All Chapters of قصتي مع جلادي : Chapter 71 - Chapter 80

91 Chapters

الفصل الحادي والسبعون: اختبار جديد

لم أستطع التوقف عن النظر إلى المبلغ البسيط الذي وصل إلى حسابي في ذلك الصباح. ربما لو رآه شخص آخر لابتسم بسخرية، فهو لم يكن ثروة هائلة، ولم يكن كافياً لتغيير مجرى حياتي بالكامل، لكنه بالنسبة إليّ كان يحمل معنى أكبر بكثير من قيمته المادية. كان أول مال أحصل عليه لأن شخصاً ما في هذا العالم رأى شيئاً صنعته بيدي وقال بيقين: "هذا يستحق أن أدفع مقابله." أغلقت شاشة الهاتف، ثم فتحتها من جديد لأتأكد من الرقم للمرة الثالثة، فانسابت ضحكة خفيفة من شفتي وأنا أقف وحدي في الغرفة، همستُ لنفسي بذهول فخور: "وصل فعلًا."سمعتُ صوت أمي القادم من خلف الباب المتكئ: "مع من تتكلمين؟". التفتُّ إليها بسرعة وأنا أحاول جمع شتات نفسي وقيلت: "مع نفسي." رفعت أمي حاجبها باستغراب ناعم وتساءلت: "منذ متى وأنتِ سعيدة بالحديث معها؟". ضحكتُ بحرارة ورفعتُ الهاتف أمام عينيها وقلت: "انظري هنا." اقتربت أمي بخطوات هادئة، وأخذت الهاتف من يدي لتتأمل الشاشة. لم تكن تفهم تماماً كيف تعمل هذه التطبيقات الرقمية، ولا معنى المشاريع التي كنت أبحث عنها أو الأعمال التي أنفذها على الحاسوب، لكنها كانت تفهم شيئاً واحداً واضحاً: أن ابنتها كانت س
last updateLast Updated : 2026-09-01
Read more

الفصل الثاني والسبعون: عام الأحلام

مرّت الأيام التالية على روتين حياتي الجديد بسرعة لم أعتدها من قبل. لم أعد تلك الفتاة التي تجلس حائرة أمام مكتبها الخشبي، تسأل نفسها بعجز من أين تبدأ وكيف تخطو أول الطريق؛ بل بدأتُ بالفعل أتعلم، وأجرب، وأخطئ، ثم أعيد المحاولة بصرامة أشد. ومع كل مشروع صغير أنجزه وأسلمه لصاحبه، كنتُ أشعر بشيء داكن في داخلي ينجلي ليحل محله نور دافئ وثقة راسخة. لم يكن الأمر يتعلق بالمال وحده، رغم قيمته، بل بذلك الشعور البديع الذي يمنحه المرء حين يعتمد على نفسه ويبني كيانه بجهده الخاص. كنتُ أردد في سري دائمًا كلما واجهتني عقبة تقنية أو إرهاق: "أنا أستطيع... وسأصل." ورابما كانت تلك الجملة البسيطة هي أعظم درساً خرجتُ به من كل عثراتي السابقة. ثم أطلّ عام 2023 بكل ما يحمله من غمود وأمل. لم أكن أعرف حينها أنه سيكون أجمل عام أعيشه في حياتي، وأنه في الوقت نفسه سيترك في أعماق قلبي ندبة غائرة لن تزول بأمر الزمان. في بدايات ذلك العام، فتحت أمامي أبواب كثيرة لم أكن أتوقعها؛ عملتُ في مجالات متعددة عبر الإنترنت، وبدأتُ أكتشف بشغف أن مهاراتي البسيطة التي كنت أظنها عادية ولا قيمة لها، يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل حقيقي يضم
last updateLast Updated : 2026-09-01
Read more

