INICIAR SESIÓNرسالة من قلب ريم إلى كل من رافقني في فصول هذه الرواية... هناك غيابٌ أكبر من أن تطوقه الكلمات. رحل أخي والسند الذي كان يهمس لي في عتمة خوفي: "تنهضين". رحل من رفع يده يدعو لي لأقف على قدمي مجدداً، ليبقى حبه أثراً ناصعاً أعيش على ذكراه للأبد. أستحلفكم بالله أن تدعوا لأخي بالرحمة الواسعة والمغفرة، وأن يجعل الله قبره روضة من رياض الجنة. كما أرجو من كل قارئ وقارئة أن تستمتعوا بالحياة مع أحبتكم. لا تضيعوا أوقاتكم في الخلافات والأمور التافهة؛ فالعمر فاني وما هو إلا ثوانٍ معدودة نعيشها في طرفة عين. في لحظة قد نكون نضحك مع من نحب، وفي اللحظة التي تليها قد نكون نحن الفاقدين... أو حتى المفقودين. عبروا عن حبكم لمن تحبون الآن ولا تؤجلوا الكلمات الطيبة لغدٍ قد لا يأتي. شكراً لكل دعوة صادقة ترسلونها لروح أخي.
بعد شهرين كاملين من وفاة أخي، لم يعد البيت كما كان في السابق قط. لم يتغير أثاث الغرف المعتمة، ولا ألوان الجدران العتيقة، ولا حتى ترتيب الأواني النحاسية على رفوف المطبخ... لكن شيئاً جوهرياً وعميقاً قد تحول في روح هذا المكان إلى الأبد: لقد تغيرت الأدوار تماماً، وتبدلت ملامح السكينة لتفسح المجال لمسؤوليات لم تكن في الحسبان.تلك المهام الكثيرة والأشياء الدقيقة التي كان أخي يتولاها بمرونة وخفة، أصبحت فجأة معلقة في الهواء، تنتظر يدين تلتقطانها قبل أن تسقط وتتحطم. في البداية، لم أنتبه إلى أنني بدأتُ أملأ مكانه بالتدريج؛ كنتُ أفعل الأشياء لمجرد أن لا أحد غيري موجود ليفعلها، ولأن رؤية أمي حائرة أو أبي عاجزاً كانت تمزق قلبي. صرتُ أخرج مبكرة لقضاء حاجات البيت المتراكمة، أتابع فواتير الكهرباء والماء، أراعي أمي وألبي متطلباتها الصغيرة قبل أن تنطق بها، وأحل المشاكل اليومية الطارئة التي تظهر بلا استئذان عند كل باب. ومع مرور الأيام والأسابيع، أصبح اسمي هو الأول والوحيد الذي يُنادى في كل صغيرة وكبيرة داخل هذا السكون:"ريم!""نعم يا أمي؟""هل يمكنكِ أن تذهبي إلى المصلحة الحكومية لتسوية الورق؟""ريم...
