All Chapters of قصتي مع جلادي : Chapter 81 - Chapter 90

91 Chapters

الفصل الحادي والثمانون: أول شعاع في الظلمة

مرت أربعة أشهر كاملة على رحيل أبي. أربعة أشهر لم تعد فيها الأيام تتشابه أو تمضي كجثث هامدة، بل بدأت تأخذ إيقاعاً جديداً، وئيداً لكنه مفعم بالنبض والحياة. لم يعد الصمت الثقيل يربض فوق أركان البيت كتلك الأيام الأولى القاسية؛ فقد تعلمتُ أنا وأمي كيف نفتح النوافذ الخشبية كل صباح لنستقبل أضواء النور الشاردة، وكيف نسكب القهوة الدافئة في الفناجين دون أن ننظر بطرف أعيننا المجهدة نحو المقاعد الفارغة بدموع متجمدة. كنا نمارس اليوم بعناد هادئ، نمارسه لأن الرحيل علّمنا بصرامة أن الزمن لا ينتظر أحداً، وأن البقاء السليم يتطلب منا حركة مستمرة لا تعرف التردد. في ذلك الصباح، لم أكن أقف أمام المرآة لأسائل نفسي بشرود عما أريده؛ بل كنتُ أشدّ مئزري القماشي حول خصري، وأعدل ربطة الحجاب على رأسي بعزم متجدد. كانت الشمس تشرق ببطء، مغرقة أزقة الحي القديم بنور برتقالي دافئ وشجي، بينما كنتُ أقف بانتصاب داخل محلي الصغير... ذلك المكان النابض بالبساطة والروعة الذي انتزعته بعرق الجبين من مخالب الفراغ والتأجيل والخوف. كان المحل طموحاً صغيراً تشكل من الخشب والدفء، بضعة أمتار تتوسط شريان الحي، طاولات نظيفة مصقولة بعنا
last updateLast Updated : 2026-09-07
Read more

الفصل الثاني والثمانون: حين جاء القرار قبل أوانه

لم يكن قد مر عام كامل على وفاة أبي.كان البيت لا يزال يحتفظ بأشياءه، بصمته، بملامحه التي لم تتعلم بعد كيف تتقبل غيابه.كنا بالكاد بدأنا نفهم كيف نعيش من دونه، حين جاءنا أمر آخر لم نكن مستعدين له.في ذلك الصباح، كانت أمي جالسة في المطبخ، تحدق في فنجان القهوة أمامها دون أن تشرب منه.دخل أخي.لم يكن وجهه طبيعيًا.جلس أمامها، وبقي صامتًا لثوانٍ طويلة.رفعت أمي عينيها إليه.— ماذا بك؟لم يجب.— تحدث يا بني... خوفتني.تنفس بعمق، ثم قال:— أمها عرفت.تجمدت يد أمي فوق الفنجان.— عرفت ماذا؟خفض عينيه.— عرفت بعلاقتنا.ساد الصمت.كنت أقف عند باب المطبخ، ولم أكن أعرف إن كان من الأفضل أن أخرج أم أبقى.تابع أخي بصوت منخفض:— قالت لها إن أمامها خيارين فقط... إما أن يأتي أهلها لطلب يدها، أو تنتهي العلاقة.وضعت أمي الفنجان على الطاولة ببطء.— الآن؟هز رأسه.— نعم... الآن.كان السؤال الذي لم تقله أمي واضحًا في عينيها.*كيف الآن؟*كيف يمكن أن نفكر في خطوبة وزواج، ونحن لم نكمل عامًا على دفن أبي؟كيف يمكن أن نفتح باب الفرح في بيت ما زالت فيه رائحة الحزن؟لكن الحياة لا تسألنا دائمًا إن كنا مستعدين.أحيانً
last updateLast Updated : 2026-09-08
Read more

