All Chapters of حروف بلا صوت : Chapter 181 - Chapter 190

231 Chapters

الفصل ١٨٠

أما لمار، فقد أدارت المقبض ببطء، دفعت الباب ودخلت، ثم أشعلت الضوء الذي حاصر المكان بهدوء. أغمضت عينيها للحظة عندما التقطت أنفاسها عبق التوليب الفواح الذي يملأ أركان غرفتها، تلك الرائحة التي تحبها، لينة، تفيض بالطمأنينة. نظرت حولها وكأنها تبحث عن شيء مفقود، ثم همست لنفسها، وكأنها تتحقق: "يمان ليس هنا... ألم يعد بعد؟" ألقت الحذاء بإهمال على الأرض، ورمت حقيبتها على السرير، ثم تقدمت نحو النافذة المفتوحة، وعيناها تغرقان في جمال المشهد الممتد أمامها. بدا العالم من حولها كما لو أنه مجرة ممتلئة بالنجوم، الأضواء المتلألئة في المسافة تذوب في بعضها، وضوء القمر الفضي يمتزج برائحة التوليب التي تحيط بها، وكأنها في حضن الليل ذاته. للحظة، شعرت بالسكينة والسلام بعد يوم طويلٍ منهكٍ بالأحداث. لكن شيئًا ما جعلها تلتفت فجأة، الشعور الخفيف بأن أحدًا يراقبها، وجود غير مرئي يزحف في العتمة. نظرت خلفها، كان الفراغ وحده يجيب نظرتها، لكن الإحساس ظل هناك، متشبثًا بها. لم تكن تعلم أن يمان كان بالفعل يقف بجوار الباب، يتوارى بين الظلال الحاكمة، لا يريد أن تراه. ألقت جسدها المثقل على السرير، وأغمضت عينيها، غارقة
last updateLast Updated : 2026-08-19
Read more

الفصل ١٨١

دفعت كرسيها إلى الخلف بخفة وهي تصرخ داخلياً عندما سمعت كلماته التي لسعتها بقوة، ثم وقفت مستأذنة بعينين منخفضتين، وبصوتٍ مرتجف بالكاد تخرج الكلمات المكسورة منه: "لا أشعر بالرغبة في الطعام." استدارت، وبدأت تمشي باتجاه السلم، خطواتها بطيئة وواهية، ارتفعت يدها لتستقرّ على صدرها، تحاول أن تأخذ أنفاسها التي بدأت تنقطع وتختنق. نادتها فاتن من خلفها: "ولكنكِ لم تأكلي شيئًا..." لم تجب لمار، كانت تمشي بسرعة لتخفي تعثرها، ترغب فقط في الوصول إلى غرفتها. أثناء وصولها إلى السلم، مرّت بجانبها الخادمة حنين التي نظرت إليها بقلق شديد: "سيدتي الشابة، هل أنتِ بخير؟" مدّت حنين يدها للإمساك بها، لكن لمار تهاوت أرضاً قبل أن تمسك بها حنين، تشهق بقوة واختناق! حين كانت لمار أمام السلم، تستعد لصعوده، اجتاحها إحساس غامر بالاختناق الرهيب. فجأة، شهقت بقوة، وكأن الهواء في القصر أصبح ثقيلًا ومسموماً يستحيل سحبه إلى صدرها، ثم انهارت بلا قدرة، جسدها يسقط بلا مقاومة، كما لو أن الأرض جذبتها إليها بلا رحمة. حنين كانت أقرب إليها، مدّت يدها بسرعة محاولة الإمساك بها، لكن سقوط لمار المروع كان أسرع من أن يُعترض
last updateLast Updated : 2026-08-19
Read more

