Home / الرومانسية / قصتي مع جلادي / الفصل الحادي والثمانون: أول شعاع في الظلمة

Share

الفصل الحادي والثمانون: أول شعاع في الظلمة

last update publish date: 2026-09-07 23:44:05
مرت أربعة أشهر كاملة على رحيل أبي. أربعة أشهر لم تعد فيها الأيام تتشابه أو تمضي كجثث هامدة، بل بدأت تأخذ إيقاعاً جديداً، وئيداً لكنه مفعم بالنبض والحياة. لم يعد الصمت الثقيل يربض فوق أركان البيت كتلك الأيام الأولى القاسية؛ فقد تعلمتُ أنا وأمي كيف نفتح النوافذ الخشبية كل صباح لنستقبل أضواء النور الشاردة، وكيف نسكب القهوة الدافئة في الفناجين دون أن ننظر بطرف أعيننا المجهدة نحو المقاعد الفارغة بدموع متجمدة. كنا نمارس اليوم بعناد هادئ، نمارسه لأن الرحيل علّمنا بصرامة أن الزمن لا ينتظر أحداً، وأن الب
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • قصتي مع جلادي    الفصل الثاني والثمانون: حين جاء القرار قبل أوانه

    لم يكن قد مر عام كامل على وفاة أبي.كان البيت لا يزال يحتفظ بأشياءه، بصمته، بملامحه التي لم تتعلم بعد كيف تتقبل غيابه.كنا بالكاد بدأنا نفهم كيف نعيش من دونه، حين جاءنا أمر آخر لم نكن مستعدين له.في ذلك الصباح، كانت أمي جالسة في المطبخ، تحدق في فنجان القهوة أمامها دون أن تشرب منه.دخل أخي.لم يكن وجهه طبيعيًا.جلس أمامها، وبقي صامتًا لثوانٍ طويلة.رفعت أمي عينيها إليه.— ماذا بك؟لم يجب.— تحدث يا بني... خوفتني.تنفس بعمق، ثم قال:— أمها عرفت.تجمدت يد أمي فوق الفنجان.— عرفت ماذا؟خفض عينيه.— عرفت بعلاقتنا.ساد الصمت.كنت أقف عند باب المطبخ، ولم أكن أعرف إن كان من الأفضل أن أخرج أم أبقى.تابع أخي بصوت منخفض:— قالت لها إن أمامها خيارين فقط... إما أن يأتي أهلها لطلب يدها، أو تنتهي العلاقة.وضعت أمي الفنجان على الطاولة ببطء.— الآن؟هز رأسه.— نعم... الآن.كان السؤال الذي لم تقله أمي واضحًا في عينيها.*كيف الآن؟*كيف يمكن أن نفكر في خطوبة وزواج، ونحن لم نكمل عامًا على دفن أبي؟كيف يمكن أن نفتح باب الفرح في بيت ما زالت فيه رائحة الحزن؟لكن الحياة لا تسألنا دائمًا إن كنا مستعدين.أحيانً

  • قصتي مع جلادي    الفصل الحادي والثمانون: أول شعاع في الظلمة

    مرت أربعة أشهر كاملة على رحيل أبي. أربعة أشهر لم تعد فيها الأيام تتشابه أو تمضي كجثث هامدة، بل بدأت تأخذ إيقاعاً جديداً، وئيداً لكنه مفعم بالنبض والحياة. لم يعد الصمت الثقيل يربض فوق أركان البيت كتلك الأيام الأولى القاسية؛ فقد تعلمتُ أنا وأمي كيف نفتح النوافذ الخشبية كل صباح لنستقبل أضواء النور الشاردة، وكيف نسكب القهوة الدافئة في الفناجين دون أن ننظر بطرف أعيننا المجهدة نحو المقاعد الفارغة بدموع متجمدة. كنا نمارس اليوم بعناد هادئ، نمارسه لأن الرحيل علّمنا بصرامة أن الزمن لا ينتظر أحداً، وأن البقاء السليم يتطلب منا حركة مستمرة لا تعرف التردد. في ذلك الصباح، لم أكن أقف أمام المرآة لأسائل نفسي بشرود عما أريده؛ بل كنتُ أشدّ مئزري القماشي حول خصري، وأعدل ربطة الحجاب على رأسي بعزم متجدد. كانت الشمس تشرق ببطء، مغرقة أزقة الحي القديم بنور برتقالي دافئ وشجي، بينما كنتُ أقف بانتصاب داخل محلي الصغير... ذلك المكان النابض بالبساطة والروعة الذي انتزعته بعرق الجبين من مخالب الفراغ والتأجيل والخوف. كان المحل طموحاً صغيراً تشكل من الخشب والدفء، بضعة أمتار تتوسط شريان الحي، طاولات نظيفة مصقولة بعنا

