All Chapters of حروف بلا صوت : Chapter 191 - Chapter 200

231 Chapters

الفصل ١٩٠

بينما كان الجميع يستخفّ بها، حتى في غيابها، تركوها وحدها تصارع الألم بصمت في ردهات المستشفى الباردة. حاولت مرارًا أن تتماسك، أن تُرمم شروخها، لكنهم كانوا لها بالمرصاد دائمًا. ذاك الذي أحكم قبضته حول عنقها، لا كيدٍ رحيم، بل كحبلٍ يوشك أن يخنقها. دخل زياد الغرفة يحمل بين يديه أوراقًا تخصّ لمار، التي كانت تستعدّ لمغادرة المستشفى. كانت قد ارتدت ملابسها، وجالسة بهدوء قرب النافذة، عيناها شاردة في الخارج، ووجهها باهت كأن الحياة تسرّبت منه كالمياه من أصابع اليد. لم تنتبه لوجوده، فالهواء يداعب خصلات شعرها القصير، وجمالها الذي ازداد حدةً لم يمنحها شيئًا سوى شعور أعمق بالخسارة. ذلك الشيء الذي يخصّها وحدها، كيف يُنتزع منها فقط لأنّ أحدهم ضاق بوجوده؟ دون حتى أن يُكلف نفسه عناء إبلاغها. الآن، ستضطر لمواجهة جديدة… للعيش مجددًا تحت سقف من لا تثق به. لم تكن مستعدة بعد. تدور في رأسها أفكار كثيرة، ترهق عقلها الصغير، الجميل. وعيناها الكستنائيتان، تحملان عمقًا لا يشبه هذا المكان البارد. زياد لم ينبس بكلمة. وقف بصمت، يشاركها النظر من النافذة حيث الأطفال الذين يمرحون في حديقة المستشفى، والناس المتناثرين
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

الفصل ١٩١

كان سؤالها بسيطًا ظاهريًا، لكنه كان مشبعًا بالمعاني، كأنها تخشى الجواب، وتحتاجه في الوقت ذاته لتعرف مكانها. لاحظ زياد ذلك الارتجاف الخفيف في صوتها، وشقّت ابتسامة خفيفة طريقها إلى شفتيه، كمن فهم شيئًا خفيًا لم يُقال. نظر إليها بتمعّن، ثم قال بنبرة دافئة، وكأنه يختبر وقع كلماته عليها: "هل يمكنني أن أحتفظ بالإجابة لنفسي؟" أجابته بسرعة، بنبرة خافتة ولكن فيها شيء من الاعتراض الصادق: "لا." وصلا أخيرًا إلى السيارة، فتقدّم زياد وفتح لها الباب الخلفي، واضعًا يده بلطف عليه كي لا تصطدم به، ودون أن تنظر إليه دخلت لمار وجلست، ووجهها يحمل تعبيرًا واضحًا بعدم الرضا. وضع زياد الأغراض القليلة التي كانت معهما في صندوق السيارة الخلفي، ثم صعد إلى مقعده أمام المقود. ثبت حزام الأمان، ثم التفت إليها بنظرة سريعة عبر المرآة، وابتسم بخفة، قبل أن يقول وهو يزفر بهدوء: "نعم… كانت هناك واحدة." حرّكت لمار رأسها ببطء، وحولت نظراتها نحوه عبر المرآة العاكسة. التقت عيناها بعينيه، نظرة قصيرة… لكنها كانت كافية لتبعثر ما تبقى من تماسكها. كانت تنتظر شيئًا… كلمة، تفسير، أو حتى تلميحًا صغيرًا يطفئ تلك ا
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