الفصل ١٨٢

تجمّدت نظرات يمان في الفراغ حيث اختفى خيال زياد في ظلال الممر البارد. كان يصرّ على أسنانه بقوة حتى كاد يطحنها، وأظافره تغرز في راحة يده المشدودة لتدع أنسجتها تقطر ألمًا مكتومًا. عيناه الغاضبتان، المكتسيتان بشرار حارق، تلاحقان الرجل الذي أخذ زوجته أمامه، تحت أنظار الجميع، دون أن ينطق أحدهم بحرف واحد. كانت نبرة زياد سلطوية، تنضح بهيبة قاطعة تفوق كونها مجرد نبرة حارس شخصي، وبالنسبة للحاضرين الشاخصين في هول المشهد، بدا رد فعل زياد تجاه لمار كأنه يقول للجميع إنها ملكه. طريقة نطقه لكلمات المغادرة جعلت فرائص الجميع ترتجف تحت وطأة برودة الهواء المفاجئة. لم يعبأ زياد إذا فهموه خطأ؛ يده القوية التي أحاطت بجسد لمار الواهن اشتدت عليها لحمايتها، كمن يحمي أرثًا غاليًا يخصه وحده، وعند مغادرته لم يطلب إذنًا من أحد، بل أخذها واندفع بها لأن أراد ذلك فقط. دارت عيون الخدَم وأفراد العائلة بذهول حائر بين يمان الجامد كتمثال من رخام مكسور، وزياد بشخصيته الطويلة، الجادة، والشامخة. في هذه اللحظة بالذات، انقلبت الأدوار بقسوة؛ زياد كان المالك القوي الحامي، ويمان كان المالك العاجز عن الحيلة، يجلس بين حطام كبريا
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more

الفصل ١٨٣

قال يمان مبررًا، لكن نبرته كانت جادّة ومكتومة بعد أن أغمض عينيه بقسوة محاولًا التحكم ببركان غضبه: ــ "لا أحب طريقة اقترابه من لمار. هل يكفي هذا السبب؟" أشرقت عينا الجد خلف الهاتف، وظهر القليل من الراحة الشفيفة في صوته: ــ "فقط لهذا السبب؟" قال يمان بنبرة غاضبة يكسرها التملك: ــ "ألا يكفي هذا السبب برأيك؟" قال الجد بنبرة مطمئنة تنهي النقاش: ــ "سأفكر في الأمر." وأغلق الهاتف دون أن يعطي يمان فرصة لقول شيء آخر. ضرب يمان راحة يده بمقود السيارة بقوة قائلًا بغضب ساطع: ــ "اللعنة! لا يزال سيفكر في الأمر!" رفع يده ليقضم أظافره بعصبية شديدة، وعيناه المظلمتان تتسعان بجنون: ــ " سأقتله إذا بقي يدور حولها." تمتم بها من بين أسنانه المشدودة بمرارة القاتل. وصل زياد إلى المستشفى، ترجل بسرعة شاقة الصمت، واتجه إلى الجانب الآخر من السيارة. فتح الباب، ووضع لمار بين ذراعيه الحانيتين، وراح يركض بها إلى الداخل، حيث طغى عبق المعقمات ورائحة المطهر الباردة على حواسه. اتسعت عينا الممرضة الجالسة خلف مكتب الاستقبال، وسألت بنبرة قلقة ومرتبكة: ــ "سيدة لمار؟" صرخ زياد وهو يلهث بصوت يرتجف خوفًا وحزمًا
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more

الفصل ١٨٤

نظر إليه زياد، لكن ملامحه ظلت بلا تعبير، جامدة كالصخر الصلب الذي تحطمت عليه أطماع يمان. سأله يمان مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصوت أرعد وأكثر حدة: ــ "سألتك أين لمار؟ ألم تسمع؟" بدا وكأن الدخان الأسود المتولد من غيظه يتصاعد من رأسه، كان يشد ياقة قميص زياد بقوة وحقد، ينظر في عينيه مباشرة دون أن يحيد بنظره عن عينيه النديتين. فتح الباب فجأة، وخرج الدكتور كمال من الغرفة، فنظر إلى التوتر الصريح والشر المتبادل المشتعل حوله وقال باستنكار: ــ "ألا تعلمون أنه لا يجوز للمريض أن يشعر بالقلق؟" ترك يمان ياقة زياد بقسوة بعد أن أعطاه تحذيرًا خفيًا ومظلمًا بعينيه، بينما كان زياد مشغولًا بالكامل في التفكير بـلمار، وكأن لا أحد يقف أمامه أو ينتهك ياقته. عدّل زياد ياقته بوقار، واقترب من الطبيب بثبات وشموخ: ــ "كيف حالها؟" قال الطبيب بنبرة هادئة تطمئن القلوب: ــ "إنها بخير الآن، إنها نوبة هلع عادية. يمكنكم إخراجها بمجرد انتهاء المحلول الوريدي." أضاف يمان بقلق هائج ورفض صارخ: ــ "كيف يمكن أن تكون عادية؟ كادت أن تموت صباحًا!" كان معترضًا بشدة على كلام الطبيب. ــ "غالبًا ما تكون نوبات الهلع بهذا الش
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more