الفصل الثالث والثمانون: أثرٌ من روح غائبة

محرك السيارة يئنّ بصوت خافت وسط صمت الشارع.أمي تجلس في المقعد الأمامي، يداها المرتجفتان تتشبثان بحقيبتها الجلدية السوداء، بينما يمسك أخي الأصغر بعجلة القيادة بقسوة، ونظراته الشاخصة نحو الأسفلت المظلم تشبه عينَي محارب يخوض معركة يقينها الخسارة. لم نكن نشبه عائلة تذهب لطلب يد عروس؛ لا زغاريد، لا عبارات فرح، ولا طرد ورد واحد في المقعد الخلفي. كنا نتحرك تحت وطأة شرط قاسي ألقته والدة العروس في وجوهنا، ورائحة الفقد في بيتنا لم تجف بعد؛ لم تمضِ حتى سنة كاملة على رحيل أبي.تتوقف السيارة فجأة أمام البناية.أفتح باب السيارة، وأسند يد أمي لننزل. كانت خطى أمي ثقيلة، يداها باردتان كالثلج، وعيناها تتنقلان بين درجات السلم الحجرية بذهول؛ كانت تعتاد طوال حياتها أن ترى أبي يتقدم الخطوات بكبرياء، وأخي الراحل يعتلي الدرج عن يمينها بهيبته الدافئة. واليوم... تقف وحدها أمام عتبة الغرباء، بعد أن أعدم أعمامي أي أمل في الحضور واختاروا الانكفاء والاستخفاف.وفي اللحظة التي تخنقنا فيها العزلة أمام الباب الخارجي... يدوّي صوت فرامل سيارة تقف خلفنا تماماً.نلتفت جميعاً في لحظة واحدة.ينفتح باب السيارة، ويزحف إلى ال
last updateLast Updated : 2026-09-09
Read more

الفصل الرابع والثمانون: حدودٌ على حساب عرق غيره

لم يكد يمر أسبوع واحد على إتمام مراسم الخطوبة الرسمية، حتى بدأ أخي يرسم خطوطاً وهمية وقاسية داخل جدران البيت.كان يتحرك بيننا بهواء جديد يطفح بالاستعلاء؛ يضع ساقاً فوق أخرى عند الصباح، ويحمل قدح القهوة ببرود، ثم يعلنها جهاراً دون ذرة خجل:— "أنا غير ملزم بدفع سنتيم واحد في تكاليف المعيشة أو مصاريف البيت بعد اليوم... أمامي مصاريف المهر والتجهيز، وهدفي الأساسي الذي يمني نفسي به هو بناء حياتي ورؤية مستقبلي الخاص."ساد صمت ثقيل يخنق الأنفاس. لم يطالبه أحد منا بأن يدفع مقدماً، ولم تطلب منه أمي المنهكة أن يتحمل ميزانية الدار، لكنه قرر استباق الأحداث ليريح ضميره من أي واجب أخلاقي تجاهنا. وبدأت اللعبة الصامتة التي أتقن أداءها ببراعة؛ يعمل طوال النهار، يجمع أرباحه، ويخبئ أمواله بحرص شديد في حسابه المغلق ليرضي بها خطيبته وأهلها، بينما يدخل بيتنا كل مساء ليأكل، يشرب، ينام، ويستمتع بجميع خدمات البيت المريحة... على حساب عرق جبيني وتدبيري الشاق في المحل.في البداية، اختارت أمي الصمت المداري، وحاولتُ أنا ألا أهتم كثيراً بالمسألة. كنتُ أقول لنفسي وأنا أعدّ الأطباق في المطبخ بعد يوم عمل طويل: "صحن من
last updateLast Updated : 2026-09-09
Read more

الفصل الخامس والثمانون: أثر العافية وأرباح الكبرياء

تسللت أشعة الشمس الصباحية عبر زجاج النافذة الخشبية لتكسر بقايا العتمة والحرارة التي أنهكت جسدي طوال أيام الشفاء.ربطتُ مئزري القماشي حول خصري بشدة وثبات، وأعدتُ ترتيب الحجاب فوق رأسي أمام المرآة الصغيرة. لم تكن الملامح التي تنظر إليّ مكسورة أو متعبة كما كانت طريحة الفراش قبل أيام؛ بل كانت عيناي تشتعلان ببريق جديد، بريق امرأة خرجت من أتون المرض والخذلان لتصنع قدرها بيدها."ريم... هل أنتِ واثقة من قدرتكِ على الخروج اليوم؟ الجسد ما يزال بحاجة للراحة يا بنيتي," جاءني صوت أمي دافئاً، ومحاطاً برعاية أمومة تخشى عليّ من نسائم الهواء.التفتُّ إليها بابتسامة متسعة مفعمة بالحياة، وأمسكتُ بيديها الدافتين:— "العافية الحقيقية تكون في الحركة والعمل يا أمي. الجلوس في البيت يمرض الروح، والمحل ينتظرنا."خرجنا معاً نحو الشارع القديم. كان الهواء الصباحي العليل يلف الأزقة الحجرية، بينما كانت خطانا نحو المحل الصغير تتسم بخفة ورزانة. أخرجتُ المفتاح النحاسي من جيبي، أدخلته في القفل، وفتحتُ الباب الخشبي ليصدر صريراً مألوفاً يبعث في نفسي طمأنينة لا توصف. فتحنا النوافذ الزجاجية العريضة، فانساب نور الضحى ليعانق
last updateLast Updated : 2026-09-10
Read more