الفصل ١٩٢

خفض يمان بصره وهو يتمتم بتوتر، يفرك أصابعه الجافة: "لم أكن أقصد إيذاءها يا جدي..." صاح الجد بنبرة حانقة هزت أرجاء الغرفة: "لكنّك فعلت! ماذا فعلت تلك المسكينة لتستحق هذا العنف؟ لم أرَ منها شيئًا يبرّر ما فعلت بها." أدار يمان وجهه بعيدًا نحو النافذة المغلقة، يحاول كبح انفعاله المشتعل في صدره، وقال بنبرة خافتة تقطر مرارة: "لا أريد بقاء زياد بجوارها. إن كنتَ حقًا تريد حمايتها... فأبعده عنها." ثم رفع نظره ببطء إلى عيني الجد الصقريتين، يتكلّم بهدوءٍ متماسك: "أبعده عنها." زمجر الجد وهو يصرخ فيه، وعروق جبهته تتورم بالدم الحار: "أأنت تملي عليَّ ما يجب فعله يا يمان؟!" أجاب يمان وهو يشيح بنظره إلى الغرفة المجاورة، أنفاسه تتسارع وتسمع في صمت المكان: "لا أقصد ذلك... لكنني لا أضمن تصرّفاتي إن بقي بجوارها." ضاقت عينا الجد وعضّ على أسنانه حتى سمع صريرها: "أتهددني؟" قال يمان بنبرة حادة، حاول أن يُظهر فيها الاتزان ويداه المرتجفتان في جيبيه: "الشيء الوحيد الذي أطلبه... أن يُبعَد زياد عنها. هل هذا طلبٌ خاطئ؟ لا أريد لرجلٍ أن يقترب منها." صمت الجد للحظة، ثقل الصمت خنق أنفاس الغرفة، ثم قال:
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

الفصل ١٩٣

تغيّرت ملامحه، وانطفأ البريق في عينيه ليحل محله قلق مبهم، قال بنبرة قلقة: "هل... أنتِ بخير؟" استدارت ببطء شديد، نظرت إلى عينيه بوجه خالٍ تماماً من التعابير، ثم سألته فجأة بصوت جاف كالصحراء: "هل ستطرد زياد؟" قطّب حاجبيه بدهشة، واشتعلت شرارة الغيرة في صدره مجدداً، وسألها: "هل يهمك الأمر؟" حدّق به بحدة وثبات لا يلين، وقالت بجفاف ينخر العظام: "أهذا جواب؟ أجبني أولاً." ابتسم بفتور مريض وهو يضع يديه على خاصرته باستعلاء: "نعم، سأطرده. هل يزعجك هذا القرار؟" رمت حقيبة يدها على الأرض بقوة جعلت القماش يرتطم بالبلاط الصلب، وصرخت بوجهه بصوت شق صمت القصر: "نعم، يزعجني! يهمّني جدًا!" تجمّد شفاهه، واتّسعت عيناه دهشة، بينما راح قلبه يرتجف بعنف من صراخها المفاجئ الذي لم يعتده منها... نزل الجد بخطوات ثقيلة تئن لها درجات السلم من غرفة يمان، ما زالت ملامحه مشدودة بغضب مكتوم، والصمت يرافقه كظلّه. اتجه إلى غرفة الجلوس حيث كانت العائلة بانتظاره: أمجد، وزوجته فاتن، وهوليا، يتبادلون الحديث فوق فناجين القهوة التي تتصاعد منها رائحة المرارة، وتعلو وجوههم ابتسامات متكلفة صفراء... وكأنهم يتناوبون على ل
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

