جميع فصول : الفصل -الفصل 540

557 فصول

الفصل ٥٣١

في الغرفة العلوية للقصر، كانت هالة من السكون الثقيل تحيط بشهد، وكأن الجدران العتيقة نفسها كانت تشاركها ثقل الأسئلة المعلقة بلا جواب. كانت جالسة على طرف الفراش الفاره، ترتجف أنفاسها ببطء وخفوت شديد، بينما يُطلّ الليل بعباءته السوداء الداكنة من النافذة الزجاجية المرتفعة ، ناسجاً خيوطاً من الشجن على وجهها الشاحب الذي أتلفه التفكير. انفتح باب الغرفة على مصراعيه ببطء شديد، ودخل عامر بخطوات متأنية، أغلق الباب خلفه برفق كمن يحاول ألا يوقظ أشباح الماضي، ثم اقترب منها وجلس بجوارها، محاولاً بحنانه الأخوي الصادق أن يزيح عن كاهلها ذلك الجبل من التوتر الذي خلّفته مائدة الغداء . تأمل ملامحها المجهدة، وسألها بصوت دافئ يقطر خوفاً وغيرة بريئة : — «شهد... أنظر إليّ وأخبريني بكل صدق: هل ما زلتِ تحبين آدم؟ وهل تنوين العودة إليه حقاً بعد كل ما جرى؟» رفعت شهد عينيها الغائمتين بندى الحيرة والضياع ، ونظرت إليه نظرة عارية من أي دفاع، وشاب صوتها المتهدج صدقٌ أليم — «لا أعرف يا عامر... والله لا أعرف شيئاً سوى أنني عاجزة عن قضاء ثانية واحدة دون أن يمر طيفه بذاكرتي . إنه يسكن كل مساحا
last updateآخر تحديث : 2026-10-18
اقرأ المزيد

الفصل ٥٣٢

عقْدٌ من الخفقان الحاد هزّ أضلاعه، وحدق بها بعينين لا تكاد تصدقان ما يراه الجسد والروح معاً ، ليهتف بصوت متهدج يخالطه طيف من اليقين الكاذب والخوف العارم من الاستيقاظ: — «نعم... أنتِ تحلمين بالتأكيد! هذا ليس حقيقة، بل هو خيال الشوق الذي رسمكِ أمامي لأفلت من عذابات غيابكِ.» ابتسمت شهد بابتسامة خافتة يغلفها الشجن والعتاب الرقيق ، واقتربت منه خطوة أخرى حتى احترقت مسافات البعد بينهما، وقالت بنبرة حالمة يملؤها الحنين: — «نعم... إنك تحلم بالتأكيد يا آدم.» نظر إليها بذهول ولهفة وهو يمد يده ليلمس وجهها ليتأكد أهي طيف أم حقيقة، وقال بصوت خانقه العطش: — «حقا؟... إذاً لا أريد لهذا الحلم أن ينتهي أبداً!» هزت رأسها بابتسامة حزينة وهي تشد على كفّه الخشنة، وقالت بعينين تفيضان بالدموع: — «ستستيقظ قريبا يا آدم... وينتهي كل هذا السحر.» أمسكت بكفّه وضغطت عليها بقوة ودفء، فقال بصوت يترجى البقاء وهو يمسك يدها بحرقة: — «حسناً... فلننعم بالحلم قليلاً قبل أن ينتهي.» نظر إليها بعينين محمومتين بالتعب ، وسأل بنبرة خفيضة تكاد تلامس روحها: — «هل تعرفين ما أحتاجه الآن جداً ؟» تعلقت عيناها
last updateآخر تحديث : 2026-10-19
اقرأ المزيد