الفصل السادس والثمانون: درس الصمت وثمن الكبرياء

انقضى أسبوعان على انتشار حركة الشفاء والتجدد في محلنا الصغير.كانت الحياة تدور في مجراها الجديد بانتظام دقيق؛ المحل يغلي بالحركة والزبائن، وأنا وأمي ندير دفة العمل بصلابة ومحبة يزداد عمقها كل يوم. لكن تحت هذا السطح المستقر، كانت حبال الواهية تُقطع حابلاً تلو الآخر، والوجوه المستعارة تتساقط دون رحمة.تعلمتُ في الأيام الماضية درساً كان أشد قسوة من المرض نفسه. حين أُصبتُ بتلك الوعكة وتوقفت الحركة في البيت، جربتُ، بقلب سليم ونيّة صادقة، أن أطرق أبواب من كانوا يملؤون سمائي بعبارات الود الجوفاء: "نحن أهلكِ... إن احتجتِ أي شيء، هاتف واحد فقط وستجديننا أمامكِ!".يا لسرعة تبخر تلك الشعارات عند أول نداء حقيقي!حين اتصلتُ للضرورة، وجدّتُ الأعذار الباردة جاهزة ومصوغة ببراعة: هذا مشغول، وتلك تداهمها الظروف، وذاك يتوارى خلف الصمت. وحتى الصداقات التي كنتُ أحسبها ملاذاً آمناً، اكتشفتُ أنها تجارة مقنّعة؛ لا أحد يمدّ يد المساعدة دون أن يضع في حسابه مقابلاً أو مصلحة قادمة. في تلك الليالي الباردة، وأنا أستمع لصدى صمتهم، اتخذتُ قراراً صارماً نزل على قلبي كالسيف: لن أطلب أحداً بعد اليوم... لا عائلة، ولا أص
last updateLast Updated : 2026-09-10
Read more

الفصل السابع والثمانون: طعم الخبز الحلال

في الخامسة والنصف صباحاً، وقبل أن تشرق الشمس على أسطح حينا القديم، كان الهواء البارد يلف الأزقة بصمت خافت. استيقظتُ على صوت حثيث في الصالة. فتحتُ باب غرفتي ببطء، لأجد أخي يقف أمام المرآة الخشبية. لم يكن يرتدي قميصه الأبيض ولا حذاءه المصقول الذي كان يختال به أمام خطيبته؛ بل كان يرتدي قميصاً قطنياً بسيطاً ورداءً رياضياً دافئاً. كان وجهه مشدوداً، وعيناه تحملان خليطاً غريباً من التوتر والتردد. نظر إليّ عبر المرآة، ونطق بصوت خافت يقطعه الخجل: — "أنا جاهز... السوق الأسبوعي يفتح أبوابه الآن، أليس كذلك؟" أومأتُ برأسي بهدوء، ودون أن أزيد كلمة واحدة، سلمته القائمة المكتوبة بخط يدي ورقعة المال الخاصة بشراء مستلزمات اليوم. خرجنا معاً نحو الشارع المظلم. كانت السيارة الشاحنة الصغيرة التي استأجرتها لنقل البضائع تنتظر عند الزاوية. طوال الطريق نحو السوق الكبير، كان الصمت يسود بيننا، صمتٌ ثقيل يختزن أشهراً من الجفاء والأنانية، لكنه كان صمتاً أفسح المجال لواقع جديد يبدأ بالت شكل. في السوق الأسبوعي، كان الصخب يملأ المكان؛ صراح الباعة، واحتكاك الصناديق الخشبية، ورائحة الخضار واللحوم الطازجة.
last updateLast Updated : 2026-09-11
Read more

