، أول ما يتغير ليس الفكر. الجسد هو من يُعلن أولًا. شيء في الكتفين. شيء في طريقة التنفس. كأن الجسد كان يعرف قبل العقل أن الحمل خفّ.نزلت ووجدت المطبخ فارغًا. آدم لم يكن قد استيقظ بعد.صنعت قهوتها. جلست عند النافذة.الحديقة في ضوء الصباح الشتائي الرمادي. شجرة الزيتون في زاويتها. الأوراق الأربع ثابتة في الهواء الساكن.كانت تُفكّر في أن المكالمة مع سامي كانت مختلفة عن كل ما سبقها. ياسر ومنى ووسيم وسارة، كلهم حين تحدثت مع
اقرأ المزيد

الفصل 165: فاروق يزور الفيلا

في يوم الأربعاء جاءت رسالة من فاروق.«ليلى، هل يمكنني زيارتكم هذا الأسبوع؟ لا سبب محدد. أريد فقط أن أرى المكان الذي تتحدثون منه.»قرأتها وابتسمت.نفس الجملة التي قالتها سارة حين طلبت الزيارة. «أريد أن أرى المكان الذي تتحدثين منه.» كأن الناس الذين يُحبّون شيئًا يريدون أن يروا المكان الذي وُلد فيه.أجابت: «يوم الجمعة. الحادية عشرة. وسنطبخ معًا.»جاء رده: «الطبخ لم يكن في الخطة. لكن لا اعتراض.»في يوم الجمعة وصل فاروق في الحادية عشرة بدقيقتين. كان يحمل كيسًا صغيرًا فيه علبة حلوى وزجاجة من عصير الرمان.«هذا ما أجيء به حين لا أعرف ماذا أجيء به.»«مثالي.» قالت ليلى وأخذت الكيس منه.دخل فاروق إلى الفيلا ببطء الشخص الذي يُريد أن يأخذ وقته في رؤية مكان جديد. لم يكن يتفحصه بفضول مبالغ. بل كان يُلاحظ. فرق بين الاثنين.توقف عند النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة.«هذه الحديقة.»«نعم.»«أنتِ تذكرينها كثيرًا.»«لأنها موجودة كثيرًا في أيامي.»نظر إلى الخارج.«الشجرة الصغيرة في الزاوية.»«شجرة الزيتون. زرعناها في الشتاء.»«وكم مضى عليها؟»«شهران تقريبًا.»«وأربع أوراق في هذا الوقت. هذا جيد.»«أنت تعر
اقرأ المزيد

الفصل 166: ما تعلّمه الشتاء

في أواخر يناير، بدأ الشتاء يتحدث بلغة مختلفة.ليس أشد برودةً بالضرورة. لكن أكثر هدوءًا. كأن الفصل قرر في هذه الأسابيع الأخيرة منه أن يتوقف عن الإعلان عن نفسه ويكتفي بالوجود. الليالي طويلة دون أن تبدو ثقيلة. والصباحات باردة دون أن تطلب منك أن تُدركها بشكل خاص.استيقظت ليلى في الساعة الثامنة إلا ربعًا.الغرفة كانت باردة بالمقدار الذي يجعل الخروج من تحت الغطاء قرارًا يحتاج لحظة. ليس برودة تُعذّب. بل برودة تُذكّرك أنك داخل مكان دافئ وأن الخارج شيء مختلف.فتحت عينيها ونظرت إلى السقف.كانت تُفكّر في شيء قاله آدم قبل أسبوع: «الشتاء يُعلّم الأشياء التي لا تستطيع الفصول الأخرى تعليمها.» قالها أثناء يوم عادي دون أن يكون يُلقي محاضرة. قالها ثم واصل ما كان يفعله كأن الجملة لم تكن تستدعي توقفًا.لكنها بقيت.وهي الآن في الصباح الأخير من يناير تُفكّر فيها.ما الذي يُعلّمه الشتاء؟علّمها أن الهدوء ليس غياب الحركة. الشجرة في الشتاء لا تُنتج أوراقًا جديدة كل أسبوع ولا تُزهر ولا تُثمر. لكنها لا تتوقف. فقط تُحوّل طاقتها إلى الداخل. إلى الجذور. إلى ما لا يُرى.وهذا الأمر ظل يُظهر نفسه في أشكال كثيرة خلال
اقرأ المزيد

الفصل 167: قبل الربيع

في الأسبوع الأول من فبراير، بدأت الحديقة تقول شيئًا.لم يكن تغيّرًا مفاجئًا. لم تظهر أزهار ولم تتغير الألوان. لكن كان هناك شيء في الهواء الصباحي، شيء أخف قليلًا عما كان في يناير، كأن الشتاء لا يزال هنا لكنه بدأ يفكر في المغادرة. وهذا التفكير وحده كافٍ ليغير الشعور بالمكان قبل أن يغير المكان نفسه.استيقظت ليلى في الساعة السابعة وأربعين دقيقة.فتحت الستارة قبل أي شيء آخر.الحديقة في الضوء الصباحي كانت هادئة كالمعتاد. لكن الضوء نفسه كان مختلفًا. أكثر ذهبية من رمادية الأسابيع الماضية. لم يكن ضوء ربيع. لكنه لم يعد ضوء شتاء عميق.ضوء الأسابيع التي بين الشيئين.نزلت إلى الحديقة مباشرة، قبل القهوة وقبل أي شيء. ارتدت معطفها ونزلت.الهواء كان أخف مما توقعت. لا يزال باردًا لكنه لا يُطالبك بالعودة إلى الداخل فور خروجك.وقفت أمام شجرة الزيتون.الأوراق الأربع كانت في مكانها. لكن حين اقتربت أكثر، رأت شيئًا لم تره في المرات السابقة. في أسفل الجذع، في المكان الذي خرجت منه الورقة الرابعة، كان هناك بداية شيء آخر. ليست ورقة بعد. بل نتوء صغير، أصغر من رأس الدبوس، يحمل لون الأخضر الداكن.ورقة خامسة في طريق
اقرأ المزيد