الفصل ٥٣٣

تسرب إلى مسامع آدم ارتباك غريب ومستعر، تفشى عبر نبرة شهد المتهدجة وكأن ريحاً باردة تعصف بكلماتها. عقد حاجبيه بحذر شديد، وأبعد الهاتف عن أذنه قليلاً ليلقي نظرة خاطفة على شاشة الساعة الرقمية المضيئة في زاوية غرفة المعيشة؛ فبدت أرقامها تنطق بوقت متأخر للغاية من الليل، كأن الزمن قد توقف عند حدود القلق. سألها بنبرة يحفها التوجس ويقودها فضول لافح يخترق الأثير: — «شهد... نبرتكِ تحمل رعباً خفياً ، هل أنتِ في الخارج حقاً في مثل هذا الوقت المتأخر ؟» تنهدت بعمق مرير، وكأن صدرها ينوء بثقل جبل من الأسرار والضغوط، وأجابت بصوت خافت يشبه صراع الرياح العاتية في العراء: — «نعم يا آدم... شعرت بالاختناق الرهيب يطبق على جدران القصر كأنه زنزانة، وجدرانه تحاصِر روحي، فخرجت لأستنشق بعض الهواء الطليق علّني أستعيد أنفاسي. كنت أنوي في البداية أن أقصد فريدة لأبحث عن ملاذ، لكنني وجدتها نائمة مستغرقَة في راحتها ولم أرد إزعاجها... فتهادت بي خطاي بلا إرادة إلى هنا، في مكاننا القديم على كورنيش البحر، حيث طيف ذكرياتنا.» شعر بغصة حارقة تضغط بقسوة على صدره، وانقبض قلبه كأن يداً خفية تعتصره
last updateآخر تحديث : 2026-10-19
اقرأ المزيد

الفصل ٥٣٤

ابتهجت ملامح آدم بأسرها، وتوهج وجهه بنور غامر وهو يستقبلها على باب الفيلا بقبلة دافئة رقيقة طبعها على جبهتها ، كمن استعاد روحه بعد تيه طويل. تخطت عتبة الباب بخطوات مترددة يغلفها الخجل ، وما إن وقعت عيناها على المطبخ المبعثر بأدوات الطهي حتى ضحكت بصوت رقيق عذب، وقالت بابتسامة ماكرة: — «يبدو أنك أصبحت متمرساً تماماً في الطبخ يا سيادة المدير! لكن... لماذا لم تعُد دادة صفية لخدمتك؟ أنت حقاً بحاجة إليها لترتب هذه الفوضى.» نظر إليها بعينين تفيضان عشقاً لا ينتهي، واقترب منها خطوة أخرى وهو يقول بصوت خفيض يلامس شغاف قلبها: — «أنا... لست بحاجة لأحد سواكِ أنتِ وحدكِ.» رفعت حاجبها بدلال وابتسامة ساخرة خفيفة: — «آه... أفهم من ذلك أنك استدرجتني إلى هنا بطريقة ما لأحضر أنا العشاء بنفسي؟» أجابها بابتسامة واسعة ودافئة: — «سيكون أجمل وألذ عشاء أتناوله منذ فترة طويلة جداً، فحضوركِ يغير طعم كل شيء.» أشارت بيدها نحو موقد الطهي وقالت وهي تحاول إبعاد توترها الحميم: — «حسناً... اخرج أنت من هنا واترك الأمر لي، لا تحشر أنفك فيما لا تعرفه.» قبل أن تتحرك، احتضنها من الخلف
last updateآخر تحديث : 2026-10-19
اقرأ المزيد

الفصل ٥٣٥

تجمدت الدموع في عيني شهد، واختفت ابتسامة الفرح العذبة من على محياها كأنما ابتلعتها الأرض في جزء من الثانية. وقفت مسمره في مكانها، ناظرة إلى وجه آدم الذي تحول فجأة إلى قناع من الصقيع المشتعل؛ فقد كانت ملامحه تنطق ببركان خامد على وشك الانفجار، وعيناه السديميتان تحدقان بها نظرة حارقة تفتش عن إجابة تزلزل الأرض من تحت قدميها. أحست بصدرها يضيق فجأة وكأن الهواء قد سُحب من المكان، فارتجفت شفاها بخفة وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تستجمع قواها المنهكة، وقالت بصوت خافت متهدج يحاول احتواء العاصفة: — «آدم... أرجوك، اهدأ قليلاً ولا تبالغ في ردة فعلك قبل أن تسمعني...» لكن آدم لم يكن في موضع يسمح له بالاستماع للهدوء أو التبريرات. اشتعلت شرايين رقبته وعلت أنفاسه بصوت حاد ، وامتدت يده لترتجف كتفاها تحت قبضة أصابعه القوية والملحة، ليهدر بصوت أجش مرعب يملأ أركان المكان — «أهدأ؟! كيف تطلبين مني أن أهدأ وهذا الحقير يصر علي ملاحقتك ؟! منذ متى ورائد يطأ عتبة القصر يا شهد؟! كيف تجرأ على الجلوس على مائدة والدكِ وأنا لست هناك لأقطع رقبته؟! تكلمي ولا تختبئي خلف الكلمات!» أدمى ا
last updateآخر تحديث : 2026-10-19
اقرأ المزيد