  • قصتي مع جلادي    الفصل الثمانون:أنا أيضًا أريد حياة

    لم أعد أحسب الأيام منذ وفاة أبي.في البداية كنت أعدها لأنني لم أستطع تصديق أن الوقت يمضي من دونه.ثم أصبحت الأيام تتشابه، حتى جاء يوم أدركت فيه أن شهرًا كاملًا قد مر.شهر واحد فقط.ومع ذلك شعرت وكأن سنوات مرت فوق رأسي.خلال ذلك الشهر تغير الكثير.أخي الأصغر لم يعد يعيش معنا في البيت.اختار أن يقيم في المحل الذي تركه أخي الراحل، وأصبح له مكانه الخاص وحياته الخاصة.في البداية لم أعترض.كان من حقه.بل ربما كنت أتفهمه أكثر مما أظهر.بعد موت أبي، لم يعد هناك أحد يستطيع أن يفرض على كل واحد منا كيف يعيش.كان لكل منا الحق في أن يختار طريقه.لكنني لم أتوقع أن يأتي اليوم الذي يقف فيه أمامنا ويقولها بهذه الصراحة.كان واقفًا في البيت، ثم قال:— أنا لست مسؤولًا عن أي فرد هنا.ساد الصمت.لم أجبه.لماذا كنت سأجيبه؟كان كلامه صحيحًا من ناحية.لم يكن أبًا لنا.ولم يكن مطلوبًا منه أن يحمل مسؤولية الجميع.لكنه كان أخانا.وهذا الفرق كان يؤلمني.منذ ذلك اليوم، أصبح يأتي إلى البيت متى أراد.يدخل وكأن شيئًا لم يتغير.يأكل.يشرب.يجلس.ثم يغادر.لم أكن أمانع في ذلك.كان هذا بيته أيضًا، مهما تغيرت الظروف.لكن

  • قصتي مع جلادي    الفصل التاسع والسبعون: البيت الذي فقد عموده

    بعد رحيل أبي، لم يعد البيت يشبه البيت الذي عرفته طوال حياتي. كان كل شيء في مكانه، الأثاث نفسه، الجدران نفسها، الأبواب التي اعتدنا أن نغلقها ونفتحها عشرات المرات في اليوم، وحتى الكرسي الذي كان أبي يجلس عليه ما زال ينتظر عودته، كأنه لم يفهم بعد أن صاحبه لن يعود. لكن شيئًا واحدًا اختفى. صوته. ذلك الصوت الذي كان يملأ البيت حتى عندما لا يتحدث. خطواته، سؤاله عن الطعام، نداءه لأحد إخوتي، سعالُه الخفيف، وحتى شكواه من شيء بسيط كان يزعجنا أحيانًا... كل ذلك أصبح فجأة ذكرى. في الأيام الأولى، كان البيت مزدحمًا بالناس. رجال يدخلون ويخرجون، نساء يجلسن إلى جانب أمي، أقارب يقدمون التعازي، وأكواب القهوة والشاي لا تتوقف. كنت أتحرك بينهم وكأنني أعرف تمامًا ماذا أفعل. أستقبل هذا، أجيب ذاك، أقدم الماء، أطمئن على أمي، وأجلس بجانبها عندما يشتد عليها البكاء. كان الجميع يراني واقفة. ولم يسأل أحد ماذا يحدث داخلي. حتى أنا لم أكن أعرف. كنت أظن أنني إذا بقيت مشغولة فلن أشعر بالألم. لكن في اليوم الذي بدأ فيه الناس بالمغادرة، وحين خفتت الأصوات من حولنا، اكتشفت الحقيقة. نحن وحدنا. أنا وأمي وإخوتي. والر