الفصل ١٩٤

ابتسمت بسخرية مريرة، وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه، ثم همست بنبرة هادئة قاتلة: — لم يكن ليهمّني الأمر لو أنك قلت لي منذ البداية... لو أنك أخبرتني فقط أنك لا تريده حارسًا لي، لكنت تفهّمت. حدّق بها يمان، وصوته انخفض أكثر وهو يشعر بالهوايات تفتح تحته: — إذًا، ما المشكلة؟ لماذا أنتِ غاضبة؟ أعادت نظرها إليه، بعينين دامعتين تلمعان تحت الضوء، كانت تقاتل دموعها الشديدة حتى لا تسقط، لكن شيئًا في داخلها كان ينكسر بصمت مروع: — أنت لا تعتبرني زوجتك، ومع ذلك تقرّر عني. قصصت شعري دون أن تسألني... والآن تطرده، فقط لأنه يزعجك كما فعل شعري. صمتت لحظة تتنفس الصعداء ثم تابعت: — لم أفهم حتى الآن سبب قصك له، لكنني متأكدة من شيء واحد: لا أريدك أن تتحكم في حياتي. لا أريدك أن تمسك زمام أمري وكأنني بلا إرادة... أنا لست دمية... ولا عبدة. اتسعت عينا يمان بصدمة، وقال بدهشة وجرح: — تظنين أنني أريد السيطرة على حياتك؟ بغتة، وبحركة مفاجئة أفرغت فيها كل قهراً تراكم في روحها، رفعت لمار يدها وضربت حوض الورد الفخاري بقوة؛ ارتطم بالأرض وتكسر إلى قطع متناثرة بصوت مدوٍّ، انسابت المياه وتناثر التراب الرطب والزهور الممز
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more

الفصل ١٩٥

أخفضت رأسها، دمعة وحيدة كاللؤلؤة انسابت على خدّها الشاحب، مسحتها سريعًا بظهر كفها تبتلع دموعها، ثم ابتسمت بخفوت وهي تدير ظهرها متجهة إلى الباب بثبات. كانت خطواتها ثقيلة، ثقيلة كمن اختار أن ينقذ نفسه... رغماً عنه وعن هذا العالم. الجميع كان يراقبها بذهول وهي تبتعد في الممر، وفجأة، جاء صوت يمان من خلفها، ساخرًا، مهتزًا، يكسره غرور الذكر المحتضر: — ومن قال إنني أرغب بك كزوجة؟ أنا فقط فعلت ما فعلته... بالمثل. توقفت لمار للحظة قصيرة، ثم ابتسمت بمرارة دون أن تلتفت، وقالت بصوت خافت أخير: — إذاً، اتفقنا. العيون كلها عادت لتنظر إلى يمان المصدوم، الحيرة والرعب على وجوههم، لا لأن لمار خرجت وتخلت عن كل شيء... بل لأن يمان، وللمرة الأولى في حياته كلها، خسر المعركة كلياً. بينما كانت خطوات لمار تزداد سرعة وهي تندفع نحو السلم محاولة الخروج من القصر، دوّى صوت الجد غاضبًا في الممر البارد، يوجه حديثه إلى يمان: "ماذا تفعل؟ اذهب وأحضر زوجتك!" أشار بنظرة قاسية نحو لمار، بينما عيناه تتنقلان بين الوجوه بحدة وشغف لحماية العائلة.لم يرغب أن يبادر بلحاقها حتى لا يزيد من سوء التفاهم بين الزوجين أكثر
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more

الفصل ١٩٦

تبعوه جميعًا بخطوات متسارعة، بعدما أدركوا أن يمان لن يتحرك قيد أنملة. ظل واقفًا، يحدّق من النافذة، متجاهلاً حديثهم وخطواتهم. حتى عندما بدأت والدته تثني على موقفه المتصلب، ظل صامتًا كالجماد، بينما عينا هوليا تتلألآن بشرارة منتصرة وكأنها تشاهد مشهدًا مسرحيًا طالما حلمت برؤيته. أما أمجد، فبقي واقفًا مكانه مصدومًا، عاجزًا عن استيعاب ما يحدث في عائلته المترابطة بالظاهر. أمسكت فاتن بذراعه وسحبته خلفها وهي تتمتم بنبرة خفية: "تخلّصنا منها أخيرًا." وزفرت بارتياح عميق كمن أزاح جبلاً عن صدره. :" لا افهم سبب رغبتك في تفريقهم ؟" رفعت كتفها في إشارة راضية عن الأمر . أغلقت هوليا الباب بهدوء بعد مغادرتهما، ولم تنسَ أن ترسل نظرة أخيرة مسمومة إلى ظهر يمان العريض، ترتسم على شفتيها ابتسامة منتصرة، خبيثة تشتعل بالتشفي. زياد يسير بخطوات واسعة إلى جانب لمار التي خرجت من بوابة القصر الحديدية بخطوات حاسمة تمزق الماضي. "سيدتي الشابة، يمكنني إيصالك إلى أي مكان ترغبين به." قالت لمار بهدوء وهي تحاول إخفاء الغصة المرة التي تخنق حنجرتها وتمنع الهواء عنها: "لم أعد سيدتك الشابة." توقف زياد في مكانه فورا
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more

