جميع فصول : الفصل -الفصل 530

557 فصول

الفصل ٥٢١

حبست شهد أنفاسها بصعوبة بالغة، وكأن رنين الهاتف المنتصب في يدها جاء بمثابة طوق نجاة إلهي انتشلها في الكسر الأخير من الثانية من ذلك السؤال المعلق الذي كاد أن يزلزل أركان كيانها ويقلب حياتها رأساً على عقب. أضاءت شاشة الهاتف بنورٍ باهت انعكس على أهدابها المرتعشة، حاملاً اسم «أروى»، فالتفتت بسرعة لتستند إلى الرنين كعذرٍ هارب يخفي اضطراب دقات قلبها المتهدجة. رفعت شهد الهاتف بأصابع تفيض بالارتجاف أمام عينَي آدم اللتين كانتا تترقّبان إجابة قلبه بلهفة حارقة. ابتسمت بتوتر مصطنع وقالت بنبرة حاولت إظهار ثباتها: — «ألو... أروى حبيبتي، كيف حالك؟» جاءها صوت أروى الصارخ بالبهجة من الطرف الآخر وكأنه يرقص فرحاً، ينبض بالحيوية التي اخترقت صمت الشقة الهادئ: — «هيا تعالي يا شهد بسرعة! لا تصدقي من عاد للتو.. . لقد عاد أبانا من الخارج اليوم بعد رحلة علاج طويلة وشاقة، وقد تعافى تماماً والحمد لله! نحن جميعاً ننتظركِ هنا، تعالي حالاً فهو مشتاق إليكِ فوق ما تتصورين!» لمعت ابتسامة خاطفة ومفاجئة على وجه شهد، اقتنصتها من فرط الصدمة السعيدة بخبر الشفاء، لكن تلك البارقة ما لبثت أن اخ
last updateآخر تحديث : 2026-10-16
اقرأ المزيد

الفصل ٥٢٢

هدأت أنفاس شهد وهي تتماسك تدريجياً بين يديه ، ثم ابتعدت بهدوء وخفة، تمسح دموعها بأطراف أصابعها المرتجفة وهي تنظر إلى الأرض بخجلٍ حارق تلونت به وجنتاها. رفعت وجهها ببطء وقالت بصوت خفيض يشوبه الامتنان: — «شكراً يا آدم...» مدّ آدم يده برفق شديد وأمسك بذقنها رافعاً وجهها ليتسنى له الغرق في عمق عينيها، وقال بنبرة حازمة تملؤها الحنان المطلق: — «لماذا تشكرينني يا شهد؟! لقد قلتها لكِ مراراً ولن أملّ تكرارها: سأظل دائماً درعكِ الحامي وأمانكِ المطلق من كل العالم، حتى وإن لم تعودي لي قط... سأظل بجواركِ، فحمايتكِ جزء لا يتجزأ من روحي.» ثم أضاف بابتسامة دافئة وخبيثة أضاءت وجهه لتبدد بقايا الحزن: — «وثانياً... أحذري تماماً أن ترتدي عيناكِ ثوب الدموع مرة أخرى وأنا أمامكِ!» عقدت حاجبيها بدهشة لطيفة وابتسمت وسط دموعها قائلة: — «ولماذا؟! هل ستمارس عليّ سطوتك وتعاقبني إن فعلت؟» أجابها بنبرة شقية يملؤها الشغف والدلال: — «نعم... وسيكون عقابي عسيراً للغاية! لأن تلك الدموع تجعل عيونكِ تتلألأ بسحرٍ خاص يخطف عقلي، ويجعلني أرغب في تقبيلكِ دون توقف لأمحوَ كل حزن فيها.»
last updateآخر تحديث : 2026-10-16
اقرأ المزيد