٥٣٦

بعد ليلة طويلة مزجت بين لوعة العتاب ودفء العشق، ذابت كل الحصون المتينة التي أقامتها الأيام بين شهد وآدم ، وتلاشت المسافات لتترك خلفها يقينًا مطلقًا بأن روحيهما لا تستطيعان الفراق. مرت ساعات الليل كحلم خاطف دون أن يشعرا بالوقت وهو يتسلل من بين أيديهما. كانا يجلسان معًا على الأريكة الدافئة في بهو الشقة الهادئ؛ تسند شهد رأسها بحنان على صدره العريض، تستمع إلى إيقاع دقات قلبه المتزنة التي أصبحت ملاذها الوحيد، وهو يمرر أصابعه برقة متناهية بين خصلات شعرها الذهبية الثائرة، يهمس لها بين الحين والآخر بكلمات عشق تشعل روحهما. وفجأة... تسللت أشعة الشمس الذهبية الأولى عبر زجاج النافذة المرتفعة، لتعلن عن بزوغ الفجر وانقضاء الليل. شهقت شهد بذهول، واعتدلت في جلستها بسرعة وهي تضحك بصوت رقيق يمتزج بالدهشة والارتباك: — «انظر ماذا فعلنا يا آدم! لقد سرقنا الوقت ومرّ بسرعة خيالية دون أن نشعر... ماذا سأقول لعائلتي في القصر الآن وقد أشرقت الشمس؟!» ابتسم آدم بعشق ، وجذبها ببطء وجرأة من يدها ليُعيدها إلى أحضانه مجددًا، ثم انحنى وطبع قبله دافئة على وجنتها الصافية وأخرى عميقة عل
last updateآخر تحديث : 2026-10-20
اقرأ المزيد

الفصل ٥٣٧

داخل مكتبها الفسيح والأنيق في الشركة، كانت شهد تحاول جاهدة أن تستعيد توازنها وتركيزها وسط أكوام الملفات وملفات المشروعات المتراكمة على مكتبها. كانت طيف الليلة الماضية ودفء أنفاس آدم وحنان كلماته يطغيان على كل تفصيلة حولها، كأن شيئاً من روحها قد استقر هناك في شقته الهادئة. غير أن قسوة الواقع وصخب عالم الأعمال ما زالان يفرضان قواعدهما الصارمة بلا توقف. وبينما كانت تغوص في مراجعة بعض البيانات الهامة ، انفتح باب المكتب ابتسمت السكرتيره وهي تبلغها رائد بيه ينتظر بالخارج يريد مقابلتك ،حسنا فليتفضل يدخل رائد بخطوات واثقة ومدروسة، محاطاً بهالة من الغرور والسيطرة التي اعتاد إظهارها في كل مكان يطؤه. وقف أمام مكتبها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة عملية تجمع بين الجدية والدهاء، وقال بصوت رزين يحمل طابع الأمر غير القابل للنقاش: — «أستاذة شهد... لقد حان الوقت لنذهب معاً لمعاينة موقع المشروع الميداني ، لنرى عن قرب ما سنفعله على أرض الواقع ونضع الخطوات التنفيذية الأولى.» رفعت شهد بصرها ببطء، وشعرت ببرودة خفية تسري في مفاصلها وكأن حضور رائد يفسد صفو صباحها الجميل . هبطت عيناها نح
last updateآخر تحديث : 2026-10-20
اقرأ المزيد