الفصل 168: أول يوم الربيع

في الصباح الأول من مارس، فتحت ليلى النافذة.لم تكن تفعل هذا عادةً في الصباح الباكر. الهواء الشتائي كان يجعل فتح النوافذ قرارًا يؤجّل نفسه. لكن هذا الصباح بالذات، قبل أن تُفكّر، مدّت يدها وفتحت.الهواء الذي دخل لم يكن دافئًا. لكنه لم يكن الهواء الذي كانت تعرفه في الأشهر الماضية. كان فيه شيء مختلف. رطوبة خفيفة ورائحة التراب التي تتغير حين يبدأ شيء ما في التحرك فيه. رائحة لا اسم لها لكن الجسد يعرفها.وقفت عند النافذة المفتوحة دقيقة كاملة، تستنشق هذا الهواء الجديد.ثم نزلت إلى الحديقة.في ضوء الصباح الأول من مارس كانت الحديقة تبدو مختلفة. ليس بشكل درامي. ليست أزهارًا فجأة ولا خضرة مفاجئة. لكن الألوان كانت أغمق بطريقة تعني أنها أكثر حياة. والتراب كان لونه مختلفًا قليلًا. والهواء كان يحمل صوت طائر من مكان ما لم يكن يُسمع في الأسابيع الماضية.توقفت أمام شجرة الزيتون.الورقة الخامسة التي كانت نتوءًا صغيرًا قبل أسابيع، كانت الآن ورقة حقيقية. صغيرة لكن واضحة. خضراء داكنة تختلف عن الأربع السابقات في لونها الأكثر عمقًا.وبجانبها، في مكان لم تتوقعه، كان هناك نتوء سادس بدأ يظهر.جلست على المقعد الح
اقرأ المزيد

الفصل 169: ما تبقّى من العقد

في الصباح الثاني من مارس، وجدت ليلى ورقة على الطاولة في المطبخ.لم تكن ورقة عادية. كانت ورقة مطوية بعناية، حوافها مستقيمة، موضوعة بشكل مقصود في منتصف الطاولة لا على الجانب. آدم كان قد غادر مبكرًا لاجتماع. والورقة كانت تنتظرها.أمسكت كوب القهوة وجلست.نظرت إلى الورقة دون أن تفتحها.كانت تعرف ما فيها. أو تظن أنها تعرف.فتحتها.كان خط آدم. خطه الذي يميل قليلًا إلى اليمين حين يكتب ببطء ويستقيم حين يكتب بسرعة. هذه الكلمات كانت مائلة. كُتبت ببطء.«ليلى،قرأت ما كتبتِه مرة أخرى هذا الصباح قبل أن تستيقظي.هناك شيء أريد قوله لكن ليس بالكلام. الكلام أحيانًا لا يجد الشكل الصحيح.العقد الذي وقّعناه انتهى من الناحية الرسمية منذ أشهر. لكنني لم أقل شيئًا لأنني لم أكن أعرف كيف أقول ما أريد قوله.ما أريد قوله هو هذا: لو طُلب مني اليوم أن أوقّع على عقد جديد، لن أوقّع.ليس لأنني لا أريد. بل لأن ما بيننا أصبح أكبر من أي عقد يستطيع احتواءه.أنت لا تحتاجين عقدًا. وأنا لا أحتاج واحدًا. لأن ما اخترناه كل يوم خلال هذه الأشهر كان أقوى من أي توقيع.لكنني أريدك أن تعرفي شيئًا واحدًا. أنا هنا. ليس لأن العقد يقول
اقرأ المزيد

الفصل 170: شجرة الزيتون في الربيع

في الصباح الخامس عشر من مارس، خرجت ليلى إلى الحديقة قبل أي شيء آخر.لم يكن هذا غريبًا. أصبحت عادة من عادات الصباح. مثل القهوة ومثل فتح النافذة قبل الستارة. الحديقة أولًا. ثم كل شيء آخر.لكن هذا الصباح بالذات كان مختلفًا.الهواء حين فتحت الباب الزجاجي كان دافئًا بشكل لم تتوقعه. ليس دفء الصيف. لكن دفء من يقول إن الشتاء انتهى فعلًا لا أنه ينتهي. الفرق بين الفعل المضارع والماضي كبير حين يتعلق الأمر بالفصول.مشت نحو شجرة الزيتون.ثم توقفت.كانت هناك ست أوراق.الورقة السادسة كانت قد اكتملت بين الليل وهذا الصباح. صغيرة لكن واضحة، في الجانب الأيمن من الجذع، خضراء داكنة كالأوراق التي سبقتها لكن بشيء فيها يبدو أحدث، أكثر طراوة، كأنها لا تزال تستيقظ على نفسها.جلست على المقعد الحجري.ست أوراق.الشجرة التي كانت رفيعة وحيدة حين غرستاها في الشتاء، التي كانت العامل المسن يقول عنها إن هذه السنة للجذور والعطاء يأتي لاحقًا، كانت الآن بست أوراق في أول ربيع حقيقي.لم تكن هذه شجرة كبيرة. لم تكن قد وصلت إلى ما وصفه العامل حين قال إنها حين تتجذر لا تتوقف عن العطاء. كانت لا تزال في بدايتها. جذعها لا يزال رفي
اقرأ المزيد
السابق
1
...
121314151617
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status