الفصل ٥٢٣

ابتعد آدم بخطواتٍ ثابتة وقلبه يرفرف في صدره تاركاً إياه معها، لكنه كان موقناً بقرارٍ راسخ أن شهد ما زالت تحبه وتتنفس هواه، وكل ما تحتاجه هو مجرد وقتٍ قصير لتلملم شتات ذاكرتها، وتنسى أو تتغاضى عن مرارة جروح الماضي. قاد سيارته طوال الطريق إلى منزله بابتسامة دافئة وواثقة تزين محياه، وكأن العالم أصبح أوسع وأرحب. في هذه الأثناء، وصلت شهد بسيارتها إلى باحة القصر الفسيح. أوقفت المحرك وترجلت بخطواتٍ مترددة وثقيلة، تتخبط في أفكارها ودوامة مشاعرها: — «ماذا يجب أن أفعل الآن؟ هل أصافحه ببرود وأتمنى له الشفاء على عجالة، أم ألقي بنفسي في حضنه متناسية كل الجفاء؟ لا... حضنٌ لا، كبريائي لن يتحمل...» لكن كل تلك الحسابات الباردة تبخرت في ثانية واحدة؛ فما إن علم يحيى بوصولها حتى تحامل على نفسه رغم آلامه، مستنداً بثقل على عكازه، ليتحرك بخطوات بطيئة نحو الباب ليستقبل ابنته بحبٍّ جارف ولهفة أبٍ أنهكه الشوق والمرض. وقف عند العتبة، وفتح ذراعيه واسعتين كمن يضم العالم بأسره، وقال بصوت مخنوق بالحنين: — «شهد... ابنتي!» لم تقاوم شهد شيئاً من حصونها؛ وفجأة، اندفعت نحو بوابته المفت
last updateآخر تحديث : 2026-10-16
اقرأ المزيد

الفصل ٥٢٤

وحين أقبل الليل بظلاله الهادئة وألقى بسكونه على أرجاء القصر الفسيح ، بدت ملامح التعب والإرهاق واضحة على وجه شهد بعد هذا اليوم الطويل المليء بالمفاجآت والصدمات العاطفية. وقفت بخطوات متثاقلة، والتفتت نحو العائلة الدافئة وقالت بصوت هادئ وخفيض: — «تصبحون على خير... سأغادر إلى شقتي الآن.» استوقفها صوت يحيى الدافئ والمحمل برجاء أبوي عميق، وهو ينظر إليها بعينين دامعتين: — «يا ابنتي... ابقي هنا هذه الليلة ، لا تغادري القصر في هذا الوقت المتأخر.» همّت بالرفض في أولي الأمر، متعللة برغبتها في العودة إلى هدوء شقتها، لكنها تذكرت فجأة أنها تقيم حالياً في شقة عامر وحور، وأنهما قد عاد للتو لتوهما ولا مكان لها هناك الآن. أخرجت مفاتيح الشقة من حقيبتها بامتنان مرتبك، وقالت وهي تنظر إليهما باعتذار: — «أنا آسفة جداً... هاهي مفاتيح الشقة، لم أكن أعلم بعودتكم لكي أتركها لكم مسبقاً.» قاطعتها حور بسرعة وبابتسامة مشقة ودافئة، وهي تلوح بيدها: — «حبيبتي شهد... فلتُبقِ المفاتيح معكِ، ونحن سنبقى في أي مكان آخر داخل القصر، لا تقلقي أبداً!» هنا تدخل يحيى بنبرة آمرة ي
last updateآخر تحديث : 2026-10-17
اقرأ المزيد

الفصل ٥٢٥

قالت بنبرةٍ هادئة تحاول بها تهدئة ثورته: — «اهدأ يا آدم... لماذا أنت قلق ومشتعل هكذا؟» رد عليها بصوت يقطر خوفاً وحناناً: — «يا حبيبتي... خفتُ أن يكون قد حدث لكِ أي مكروه وأنتِ عائدة بمفردكِ في هذا الوقت المتأخر من الليل!» ابتسمت لرعايته واهتمامه، وأجابت بهدوء: — «أنا لم أعد إلى الشقة يا آدم... سأبقى هنا في القصر لعدة أيام. لقد عادت حور وعامر، وقررنا جميعاً البقاء إلى جوار يحيى بيه... أقصد أبي، حتى يتحسن صحياً ونطمئن عليه.» سألها آدم باهتمام وبنبرة خفيضة: — «هل ما زلتِ تشعرين بمرارة أو غصة تجاهه كما كنتِ في السابق؟» أجابت شهد وهي تستند بظهرها إلى الوسادة: — «بالعكس تماماً... الآن أشعر وكأنه شخص آخر مختلف، طيب وحنون جداً.» علّق آدم بتفهم وصدق: — «هو ليس سيئاً بطبعه كما يبدو لكِ يا شهد، لكنه يكون قاسياً فقط حين يريد تحقيق شيءٍ ما بصرامة... يبدو أن المرض أضعف قسوته وأتعبه كثيراً.» نهدت قائلة: — «يبدو ذلك فعلاً...» قاطعها آدم فجأة لينقل الحوار إلى مساحتهما الخاصة، وقال بصوت يطفح بالشوق واللهفة: — «دعكِ من كل هذا الآن... أنا اشتقتُ إليكِ حد الجنون! ألم
last updateآخر تحديث : 2026-10-17
اقرأ المزيد

