Home / الرومانسية / قصتي مع جلادي / الفصل الثامن والسبعون: عمود البيت

Share

الفصل الثامن والسبعون: عمود البيت

last update publish date: 2026-09-05 23:01:10

مرت الأيام الأخيرة متثاقلة بطيئة، كأنها تعاندنا ولا تريد أن تمر، أو كأن الزمان قد قرر أن يمط ساعات الوجع ليختبر ما تبقى في أرواحنا من الصبر والجلد.

كان أبي يضعف وتذبل ملامحه أمام عيني يوماً بعد يوم؛ ذلك الجبل الأشم الذي طالما احتميت بظله كان يتآكل بصمت تحت وطأة المرض الخبيث، بينما كنت أحاول بكل ما أوتيت من قوة متصنعة أن أتظاهر بالثبات، وأتداعى وكأنني ما زلت أملك القدرة على الاحتمال والمواجهة. لكن الحقيقة المرة التي كنت أهرب منها هي أنني كنت أنهار داخلياً بصمت قاتل، وأتهدم من الأركان دون أن يل
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • قصتي مع جلادي    الفصل الثمانون:أنا أيضًا أريد حياة

    لم أعد أحسب الأيام منذ وفاة أبي.في البداية كنت أعدها لأنني لم أستطع تصديق أن الوقت يمضي من دونه.ثم أصبحت الأيام تتشابه، حتى جاء يوم أدركت فيه أن شهرًا كاملًا قد مر.شهر واحد فقط.ومع ذلك شعرت وكأن سنوات مرت فوق رأسي.خلال ذلك الشهر تغير الكثير.أخي الأصغر لم يعد يعيش معنا في البيت.اختار أن يقيم في المحل الذي تركه أخي الراحل، وأصبح له مكانه الخاص وحياته الخاصة.في البداية لم أعترض.كان من حقه.بل ربما كنت أتفهمه أكثر مما أظهر.بعد موت أبي، لم يعد هناك أحد يستطيع أن يفرض على كل واحد منا كيف يعيش.كان لكل منا الحق في أن يختار طريقه.لكنني لم أتوقع أن يأتي اليوم الذي يقف فيه أمامنا ويقولها بهذه الصراحة.كان واقفًا في البيت، ثم قال:— أنا لست مسؤولًا عن أي فرد هنا.ساد الصمت.لم أجبه.لماذا كنت سأجيبه؟كان كلامه صحيحًا من ناحية.لم يكن أبًا لنا.ولم يكن مطلوبًا منه أن يحمل مسؤولية الجميع.لكنه كان أخانا.وهذا الفرق كان يؤلمني.منذ ذلك اليوم، أصبح يأتي إلى البيت متى أراد.يدخل وكأن شيئًا لم يتغير.يأكل.يشرب.يجلس.ثم يغادر.لم أكن أمانع في ذلك.كان هذا بيته أيضًا، مهما تغيرت الظروف.لكن

  • قصتي مع جلادي    الفصل التاسع والسبعون: البيت الذي فقد عموده

    بعد رحيل أبي، لم يعد البيت يشبه البيت الذي عرفته طوال حياتي.كان كل شيء في مكانه، الأثاث نفسه، الجدران نفسها، الأبواب التي اعتدنا أن نغلقها ونفتحها عشرات المرات في اليوم، وحتى الكرسي الذي كان أبي يجلس عليه ما زال ينتظر عودته، كأنه لم يفهم بعد أن صاحبه لن يعود.لكن شيئًا واحدًا اختفى.صوته.ذلك الصوت الذي كان يملأ البيت حتى عندما لا يتحدث. خطواته، سؤاله عن الطعام، نداءه لأحد إخوتي، سعالُه الخفيف، وحتى شكواه من شيء بسيط كان يزعجنا أحيانًا... كل ذلك أصبح فجأة ذكرى.في الأيام الأولى، كان البيت مزدحمًا بالناس.رجال يدخلون ويخرجون، نساء يجلسن إلى جانب أمي، أقارب يقدمون التعازي، وأكواب القهوة والشاي لا تتوقف.كنت أتحرك بينهم وكأنني أعرف تمامًا ماذا أفعل.أستقبل هذا، أجيب ذاك، أقدم الماء، أطمئن على أمي، وأجلس بجانبها عندما يشتد عليها البكاء.كان الجميع يراني واقفة.ولم يسأل أحد ماذا يحدث داخلي.حتى أنا لم أكن أعرف.كنت أظن أنني إذا بقيت مشغولة فلن أشعر بالألم.لكن في اليوم الذي بدأ فيه الناس بالمغادرة، وحين خفتت الأصوات من حولنا، اكتشفت الحقيقة.نحن وحدنا.أنا وأمي وإخوتي.والرجل الذي كان يجم