الفصل الثالث والسبعون: رسالة وصلت متأخرة

مرّ شهران كاملان...شهران فقط، لكنني كنتُ أشعر وكأن سنوات طويلة وثقيلة قد مرت فوق رأسي. منذ رحيل أخي والسند الحقيقي في حياتنا، لم يعد للبيت ذلك الصوت الدافئ الذي اعتدتُ عليه طوال عمري؛ لم يعد هناك من يطرق باب غرفتي بهدوء ليسألني بابتسامة عما أفعل، ولا من يمازحني بحرارة حين أستغرق في العمل أمام الحاسوب لساعات طويلة، ولا ذلك النبر الخافق باليقين وهو يكرر على مسامعي: "ستنهضين وتعودين أقوى قبل رمضان... أنا متأكد."كنتُ قد نهضتُ بالفعل وقفتُ على قدمي مجدداً، لكنني في كل لحظة كنتُ أتمنى من أعمق نقطة في قلبي لو أنه كان هنا ليراني ويشاركني الفرحة. كنتُ أجد نفسي أحياناً أمد يدي بعفوية نحو هاتفي لأرسل له صورة أو شيئاً طريفاً حدث معي، ثم أتذكر الفراق المفاجئ، فتتوقف يدي في منتصف الهواء، وأضع الهاتف جانباً وأنا أبتلع غصتي.في تلك الفترة، تغيرت أشياء كثيرة ودقيقة في تفاصيل حياتنا؛ أصبحت مسؤولياتي أكبر وأثقل، وصرتُ أفكر في أمي قبل كل شيء... أفكر في حالتها النفسية، في سكون البيت، في المصاريف اليومية، وفي كل الفراغ الكبير الذي تركه رحيل أخي خلفه. لم يعد السفر والترحال في مقدمة قائمة أحلامي كما كان في
last updateLast Updated : 2026-09-02
Read more

الفصل الرابع والسبعون: سند البيت

بعد شهرين كاملين من وفاة أخي، لم يعد البيت كما كان في السابق قط. لم يتغير أثاث الغرف المعتمة، ولا ألوان الجدران العتيقة، ولا حتى ترتيب الأواني النحاسية على رفوف المطبخ... لكن شيئاً جوهرياً وعميقاً قد تحول في روح هذا المكان إلى الأبد: لقد تغيرت الأدوار تماماً، وتبدلت ملامح السكينة لتفسح المجال لمسؤوليات لم تكن في الحسبان.تلك المهام الكثيرة والأشياء الدقيقة التي كان أخي يتولاها بمرونة وخفة، أصبحت فجأة معلقة في الهواء، تنتظر يدين تلتقطانها قبل أن تسقط وتتحطم. في البداية، لم أنتبه إلى أنني بدأتُ أملأ مكانه بالتدريج؛ كنتُ أفعل الأشياء لمجرد أن لا أحد غيري موجود ليفعلها، ولأن رؤية أمي حائرة أو أبي عاجزاً كانت تمزق قلبي. صرتُ أخرج مبكرة لقضاء حاجات البيت المتراكمة، أتابع فواتير الكهرباء والماء، أراعي أمي وألبي متطلباتها الصغيرة قبل أن تنطق بها، وأحل المشاكل اليومية الطارئة التي تظهر بلا استئذان عند كل باب. ومع مرور الأيام والأسابيع، أصبح اسمي هو الأول والوحيد الذي يُنادى في كل صغيرة وكبيرة داخل هذا السكون:"ريم!""نعم يا أمي؟""هل يمكنكِ أن تذهبي إلى المصلحة الحكومية لتسوية الورق؟""ريم...
last updateLast Updated : 2026-09-02
Read more

الفصل الخامس والسبعون: حقائب إلى مكة

منذ أن أصبح أبي يرى فيّ رجل البيت والسند الحقيقي له، بدأتُ أشعر أن المسؤوليات تزداد وتتكاثر حولي بغير توقف، دون أن تمنحني ولو فرصة صغيرة لالتقاط أنفاسي. لم يكن الحزن قد غادر بيتنا بعد، ولا زالت أطياف الفقيد تطوف بين أركانه، لكن عجلة الحياة كانت تواصل دوراتها بعناد غريب لا يراعي جراح الناجين.وفي وسط تلك الدوامة من التفكير والترتيبات اليومية، أخبرنا أبي ذات صباح بقرار حاسم اتخذه بينه وبين نفسه. جلسنا جميعاً حوله في الفناء الصغير، فقال بنبرة هادئة تفيض بالطمأنينة: "قررتُ أن أذهب إلى العمرة بإذن الله."رفعتُ رأسي نحوه بذهول ومفاجأة وسألته: "العمرة؟"أومأ برأسه وقال: "نعم... أريد أن أذهب هذه المرة لأؤديها عن نفسي، وعن أخيكِ الراحل."ساد الصمت الغرفة لثوانٍ معدودة، ثم أضاف والدي بصوت خافق بعد لحظة تأمل: "وأريد أن أجعل ثوابها لأبي أيضاً رحمة الله عليه."شعرتُ بشيء دافئ يتسلل في صدري؛ كان أبي يتحدث بوفاء خالص عن والده الذي رحل منذ سنوات طويلة، وعن ابنه الذي لم يمضِ على غيابه المفاجئ وقت طويل. ثلاثة أجيال كاملة ستجتمع نيتها في قلب رجل واحد يقف بإنكسار أمام بيت الله الحرام.قلتُ بنبرة حنونة: "
last updateLast Updated : 2026-09-03
Read more