الفصل ٥٣٨

في طريقها إلى الموقع الميداني خارج حدود المدينة، كانت شهد تقود سيارتها خلف سيارة رائد، بينما عيناها لا تفارقان شاشة السيارة المضيئة، ترتقب بلهفة حارقة ظهور اسم «آدم» على الشاشة أو ورود اتصال منه يهدئ ثورة قلقها. ​وصلت السيارات إلى قطعة الأرض الممتدة على مساحة شاسعة، حيث الرياح تعصف بالرمال والهدوء المريب يلف المكان. ترجلت شهد من سيارتها، ووقف رائد بجوارها يشير بيده نحو المساحات الترابية بابتسامة ثقة طافية، قائلاً: — «هنا يا شهد... ستكون ضربتنا الكبرى في السوق . هذا الموقع تحديداً هو ما سيجعل اسم شركتنا يتصدر القمة، بعيداً عن صراعات العقود القديمة.» ​تأملت شهد الخريطة في يدها ونظرت حولها بنظرات حذرة متوجسة، وقالت بصوت جاد يقطر بروداً: — «الأرض جيدة معمارياً يا رائد، لكن التقييم النهائي يتطلب دراسة جدوى دقيقة وتوقيع كافة أطراف الشراكة، بما فيهم آدم بحكم حصته.» ​في هذه اللحظة بالذات، انطفأت الابتسامة العملية عن وجه رائد ، وتجلت في عينيه لمعة مكر حادة وهو يقترب منها خطوة بطيئة، هامساً بنبرة استفزازية: — «آدم؟... أما زلتِ تصرين على إقحام اسمه في كل خطوة
last updateآخر تحديث : 2026-10-20
اقرأ المزيد

٥٣٩

غادر آدم وشهد المكان بخطوات ثابتة وواثقة ، تاركين رائد وحيداً في قلب تلك الأرض القاحلة، يغلي من الغضب وتكاد عيناه تنطقان بشرر النيران . لقد دمر آدم خطته الشيطانية في لمح البصر؛ تلك الخطة الخبيثة التي كان يمني نفسه بها ليحاصر شهد ، يضغط عليها، ويقيد حريتها بالتهديد والشرط الجزائي ليرغمها في النهاية على القبول به زوجاً . لقد هدم آدم كل ألاعيبه بضربة قانونية قاضية لم تترك له مفرًا سوى ابتلاع مرارة الهزيمة والوقوع في شر أعماله. داخل سيارة آدم، غمر المكان سكون عميق يقطعه فقط صوت المحرك المنتظم ونبضات الارتياح العارمة التي تسللت إلى صدر شهد . كانت تجلس بجواره، تنظر إليه تارة عبر المرآة الجانبية وتارة أخرى بملء عينيها، تتأمل ملامحه الثابتة وتهتز روحها امتنانًا واجلالًا لحمايته الباسلة وذكائه الخارق الذي أنقذها من فخ محكم كاد يودى بمستقبل شركة والدها. لاحظ آدم نظراتها المليئة بالإعجاب والعشق عبر المرآة ، فابتسم بخفة وأوقف السيارة على جانب الطريق الهادئ ليريحها من توتر اللحظات الماضية. التفت إليها كليا، وأمسك كفها الصغير البارد بين كفيه الدافئتين، وط
last updateآخر تحديث : 2026-10-21
اقرأ المزيد

الفصل ٥٤٠

اضطربت ضربات قلب شهد بشدة، وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة محاولة لملمة شتات شجاعتها وثباتها قبل أن تطأ قدماها عتبة المكتب . أخذت نفساً عميقاً وعميقاً لتضبط به ثورة أنفاسها ، ثم تقدمت بخطوات ثابتة وجلست على المقعد الوثير أمام مكتب والدها ، بينما كانت ملامحه تنطق بصرامة حادة . سألها يحيى بصوت جاد يقطر عتاباً وثقلاً: — «ماذا حدث اليوم بالضبط يا شهد؟» عقدت حاجبيها بتعجب مصطنع ، وقالت بصوت هادئ يحاول الحفاظ على التوازن: — «أي شيء تقصد يا أبي؟ الشركة تسير بجدول أعمالها المعتاد.» هدر يحيى بنبرة غاضبة و مستنكرة: — «أقصد رائد! لقد اتصل بي منذ قليل و هو في قمة غضبه و جنونه ، و أخبرني أن آدم تدخل بطريقة فظة و ألغى المشروع تماماً! ألم يخبركِ ذلك الشاب أنه كان سيورطنا في مشاكل قانونية و كارثة كبرى بسبب أوراق الأرض غير القانونية؟!» رفعت شهد رأسها بحدّة، وقد تملّكها الدفاع عن موقف آدم وعن الحق، وقالت بصوت حاسم: — «يا أبي! رائد هو من كان سيورطنا في الهاوية! أوراق تلك الأرض مشبوهة وغير قانونية تماماً، وكان يمكن أن تدمر اسم الشركة وتزج بنا في مسائلات قضائية لا غنى لنا عنها!»
last updateآخر تحديث : 2026-10-21
اقرأ المزيد
السابق
1
...
515253545556
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status