الفصل الثامن والثمانون: امتحان المعادن

استقر نظام جديد داخل بيتنا وفي جنبات المحل الصغير، نظامٌ أرسى قواعده عرق الجبين والاحترام المتبادل.كان أخي يستيقظ مع فجر كل يوم دون حاجة لمن يناديه؛ يرتدي ملابس العمل البسيطة، يرافق الشاحنة إلى السوق، ويحمل الصناديق الثقيلة برحابة صدر ونخوة رجولية لم نعهدها فيه من قبل. تحول وجهه المترف إلى وجه شاب صلب تمرسه الحياة، وبدأت أرقام حسابه المستقل تنمو تدريجياً وبكرامة، حيث كان يجمع أجرته اليومية التي يتقاضاها منا بعرق جبينه، ليدفع منها أقساط تجهيز زواجه ومهر خطيبته، دون أن يمد يده بسنتيم واحد إلى ميزانية البيت أو المحل.لكن الرياح التي تهب على البيوت لا تستأذن أحداً، وحين يتغير الشخص ونظرته للحياة، تجبر الأقدار من حوله على كشف معادنهم الحقيقية.في ظهيرة يوم ساد فيه الجو ببرودة خفيفة، دخلت خطيبة أخي برفقة والدتها إلى المحل.كانتا ترتديان أفضل ما لديهما من ثياب أنيقة، ونظراتهما تتفقد المكان بفضول لم يخلُ من علامات التعالي الخفي. جاءتا بحجة التودد وشراء بعض المعجنات الخاصة التي اشتهر بها محلنا في الحي، لكن الهدف الحقيقي كان استكشاف سر هذا التحول المفاجئ في سلوك أخي وخططه المالية.في تلك اللحظ
last updateLast Updated : 2026-09-12
Read more

الفصل التاسع والثمانون: حصاد السنين ونور الشهادة

في ذلك الصباح المشرق، لم تكن زغاريد الحي تشبه أي صوت آخر سمعناه من قبل.كانت الشمس تشرق على أسطح حينا القديم وهي تسكب نوراً دافئاً صافياً، وكأن السماء نفسها قررت أن تشاركنا هودء الانتظار طويل المدى. وقفتُ عند عتبة الصالة أراقب أختي "إيما" وهي تمسك بالشاشة الفضية لهاتفها المحمول، يداها ترتجفان بحدة غير مسبوقة، وعيناها تتنقلان بارتباك بين الأرقام والأسماء المكتوبة على الصفحة الرسمية لنتائج الكلية.كان الصمت في البيت ثقيلاً وخانقاً كجبل يجثم على الصدور. تقف أمي خلفها مباشرة، يداها المرتجفتان تمسكان بالسبحة الخشبية، وشفتها تتحركان بدعوات خافتة تحترق بالرجاء والابتهال.وفجأة... صرخت إيما صرخة مدوية انشق لها سكون الدار، وسقط الهاتف من بين أصابعها لتخرّ ساجدة على الأرض الباردة وهي تبكي بدموع حارة كالمطر!"نجحتُ يا ريم... نجحتُ وأخيراً! أخذتُ شهادة الليسانس!"انطلقت زغروتة طويلة هزت أرجاء البيت والشارع من حنجرة أمي، زغروتة امتزجت فيها فرحة العمر بمرارة الفقد. ارتمت إيما في أحضان أمي الدافئة، ثم تحولت فوراً لترتمي في حضني، وكانت أنفاسها المتلاحقة تحكي قصة سنوات طويلة من العناء والتعطيل والتعب
last updateLast Updated : 2026-09-13
Read more

الفصل التسعون: عهد على جدار الروح

في صباح يوم الجمعة، كان الهواء يحمل برودة خفيفة ونقاءً غسلت به السماء أزقة الحي القديم.خرجنا من البيت متأنقين بثياب وقورة، لا لنحضر حفل تهنئة ولا لنستقبل أحداً، بل لنوفي بوعد قديم ظل معلقاً في أطراف قلوبنا منذ سنوات الفقد الأولى. ارتدت أمي ملاءتها السوداء، ومشت بجانبي بخطوات هادئة يستند ثقلها إلى ذراعي، بينما كانت إيما تحضن إلى صدرها ملفاً انطوت داخله نسختان مصدقتان؛ الأولى لشهادة الليسانس، والأخرى لوثيقة قبولها في مرحلة "الماستر".خلفنا بيمين واثقة، كان أخي الأصغر يسير بنخوة هادئة، يحمل في يده سلة صغيرة أودعنا فيها أواني المعجنات الفاخرة التي أعددناها في المحل صباحاً لتوزيعها صدقة على روح الراحلين.كان الطريق إلى المقبرة هادئاً، يلفه سكون يبعث السكينة في النفوس المجهدة.وعندما وطئت أقدامنا التراب الندي، اتجهنا بخطوات معروفة نحو الزاوية الشرقية؛ حيث ينام أبي وأخي الراحل تحت ثرى أرض واحدة، تجاورهما شواهد سادة لا تحمل إلا اسميهما ودعوات الصابرين.توقفت أمي عند الشاهد، وجلست على الدكة الحجرية الصغيرة. بللت يدها ببعض الماء المنسكب من الإبريق، ومسحت به الحصى الناعم فوق القبرين، بينما شفته
last updateLast Updated : 2026-09-13
Read more
PREV
1
...
5678910
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status