  • قصتي مع جلادي    الفصل الثامن والسبعون: عمود البيت

    مرت الأيام الأخيرة متثاقلة بطيئة، كأنها تعاندنا ولا تريد أن تمر، أو كأن الزمان قد قرر أن يمط ساعات الوجع ليختبر ما تبقى في أرواحنا من الصبر والجلد. كان أبي يضعف وتذبل ملامحه أمام عيني يوماً بعد يوم؛ ذلك الجبل الأشم الذي طالما احتميت بظله كان يتآكل بصمت تحت وطأة المرض الخبيث، بينما كنت أحاول بكل ما أوتيت من قوة متصنعة أن أتظاهر بالثبات، وأتداعى وكأنني ما زلت أملك القدرة على الاحتمال والمواجهة. لكن الحقيقة المرة التي كنت أهرب منها هي أنني كنت أنهار داخلياً بصمت قاتل، وأتهدم من الأركان دون أن يلحظ أحد كسوري. قبل وفاته بيوم واحد فقط، ناداني بصوت خافت تائه: "ريم... تعالي إلي يا ابنتي." اقتربت منه بخطى مسرعة وقلب يخفق خيفة. كان مستلقياً على فراشه، وقد أخذ المرض العضال من جسده الشريف معظم قوته وحيويته. مددت يدي المرتجفة إليه ولامست كفه الدافئة: "ماذا تريد يا أبي؟ آمرني." نظر في عيني بنظرة فيها استرجاع لقوته القديمة وقال: "ساعديني لأقف." ترددت كثيراً وخفت عليه من الإجهاد: "هل تستطيع ذلك يا أبي؟ ألست متعباً؟" ابتسم ابتسامة خفيفة باهتة أضاءت وجهه وشحبته في آن واحد: "أريد أن أمشي قلي

  • قصتي مع جلادي    الفصل السابع والسبعون: حين بدأ المرض يأخذ أبي

    مرت أشهر قليلة على رحيل أخي، لكنني كنتُ أشعر أحياناً أنها مرت كأنها سنوات دهور متطاولة. البيت الذي اعتدنا أن نسمع فيه أصواتنا ونكاتنا جميعاً، أصبح أكثر هدوءاً وسكوناً من اللازم. كان أخي قد رحل فجأة دون وداع، وأبي، منذ ذلك اليوم الشوم، لم يعد الرجل نفسه أبداً.في البداية، كنا نظن أن ما نراه على ملامحه مجرد حزن أبوي طبيعي؛ فكيف لرجل أن يفقد ابنه البكر في زهرة شبابه ثم يبقي كما كان؟ كنا نعتقد أن الوقت كفيل بأن يخفف وطأة الوجع عنه، لكننا لم نكن نعرف أن جسده المنهك كان يخوض معركة أخرى أشد شراسة في صمت تام.كان أبي يعاني سابقاً من تضخم طبيعي في البروستاتا، وكان الأمر معروفاً ومسيطراً عليه لدينا، ولم نكن نتخيل لحظة أن يتحول الأمر إلى كابوس مظلم. ثم جاءت الصدمة القاسية التي زلزلت أركاننا؛ اكتشفنا مع مرور الأيام أن المرض لم يعد مجرد تضخم عابر... لقد تحول إلى سرطان خبيث وسريع الانتشار. وعندما عرفنا الحقيقة المؤلمة من الأطباء، كان المرض قد قطع شوطاً طويلاً في جسده دون أن نشعر، متسللاً إلى مرحلته الأخيرة تقريباً، دون أن يمنحنا حتى فرصة حقيقية لنحارب أو نبحث عن علاج.بعد وفاة أخي، توقف أبي عن العم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status