مرّ شهران كاملان...شهران فقط، لكنني كنتُ أشعر وكأن سنوات طويلة وثقيلة قد مرت فوق رأسي. منذ رحيل أخي والسند الحقيقي في حياتنا، لم يعد للبيت ذلك الصوت الدافئ الذي اعتدتُ عليه طوال عمري؛ لم يعد هناك من يطرق باب غرفتي بهدوء ليسألني بابتسامة عما أفعل، ولا من يمازحني بحرارة حين أستغرق في العمل أمام الحاسوب لساعات طويلة، ولا ذلك النبر الخافق باليقين وهو يكرر على مسامعي: "ستنهضين وتعودين أقوى قبل رمضان... أنا متأكد."كنتُ قد نهضتُ بالفعل وقفتُ على قدمي مجدداً، لكنني في كل لحظة كنتُ أتمنى من أعمق نقطة في قلبي لو أنه كان هنا ليراني ويشاركني الفرحة. كنتُ أجد نفسي أحياناً أمد يدي بعفوية نحو هاتفي لأرسل له صورة أو شيئاً طريفاً حدث معي، ثم أتذكر الفراق المفاجئ، فتتوقف يدي في منتصف الهواء، وأضع الهاتف جانباً وأنا أبتلع غصتي.في تلك الفترة، تغيرت أشياء كثيرة ودقيقة في تفاصيل حياتنا؛ أصبحت مسؤولياتي أكبر وأثقل، وصرتُ أفكر في أمي قبل كل شيء... أفكر في حالتها النفسية، في سكون البيت، في المصاريف اليومية، وفي كل الفراغ الكبير الذي تركه رحيل أخي خلفه. لم يعد السفر والترحال في مقدمة قائمة أحلامي كما كان في
مرّت الأيام التالية على روتين حياتي الجديد بسرعة لم أعتدها من قبل. لم أعد تلك الفتاة التي تجلس حائرة أمام مكتبها الخشبي، تسأل نفسها بعجز من أين تبدأ وكيف تخطو أول الطريق؛ بل بدأتُ بالفعل أتعلم، وأجرب، وأخطئ، ثم أعيد المحاولة بصرامة أشد. ومع كل مشروع صغير أنجزه وأسلمه لصاحبه، كنتُ أشعر بشيء داكن في داخلي ينجلي ليحل محله نور دافئ وثقة راسخة. لم يكن الأمر يتعلق بالمال وحده، رغم قيمته، بل بذلك الشعور البديع الذي يمنحه المرء حين يعتمد على نفسه ويبني كيانه بجهده الخاص. كنتُ أردد في سري دائمًا كلما واجهتني عقبة تقنية أو إرهاق: "أنا أستطيع... وسأصل." ورابما كانت تلك الجملة البسيطة هي أعظم درساً خرجتُ به من كل عثراتي السابقة. ثم أطلّ عام 2023 بكل ما يحمله من غمود وأمل. لم أكن أعرف حينها أنه سيكون أجمل عام أعيشه في حياتي، وأنه في الوقت نفسه سيترك في أعماق قلبي ندبة غائرة لن تزول بأمر الزمان. في بدايات ذلك العام، فتحت أمامي أبواب كثيرة لم أكن أتوقعها؛ عملتُ في مجالات متعددة عبر الإنترنت، وبدأتُ أكتشف بشغف أن مهاراتي البسيطة التي كنت أظنها عادية ولا قيمة لها، يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل حقيقي يضم
لم أستطع التوقف عن النظر إلى المبلغ البسيط الذي وصل إلى حسابي في ذلك الصباح. ربما لو رآه شخص آخر لابتسم بسخرية، فهو لم يكن ثروة هائلة، ولم يكن كافياً لتغيير مجرى حياتي بالكامل، لكنه بالنسبة إليّ كان يحمل معنى أكبر بكثير من قيمته المادية. كان أول مال أحصل عليه لأن شخصاً ما في هذا العالم رأى شيئاً صنعته بيدي وقال بيقين: "هذا يستحق أن أدفع مقابله." أغلقت شاشة الهاتف، ثم فتحتها من جديد لأتأكد من الرقم للمرة الثالثة، فانسابت ضحكة خفيفة من شفتي وأنا أقف وحدي في الغرفة، همستُ لنفسي بذهول فخور: "وصل فعلًا."