  • قصتي مع جلادي    الفصل الثامن والسبعون: عمود البيت

    مرت الأيام الأخيرة متثاقلة بطيئة، كأنها تعاندنا ولا تريد أن تمر، أو كأن الزمان قد قرر أن يمط ساعات الوجع ليختبر ما تبقى في أرواحنا من الصبر والجلد. كان أبي يضعف وتذبل ملامحه أمام عيني يوماً بعد يوم؛ ذلك الجبل الأشم الذي طالما احتميت بظله كان يتآكل بصمت تحت وطأة المرض الخبيث، بينما كنت أحاول بكل ما أوتيت من قوة متصنعة أن أتظاهر بالثبات، وأتداعى وكأنني ما زلت أملك القدرة على الاحتمال والمواجهة. لكن الحقيقة المرة التي كنت أهرب منها هي أنني كنت أنهار داخلياً بصمت قاتل، وأتهدم من الأركان دون أن يلحظ أحد كسوري. قبل وفاته بيوم واحد فقط، ناداني بصوت خافت تائه: "ريم... تعالي إلي يا ابنتي." اقتربت منه بخطى مسرعة وقلب يخفق خيفة. كان مستلقياً على فراشه، وقد أخذ المرض العضال من جسده الشريف معظم قوته وحيويته. مددت يدي المرتجفة إليه ولامست كفه الدافئة: "ماذا تريد يا أبي؟ آمرني." نظر في عيني بنظرة فيها استرجاع لقوته القديمة وقال: "ساعديني لأقف." ترددت كثيراً وخفت عليه من الإجهاد: "هل تستطيع ذلك يا أبي؟ ألست متعباً؟" ابتسم ابتسامة خفيفة باهتة أضاءت وجهه وشحبته في آن واحد: "أريد أن أمشي قلي

  • قصتي مع جلادي    الفصل السابع والسبعون: حين بدأ المرض يأخذ أبي

    مرت أشهر قليلة على رحيل أخي، لكنني كنتُ أشعر أحياناً أنها مرت كأنها سنوات دهور متطاولة. البيت الذي اعتدنا أن نسمع فيه أصواتنا ونكاتنا جميعاً، أصبح أكثر هدوءاً وسكوناً من اللازم. كان أخي قد رحل فجأة دون وداع، وأبي، منذ ذلك اليوم الشوم، لم يعد الرجل نفسه أبداً.في البداية، كنا نظن أن ما نراه على ملامحه مجرد حزن أبوي طبيعي؛ فكيف لرجل أن يفقد ابنه البكر في زهرة شبابه ثم يبقي كما كان؟ كنا نعتقد أن الوقت كفيل بأن يخفف وطأة الوجع عنه، لكننا لم نكن نعرف أن جسده المنهك كان يخوض معركة أخرى أشد شراسة في صمت تام.كان أبي يعاني سابقاً من تضخم طبيعي في البروستاتا، وكان الأمر معروفاً ومسيطراً عليه لدينا، ولم نكن نتخيل لحظة أن يتحول الأمر إلى كابوس مظلم. ثم جاءت الصدمة القاسية التي زلزلت أركاننا؛ اكتشفنا مع مرور الأيام أن المرض لم يعد مجرد تضخم عابر... لقد تحول إلى سرطان خبيث وسريع الانتشار. وعندما عرفنا الحقيقة المؤلمة من الأطباء، كان المرض قد قطع شوطاً طويلاً في جسده دون أن نشعر، متسللاً إلى مرحلته الأخيرة تقريباً، دون أن يمنحنا حتى فرصة حقيقية لنحارب أو نبحث عن علاج.بعد وفاة أخي، توقف أبي عن العم