الفصل ١٨٥

فتحت لمار عينيها ببطء، واستقرت نظراتها فورًا على وجه زياد القريب القابع أمامها. وتجاهلت يمان الواقف بجوارها تمامًا، وكأنه هواء أو كائن غير موجود في هذا العالم، فقالت بقلق مشوب بالحنان وهي تتكئ على مرفقيها بتعب، دون أن تدرك حتى أن أنبوب المحلول الوريدي الملتصق بجلدها يشد يدها: ــ "كيف حال كتفك؟ هل وضعت عليه الدواء؟" تفاجأ يمان وسقط قلبه في هاوية سحيقة وهو ينظر إليها بذهول؛ وكأنها كانت محجوبة كليًا عن رؤيته، لا ترى ولا تشعر بأحد في الكون سوى زياد الحاضر أمامها! نظر زياد إليها، وتقوست عيناه العميقتان كاشفة عن ابتسامة لطيفة وساحرة على وجهه المنهك: ــ "نعم، لقد عالجته. قلقت عليكِ." كان ينحني قليلًا برقة ليقترب وجهه أكثر من وجهها عند التحديق بها. قالت لمار وهي تكشّر وجهها كطفلة موجوعة: ــ "لقد رأيت حلمًا مزعجًا، كان شعري في الحلم قصيرًا." وضعت يدها المرتجفة على رأسها تلمسه ببطء، بينما راحت الابتسامة اللطيفة تتلاشى تدريجيًا من وجهها الناعم لتفسح المجال لرعب حقيقي. نطقت بهمس غير مصدق وشاحب: ــ "شعري؟" لملم يمان بقايا كبريائه الجريح، وكان قد تراجع خطوات ملحوظة إلى الوراء عن
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more

الفصل ١٨٦

فتحت عينيها ببطء، وكأنها تسمح لكلماته أن تتسلّل إلى داخلها كأنها بلسم بارد على جرحٍ ساخن. كان لا يزال ينظر إليها بعينين ثابتتين، يراقب دموعها وهي تشق طريقها على خديها، ثم قال بنعومة: "الآن… انظري إليّ. ارفعي رأسكِ، ولا تسمحي له أن يكسرَكِ." رفعت لمار بصرها تدريجيًا، كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، وشفَتها السفلى ترتجف بين أسنانها، تحاول أن تجمع بقايا قوتها التي تبعثرت على الأرض. قال بلطف: "لمار… الشعر إن قُصّ، ينمو من جديد، أما إن انكسرتِ أنتِ، فلن تعودي كما كنتِ. لا تنسي ذلك." همست بصوت مخنوق، يغلفه طعم المرارة: "وهل سيعود كتفك كما كان؟" نظر إليها، وقد تأثّر بسؤالها الذي أصاب قلبه، فتمتم باسمها: "لمار…" قاطعته، وقد ترقرق الإصرار في نبرتها المرتجفة: "سيترك ندبة… أليس كذلك؟" رفع يده ووضعها برفق على رأسها، مسح على شعرها المقصوص بلمسة حانية تمتص ألمها، وقال: "كان الأمر مستحقًّا… صدّقيني." … في الطابق السفلي من القصر، حيث الهواء ثقيل بضغط الانتظار، جلس أمجد بقلقٍ ظاهر، بينما كانت فاتن تتحرّك جيئةً وذهابًا، تفرك كفّيها في توترٍ واضح، وعلامات الاضطراب بادية على وجهها، كأنها تحا
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more