سمعتُ صوت أمي القادم من خلف الباب المتكئ: "مع من تتكلمين؟". التفتُّ إليها بسرعة وأنا أحاول جمع شتات نفسي وقيلت: "مع نفسي." رفعت أمي حاجبها باستغراب ناعم وتساءلت: "منذ متى وأنتِ سعيدة بالحديث معها؟". ضحكتُ بحرارة ورفعتُ الهاتف أمام عينيها وقلت: "انظري هنا." اقتربت أمي بخطوات هادئة، وأخذت الهاتف من يدي لتتأمل الشاشة. لم تكن تفهم تماماً كيف تعمل هذه التطبيقات الرقمية، ولا معنى المشاريع التي كنت أبحث عنها أو الأعمال التي أنفذها على الحاسوب، لكنها كانت تفهم شيئاً واحداً واضحاً: أن ابنتها كانت س
لم أنم تلك الليلة بسهولة.بقيت الرسالة مفتوحة أمامي على شاشة الحاسوب، أقرأها للمرة العاشرة وكأنني أخشى أن تختفي إذا أغمضت عيني.**«أعجبني عملك. هل يمكنكِ تنفيذ مشروع كامل لي؟»**كان مجرد سؤال، لكنه بالنسبة إليّ كان أكثر من ذلك بكثير.كان أول باب يُفتح أمامي بعد أن طرقت أبوابًا كثيرة ولم يجبني أحد.كتبت الرد بسرعة، ثم حذفته.كتبت ردًا آخر، ثم حذفته أيضًا.— «اهدئي... لا تظهري له أنكِ خائفة.»أخذت نفسًا عميقًا، وكتبت أخيرًا:— «نعم، يمكنني تنفيذ المشروع. أرسل لي التفاصيل وسأخبرك بالمدة والتكلفة.»ضغطت على إرسال.وضعت الهاتف جانبًا، ثم حدقت في السقف.— «ماذا فعلتِ بنفسك؟»في الصباح، جاء الرد.فتحت الرسالة، فوجدت تفاصيل المشروع أمامي.كان أكبر بكثير من النموذج الذي صممته.احتجت إلى تعديل عدة صفحات، اختيار الخطوط المناسبة، ترتيب العناصر، وإجراء تغييرات دقيقة لم أكن معتادة عليها.شعرت بقلبي يهبط.— «يا إلهي...»جلست أمام الحاسوب وبدأت العمل.مرت ساعة.ثم ساعتان.في البداية كنت متحمسة، لكن مع مرور الوقت بدأ القلق يتسلل إليّ.كلما أنهيت جزءًا، اكتشفت أن هناك شيئًا آخر يحتاج إلى تعديل.حذفت.أ
استيقظتُ قبل أن يرن المنبه. فتحتُ عينيّ على ضوء الفجر الخافت المتسلل من بين ستائر نافذتي، وبقيت للحظات أحدق في السقف. كان البيت غارقًا في السكون، ولم أسمع سوى صوت تنفس أفراد عائلتي من الغرف المجاورة. في السابق، كنت أستغل مثل هذه الساعات لأعود إلى النوم. أما اليوم، فقد نهضت. غسلت وجهي، ارتديت ملابسي، ثم جلست أمام مكتبي الخشبي الصغير. فتحت دفتري. كانت الكلمات التي كتبتها بالأمس لا تزال أمامي: **تطوير مهاراتي. توسيع مشروعي. الاستقلال المالي.** مررت إصبعي فوق السطر الأخير. ثم تمتمت: — «الكلام عن الاستقلال سهل... لكن من أين سأبدأ؟» فتحت الحاسوب، وبدأت أبحث عن الدورات المتاحة في التصميم والعمل الرقمي. تنقلت بين الصفحات، أقرأ الأسعار والشروط، وأسجل الملاحظات في دفتري. بعض الدورات كانت أغلى مما أستطيع دفعه. تنهدت. — «طبعًا... لم يكن الأمر بهذه السهولة.» أغلقت الصفحة، ثم فتحت أخرى. لم أكن أبحث هذه المرة عن الطريق الأسهل. كنت أبحث عن الطريق الذي يمكنني أن أبدأ فيه بما أملك. مهاراتي. وقتي. وقلمي. بعد ساعات من البحث، بدأت أجرب بعض الأفكار بنفسي. صممت نموذجًا بسيطًا، عدلت ع