  • قصتي مع جلادي    الفصل السادس والسبعون: ثلاثة نساء والمرض الصامت

    مرت الأيام متثاقلة... ثم مرت أيام أخرى متتابعة، وكانت تلك هي المرة الأولى في حياتنا التي يصبح فيها بيتنا خالياً تماماً من حضور الرجال.أبي كان قد غادر إلى أرض الحرمين لأداء مناسك العمرة، وأخي الأكبر كان قد رحل عن عالمنا قبل عدة أشهر يلفه الصمت، أما أخي الأصغر، فبعد الصدمة القاسية التي تركها فقدان شقيقه، قرر أن يبتعد قليلاً عن أجواء البيت الخانقة؛ فخرج في رحلة قصيرة مع بعض أصدقائه، محاولاً أن يغير المدى ويتنفس هواءً لا يحمل في ذراته رائحة الحزن التي التصقت بكل زاوية من زوايا المنزل.وهكذا... بقيتُ أنا وأختي وأمي؛ ثلاث نساء فقط تحت سقف واحد، ثلاثة أصوات خافتة في بيت كان قبل أشهر قليلة يعج بحركة الرجال وضحكاتهم ونقاشاتهم الدافئة.في البداية، كان الشعور بالغربة يتسرب إلى أركان روحنا؛ كنتُ أستيقظ في الصباح الباكر وأقف في الممر أترقب بعفوية صوت أبي، فلا أسمع شيئاً... أمرّ من أمام غرفة أخي المغلقتين، فلا يأتيني سوى الصمت... وحين نجلس إلى مائدة الطعام، لم تكن سوى ثلاثة كراسٍ مشغولة فقط، بينما كانت الكراسي الفارغة تقول بوضوح أشياء عميقة لا نملك الشجاعة الكافية للنطق بها.كنا نعد الأيام والليال

  • قصتي مع جلادي    الفصل الخامس والسبعون: حقائب إلى مكة

    منذ أن أصبح أبي يرى فيّ رجل البيت والسند الحقيقي له، بدأتُ أشعر أن المسؤوليات تزداد وتتكاثر حولي بغير توقف، دون أن تمنحني ولو فرصة صغيرة لالتقاط أنفاسي. لم يكن الحزن قد غادر بيتنا بعد، ولا زالت أطياف الفقيد تطوف بين أركانه، لكن عجلة الحياة كانت تواصل دوراتها بعناد غريب لا يراعي جراح الناجين.وفي وسط تلك الدوامة من التفكير والترتيبات اليومية، أخبرنا أبي ذات صباح بقرار حاسم اتخذه بينه وبين نفسه. جلسنا جميعاً حوله في الفناء الصغير، فقال بنبرة هادئة تفيض بالطمأنينة: "قررتُ أن أذهب إلى العمرة بإذن الله."رفعتُ رأسي نحوه بذهول ومفاجأة وسألته: "العمرة؟"أومأ برأسه وقال: "نعم... أريد أن أذهب هذه المرة لأؤديها عن نفسي، وعن أخيكِ الراحل."ساد الصمت الغرفة لثوانٍ معدودة، ثم أضاف والدي بصوت خافق بعد لحظة تأمل: "وأريد أن أجعل ثوابها لأبي أيضاً رحمة الله عليه."شعرتُ بشيء دافئ يتسلل في صدري؛ كان أبي يتحدث بوفاء خالص عن والده الذي رحل منذ سنوات طويلة، وعن ابنه الذي لم يمضِ على غيابه المفاجئ وقت طويل. ثلاثة أجيال كاملة ستجتمع نيتها في قلب رجل واحد يقف بإنكسار أمام بيت الله الحرام.قلتُ بنبرة حنونة: "

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status