الفصل السادس والسبعون: ثلاثة نساء والمرض الصامت

مرت الأيام متثاقلة... ثم مرت أيام أخرى متتابعة، وكانت تلك هي المرة الأولى في حياتنا التي يصبح فيها بيتنا خالياً تماماً من حضور الرجال.أبي كان قد غادر إلى أرض الحرمين لأداء مناسك العمرة، وأخي الأكبر كان قد رحل عن عالمنا قبل عدة أشهر يلفه الصمت، أما أخي الأصغر، فبعد الصدمة القاسية التي تركها فقدان شقيقه، قرر أن يبتعد قليلاً عن أجواء البيت الخانقة؛ فخرج في رحلة قصيرة مع بعض أصدقائه، محاولاً أن يغير المدى ويتنفس هواءً لا يحمل في ذراته رائحة الحزن التي التصقت بكل زاوية من زوايا المنزل.وهكذا... بقيتُ أنا وأختي وأمي؛ ثلاث نساء فقط تحت سقف واحد، ثلاثة أصوات خافتة في بيت كان قبل أشهر قليلة يعج بحركة الرجال وضحكاتهم ونقاشاتهم الدافئة.في البداية، كان الشعور بالغربة يتسرب إلى أركان روحنا؛ كنتُ أستيقظ في الصباح الباكر وأقف في الممر أترقب بعفوية صوت أبي، فلا أسمع شيئاً... أمرّ من أمام غرفة أخي المغلقتين، فلا يأتيني سوى الصمت... وحين نجلس إلى مائدة الطعام، لم تكن سوى ثلاثة كراسٍ مشغولة فقط، بينما كانت الكراسي الفارغة تقول بوضوح أشياء عميقة لا نملك الشجاعة الكافية للنطق بها.كنا نعد الأيام والليال
last updateLast Updated : 2026-09-03
Read more

الفصل السابع والسبعون: حين بدأ المرض يأخذ أبي

مرت أشهر قليلة على رحيل أخي، لكنني كنتُ أشعر أحياناً أنها مرت كأنها سنوات دهور متطاولة. البيت الذي اعتدنا أن نسمع فيه أصواتنا ونكاتنا جميعاً، أصبح أكثر هدوءاً وسكوناً من اللازم. كان أخي قد رحل فجأة دون وداع، وأبي، منذ ذلك اليوم الشوم، لم يعد الرجل نفسه أبداً.في البداية، كنا نظن أن ما نراه على ملامحه مجرد حزن أبوي طبيعي؛ فكيف لرجل أن يفقد ابنه البكر في زهرة شبابه ثم يبقي كما كان؟ كنا نعتقد أن الوقت كفيل بأن يخفف وطأة الوجع عنه، لكننا لم نكن نعرف أن جسده المنهك كان يخوض معركة أخرى أشد شراسة في صمت تام.كان أبي يعاني سابقاً من تضخم طبيعي في البروستاتا، وكان الأمر معروفاً ومسيطراً عليه لدينا، ولم نكن نتخيل لحظة أن يتحول الأمر إلى كابوس مظلم. ثم جاءت الصدمة القاسية التي زلزلت أركاننا؛ اكتشفنا مع مرور الأيام أن المرض لم يعد مجرد تضخم عابر... لقد تحول إلى سرطان خبيث وسريع الانتشار. وعندما عرفنا الحقيقة المؤلمة من الأطباء، كان المرض قد قطع شوطاً طويلاً في جسده دون أن نشعر، متسللاً إلى مرحلته الأخيرة تقريباً، دون أن يمنحنا حتى فرصة حقيقية لنحارب أو نبحث عن علاج.بعد وفاة أخي، توقف أبي عن العم
last updateLast Updated : 2026-09-04
Read more