الفصل ٥٢٦

استيقظت شهد من عمق نومٍ هادئ ومسترسل، شعرت خلاله وكأن روحها قد تخلصت دفعة واحدة من أثقال سنين طويلة من الشقاء والقلق المتراكم. فركت عينيها ببطء شديد، كأنها تلملم بقايا حلمٍ دافئ رافقها طوال ليلتها، وامتدت يدها بلا وعي نحو الهاتف الملقى بجوارها على الوسادة لتتفقد الوقت. وما إن وقعت عيناها على شاشته الرقمية المعلنة عن الرابعة عصراً، حتى انتفضت من مكانها بذهول عارم ، وتسربت الحيرة والقلق إلى ملامحها وهي تتمتم بصوت خفيض يهتز بالخجل: — «الرابعة عصراً؟! يا إلهي... ماذا سيقولون عني في القصر الآن؟! كيف غلبني النوم حتى هذا الوقت المتأخر ولم أذهب إلى العمل؟ إنه لأمر محرج للغاية أمام الجميع!» لكن بين طيات هذا الارتباك الطفولي، تسلل شعور دافئ وخفي يطرق أبواب قلبها بعنف؛ فأول ما خطر ببالها، قبل أي التزام رسمي أو مسؤولية، كان هو... آدم . هل أغمق عينيه النوم بعد ليلتهما الطويلة الهامسة ، أم أنه ما زال في العمل كعادته، يناضل بين ملفات الشركة ورياح الشوق المحرقة؟ أسرعت بطلب رقمه، وكأن قلبها كان يدرك تماماً أنه بانتظار إشارتها على أحرّ من الجمر. ولم تمضِ ثوانٍ معدودة حتى
last updateآخر تحديث : 2026-10-17
اقرأ المزيد

الفصل ٥٢٧

كانت صالة الطعام الكبرى في القصر تفيض بفخامة عريقة، حيث أضفت الثريات الكريستالية الضخمة على المكان هالة من النور الذهبي الدافئ، وانعكس البريق على المائدة الخشبية العريضة التي جمعت العائلة بعد طول غياب. غير أن هذا الرداء الدافئ لم يكن سوى ستار هادئ يخبئ تحته توتراً مشحوناً وصراعاً صامتاً يحبس الأنفاس. عندما بلغت شهد القاعة بخطواتها المرتبكة، التفت يحيى بنظرة أبويّة حانية، واعتقد يحيي بأنهما يلتقيان للمرة الأولى ، فقال بصوت رزين يحمل نبض التعافي: — «تعالي يا ابنتي... تعرّفي على رائد ، ابن شريكي السابق قبل أن يستقلوا بشركتهم الخاصة.» ثبّتت شهد عينيها على رائد الواقف بكامل أناقته الاستعراضية، وردّت بنبرة هادئة حاولت شحذها بالثبات: — «لقد تعارفنا بالفعل... أهلاً رائد بيه.» نهض رائد ببطء محاطاً بهالة من الثقة والمكر ، ومدّ يده بثبات ليصافحها. اضطرت شهد لمد يدها مجاملةً لأبيها، لكنها شعرت بضغطة متعمدة وقوية منه على كفها الرقيق ، ضغطة حملت رسالة تملك خفية واستفزازاً صريحاً. انتزعت يدها بحدة وانزعاج مكتوم، وسارعت بالجلوس بجوار أروى لتتوارى عن مرمى نظرا
last updateآخر تحديث : 2026-10-17
اقرأ المزيد