الفصل ١٨٧

في السيارة، كان يمان يقضم أظافره، ونظرته قاتمة، سوداء كالقير. يضغط على فكه حتى كادت أسنانه تتكسر وهو يدير المقود بعنف، تتصاعد أنفاسه كأنها لهب حارق يملأ المساحة الضيقة. في ذهنه لم يعد هناك سوى هدفٍ واحد، أو بالأحرى عائق واحد: التخلص من زياد. فزياد بات أقرب من لمار يومًا بعد يوم، وإذا استمر الأمر على هذا النحو، فقد يخسر فرصته الوحيدة لإصلاح زواجهما المتهالك. لا يفهم لماذا كلما اقترب منها، حدث ما يفرّقهما مجددًا... كأن قوة خفيّة تتربص، تدفعهما نحو الانفصال أكثر فأكثر. كان ينظر إلى الطريق بينما صوت لمار يرنّ في أذنه—المرارة في نبرتها، شهقاتها المكتومة، نظراتها المنكسرة... كل شيء يعيد نفسه في ذهنه كأنه شريط لا يتوقف. الغضب، الغيرة، الحسد من زياد، الذنب، الجنون... كلّها تتزاحم داخله، تشكّل عاصفة فوضوية تنهك أعصابه. وكلما تذكّر انهيارها، شعر بألم يعصر قلبه، ألمٌ يشبه الطعن بالسكين. أشعل سيجارة، سحب الدخان acrid (اللاذع) عميقًا إلى صدره، ثم زفره ببطء، كأنه يفرغ داخله من كل تلك المشاعر... لكن الدخان اختفى، وظلت الكوابيس تشتعل في صدره دون رماد. في القصر، اتّسعت عينا هوليا من الصدمة المص
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more

الفصل ١٨٨

كانت تبدو هادئة، بريئة، كطفلة صغيرة بشعرها القصير الفوضوي المبعثر على الوسادة. نامت بعمق بعد ليلة صاخبة وصباح مضطرب، وكان منظَرها يمنحه راحة غريبة. فتحت عينيها بتثاقل، لتجده يحدّق بها بابتسامة دافئة. فركت عينيها، وقالت بصوتٍ ناعس: "لماذا أنت واقف؟" جلس بجوارها على المقعد المجاور ، وشدّ قبضته، يتأمل ملامحها: "تبدين كالأطفال." قطّبت حاجبيها، ليكمل بابتسامة بالكاد تلمع في عينيه: "شعرك القصير... أعطاكِ براءة لا تُصدّق."احتجّت وهي تستند إلى مرفقها: "هل تقول إنني طفلة؟" ضحك، وفرك شعرها برفق؛ حركة لمست أوتاراً في قلبها: "هل أزعجك ذلك؟" في الخارج، كان يمان يقف عند باب الغرفة، يحمل علبة طعام بيده، تجمدت دماء العلبة في يده حين سمع ضحكة عالية تصدح في الممر. توقف مستغربًا، من يضحك بهذه السعادة في المستشفى القاتم؟ اقترب من الغرفة، ومع كل خطوة، كان الصوت يزداد وضوحًا، يغرس خناجره في صدره. نظر من خلال شق الباب، فتجمّد مكانه، كأن الزمن توقف. رأى زياد يعبث بشعر لمار، بينما كانت تحاول إبعاده ضاحكة، بضحكة لم يسمعها منها قط. اتّسعت عينا يمان بدهشة، تمتم في داخله، والحرائ
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

الفصل ١٨٩

"الطبيب قال إنه بإمكاني إعادتكِ إلى المنزل بعد انتهاء المحلول." كان زياد قد جلس على الكرسي بجانب السرير، يراقب يمان بنظرات باردة تزن كل حركة وكل نظرة. لمار لم تقل شيئًا، همهمت فقط بصوتٍ مخنوق: "أمّم..." نظر يمان حوله محاولًا التلطيف من ثقل الأجواء برائحة المعقمات الخانقة: "أعتقد أنني جئت في وقت غير مناسب." أعاد نظره إليها، ينتظر منها أي ردة فعل... لكنها كانت تخفض بصرها بصمتٍ عميق، تهرب من عينيه كأنها تهرب من حقيقةٍ مرّة. شُدّت قبضتها على الغطاء الناصع، وتعرّق جبينها بشعورِ ضيق، خفقات قلبها تسارعت كطبلِ حرب... ثم رفعت عينيها بصوت مرتجف: "يمان... لا أريد أن أُلهيك عن عملك. بمجرد خروجي سأعود مع زياد." كان قد استدار ليغادر، لكن كلماتها أوقفته، وكأن دلوًا من الجليد انسكب فوق رأسه. ارتجفت شفتاه. أراد أن يتكلم، أن يواجه، أن يصرخ، لكنه ابتلع الكلمات وسط مرارةٍ في حلقه. صورة انهيارها في الصباح كتمت كل شيء في داخله. شدّ على قبضته حتى ابيضّت مفاصله، احمرّت عيناه، ثم أكمل طريقه بهدوء مريب دون أن يلتفت... هي لم تعد بحاجته. طالما زياد بجانبها، فبمَ تحتاجه؟ زياد هو من حملها، زياد من لم يط
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
PREV
1
...
1718192021
...
24
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status