الفصل الثامن والسبعون: عمود البيت

مرت الأيام الأخيرة متثاقلة بطيئة، كأنها تعاندنا ولا تريد أن تمر، أو كأن الزمان قد قرر أن يمط ساعات الوجع ليختبر ما تبقى في أرواحنا من الصبر والجلد. كان أبي يضعف وتذبل ملامحه أمام عيني يوماً بعد يوم؛ ذلك الجبل الأشم الذي طالما احتميت بظله كان يتآكل بصمت تحت وطأة المرض الخبيث، بينما كنت أحاول بكل ما أوتيت من قوة متصنعة أن أتظاهر بالثبات، وأتداعى وكأنني ما زلت أملك القدرة على الاحتمال والمواجهة. لكن الحقيقة المرة التي كنت أهرب منها هي أنني كنت أنهار داخلياً بصمت قاتل، وأتهدم من الأركان دون أن يلحظ أحد كسوري. قبل وفاته بيوم واحد فقط، ناداني بصوت خافت تائه: "ريم... تعالي إلي يا ابنتي." اقتربت منه بخطى مسرعة وقلب يخفق خيفة. كان مستلقياً على فراشه، وقد أخذ المرض العضال من جسده الشريف معظم قوته وحيويته. مددت يدي المرتجفة إليه ولامست كفه الدافئة: "ماذا تريد يا أبي؟ آمرني." نظر في عيني بنظرة فيها استرجاع لقوته القديمة وقال: "ساعديني لأقف." ترددت كثيراً وخفت عليه من الإجهاد: "هل تستطيع ذلك يا أبي؟ ألست متعباً؟" ابتسم ابتسامة خفيفة باهتة أضاءت وجهه وشحبته في آن واحد: "أريد أن أمشي قلي
last updateLast Updated : 2026-09-05
Read more

الفصل التاسع والسبعون: البيت الذي فقد عموده

بعد رحيل أبي، لم يعد البيت يشبه البيت الذي عرفته طوال حياتي. كان كل شيء في مكانه، الأثاث نفسه، الجدران نفسها، الأبواب التي اعتدنا أن نغلقها ونفتحها عشرات المرات في اليوم، وحتى الكرسي الذي كان أبي يجلس عليه ما زال ينتظر عودته، كأنه لم يفهم بعد أن صاحبه لن يعود. لكن شيئًا واحدًا اختفى. صوته. ذلك الصوت الذي كان يملأ البيت حتى عندما لا يتحدث. خطواته، سؤاله عن الطعام، نداءه لأحد إخوتي، سعالُه الخفيف، وحتى شكواه من شيء بسيط كان يزعجنا أحيانًا... كل ذلك أصبح فجأة ذكرى. في الأيام الأولى، كان البيت مزدحمًا بالناس. رجال يدخلون ويخرجون، نساء يجلسن إلى جانب أمي، أقارب يقدمون التعازي، وأكواب القهوة والشاي لا تتوقف. كنت أتحرك بينهم وكأنني أعرف تمامًا ماذا أفعل. أستقبل هذا، أجيب ذاك، أقدم الماء، أطمئن على أمي، وأجلس بجانبها عندما يشتد عليها البكاء. كان الجميع يراني واقفة. ولم يسأل أحد ماذا يحدث داخلي. حتى أنا لم أكن أعرف. كنت أظن أنني إذا بقيت مشغولة فلن أشعر بالألم. لكن في اليوم الذي بدأ فيه الناس بالمغادرة، وحين خفتت الأصوات من حولنا، اكتشفت الحقيقة. نحن وحدنا. أنا وأمي وإخوتي. والر
last updateLast Updated : 2026-09-06
Read more

الفصل الثمانون:أنا أيضًا أريد حياة

لم أعد أحسب الأيام منذ وفاة أبي.في البداية كنت أعدها لأنني لم أستطع تصديق أن الوقت يمضي من دونه.ثم أصبحت الأيام تتشابه، حتى جاء يوم أدركت فيه أن شهرًا كاملًا قد مر.شهر واحد فقط.ومع ذلك شعرت وكأن سنوات مرت فوق رأسي.خلال ذلك الشهر تغير الكثير.أخي الأصغر لم يعد يعيش معنا في البيت.اختار أن يقيم في المحل الذي تركه أخي الراحل، وأصبح له مكانه الخاص وحياته الخاصة.في البداية لم أعترض.كان من حقه.بل ربما كنت أتفهمه أكثر مما أظهر.بعد موت أبي، لم يعد هناك أحد يستطيع أن يفرض على كل واحد منا كيف يعيش.كان لكل منا الحق في أن يختار طريقه.لكنني لم أتوقع أن يأتي اليوم الذي يقف فيه أمامنا ويقولها بهذه الصراحة.كان واقفًا في البيت، ثم قال:— أنا لست مسؤولًا عن أي فرد هنا.ساد الصمت.لم أجبه.لماذا كنت سأجيبه؟كان كلامه صحيحًا من ناحية.لم يكن أبًا لنا.ولم يكن مطلوبًا منه أن يحمل مسؤولية الجميع.لكنه كان أخانا.وهذا الفرق كان يؤلمني.منذ ذلك اليوم، أصبح يأتي إلى البيت متى أراد.يدخل وكأن شيئًا لم يتغير.يأكل.يشرب.يجلس.ثم يغادر.لم أكن أمانع في ذلك.كان هذا بيته أيضًا، مهما تغيرت الظروف.لكن
last updateLast Updated : 2026-09-06
Read more
PREV
1
...
5678910
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status