الفصل ٥٢٨

جلست شهد بجوار أروى بهدوء مصطنع ، تحاول جاهدة أن تبدو طبيعية ومسترخية، بينما كانت دقات قلبها تتسارع بعنف في صدرها كطير حبيس. عيناها المعلقة بطبقها كانت تشعر بلسعة نظرات رائد الماكرة التي تتبع كل حركة من حركاتهن، وكأنها فريسة تحت مجهر صياد صبور . كلمات والدها يحيى قبل قليل، وهو يدافع عن آدم بكل تلك الثقة والأبوة، كانت قد زرعت في روحها طمأنينة مؤقتة، لكنها أدركت تماماً أن رائد ليس من النوع الذي ينسحب بهدوء؛ فخلف ابتسامته المزيفة وهندامه الأنيق ، يختبئ ثعلب يتربص بالفرصة المناسبة لخلخلة استقرار العائلة والضغط على نقاط ضعفها. ابتسم رائد ببطء، وارتسمت على شفتيه مسحة من السخرية المبطنة التي لم تخفَ على ذكاء عامر الجالس بملامحه الصارمة المراقبة، فقال بصوت هادئ يحمل في طياته سمّاً زُعافاً: — «يبدو أن ثقتكم بآدم مطلقة يا عمي ، وهذا أمر جميل حقاً... لكن أحياناً، الولاء الأعمى لشركة ما يعمي العيون عن مصالح الشركاء الجدد ، والاستثمارات الخارجية التي تحتاج إلى مرونة أكبر بعيداً عن العقلية الدكتاتورية في الإدارة.» شعر عامر ببرودة الكلمات وخبث المغزى، فشدّ قبضته ت
last updateآخر تحديث : 2026-10-17
اقرأ المزيد

الفصل ٥٢٩

جلس الجميع في غرفة المعيشة يحتسون القهوة في أجواء سادها الهدوء الظاهري ، بينما كان التوتر الخفي ينساب كالتيار الكهربائي تحت السطح. كانت الرائحة النفاذة للقهوة تتصاعد مع بخارها الدافئ ، تعبق في أرجاء القاعة الفاخرة ذات الأثاث الكلاسيكي الكحلي والأضواء الخافتة التي أضفت هالة من الشجن على الجلسة العائلية. التفت يحيى برأسه ببطء تجاه رائد، ومستنداً بكفيه على طرف عكازه العاجي، وجه إليه نظرات امتنان صادقة وقال بنبرة دافئة: — «أريد أن أشكرك يا رائد على كل ما فعلته من أجلي أثناء رحلة علاجي في الخارج... لم تقصر معي أبداً.» ابتسم رائد ببراعة وإتقان، واضعاً فنجانه جانباً ببطء، وأجاب بنبرة تواضع مصطنعة يحفها المكر: — «لا تقل هذا يا عمي... لم أفعل شيئاً يستحق الشكر . أنت تعلم أن لدينا فرعاً لشركتنا هناك ولدي معارف ونفوذ واسع ، فإن لم أكن في خدمتك في غربتك فتلك عيبة كبيرة في حقي.» تبسّم يحيى بأسى خفيف واستعاد شريط الذكريات ، ثم التفت نحو شهد الجالسة بكامل جمودها وقلقها المكتوم، وقال: — «هل تعرفين يا شهد... رائد ومراد وآدم كانوا في سن واحدة تقريباً في صغرهم، وكانت
last updateآخر تحديث : 2026-10-18
اقرأ المزيد

الفصل ٥٣٠

خيم صمت ثقيل ومطبق على أرجاء غرفة المعيشة الفخمة، كأن عاصفة هوجاء مرت للتو وألقت بظلالها الموحشة على المكان. بينما كانت أنفاس يحيى الثقيلة هي الصوت الوحيد المسموع وسط هذا السكون المريب الذي يسبق الانفجار. رفع يحيى بصره ببطء شديد، وتأمّل وجه رائد الجالس أمامه بهندامه الأنيق وثقته المفرطة. لم تكن ملامح يحيى توحي بالصدمة السعيدة، بل عكست توجساً أبوياً عميقاً وخبرة سنين طويلة في قراءة نوايا الرجال وما تخفيه الابتسامات المزيفة خلف بريقها. ثبّت عينيه الحادتين في وجه رائد، وقال بنبرة خفيضة ومبحوحة محملة بثقل التجربة: — «أتدرك تماماً ما تقول يا رائد؟ أنت تتحدث عن ابنتي شهد... عن قطعة من روحي التي لم تلتئم جروحها القديمة بعد، والتي خاضت معارك طويلة لتستعيد هدوءها.» لم تهتز شعرة واحدة من وقار رائد المصطنع؛ بل اعتدل في جلسته ببطء، وتشابكت أصابعه بثقة طاغية، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة ومدروسة بعناية فائقة، ليجيب بنبرة ثابتة لا يشوبها أي تردد: — «أدرك تماماً يا عمي كل حرف أنطقه، ولا أجرؤ أبداً على المزاح أو التلاعب في أمر بهذا الحجم والخطورة . أنا جاد تماماً،
last updateآخر تحديث : 2026-10-18
اقرأ المزيد
السابق
1
...
515253545556
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status