الفصل ١٩٧

سقط بتعب على الأريكة الجلدية، يستند بظهره على حافتها الخلفية، ينظر للسقف بعينين تلمعان بالدموع الحارقة التي قاومها طويلاً... لكنها فضحته وانهمرت على وجنتيه. " لا يمكن أنني أحببتها..." كانت لمار في سيارة الأجرة، تتأمل الأجواء التي تتبدل بين لحظة والاخرى ،بطريقة غريبة في فصل واحد من خلال النافذة وتعدل جلستها وكأن فكرة مفاجئة أضاءت في بالها العطش. نظرت إلى هاتفها بين يديها المرتجفتين وبدأت تبحث في قائمة الأسماء حتى استقرت على اسم "جنان"، فاتصلت بها فوراً. رن الهاتف في الطرف الآخر بنغمة هادئة ثم جاء صوت أنثوي ناعم، لكن فجأة سمعت زمجرة مبحوحة من جنان: "قولي ماذا تريدين، فأنا أشعر بالتعب الشديد والإعياء." ابتسمت لمار بخفوت ودفء وهي تستمع إلى صوت صديقتها المتذمرة العطوف، وقالت تضم شفتيها بكلمات متقطعة : "أنا آسفة...بسبب نكث وعدي ، لكني بحاجة إليك الآن." فتحت جنان عينها بصعوبة، كانت تحتضن دبها الأبيض الكبير بين ذراعيها نائمة على السرير، عدلت جلستها تفرك عينيها التي ما تزال ناعسة، وسألت بأقتضاب : "من الجيد إنك اعتذرت ...هل حصل شيء؟" أجابت لمار بصوت واهن تقلب عينها للأعلى : "لا شيء، ل
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more

الفصل ١٩٨

ابتسمت لمار بكسر وشرود، تحدق عبر النافذة المبللة واضعة يدها الباردة على الطاولة الخشبية، وقالت: "لم يخطر في بالي أن أرتديه عندما خرجت من القصر." تغيرت ملامح جنان من التهجم العابر إلى القلق الشديد، وقالت بصوت خفيض: "هل ستنفصلين عنه حقاً؟ " ثم بأنفعال :" و ماذا ...حدث لشعرك؟ ؟" أومأت لمار برأسها موافقة بصمت. متجنبة الحديث عن شعرها .لاحظت جنان قطرات الدموع الصغيرة الساخنة التي تشق طريقها إلى عيني لمار الكستنائية الواسعة، رغم محاولتها المستميتة لإخفائها مسحاً بظهر كفها. قالت جنان بنبرة هادئة حنونة: :" ماذا حدث ؟" زفرت لمار بنفس مرتجف ، وشفاه مزمومة ،تعيد ظهرها على المقعد بأبتسامة فاترة . جنان ، تضيق عينها "هل تحبينه؟" كان السؤال مفاجئًا كالصدمة، نظرت لمار بدهشة للحظة ثم ابتسمت محاولة تضليل الموضوع وعرض الحقيقة: "لقد فاجأتني بهذا السؤال." استمرت جنان تحدق بها بتركيز منتظرة جوابها الشفاف. عضت لمار على شفتها السفلى بحرقة قبل أن تفرك رأسها بيدها المرتجفة، وقالت بنبرة تحوي غصة موجعة: "ليس الأمر أنني أحبه، لكن هناك شيئًا لطالما أردت الهروب منه، وعندما قرروا تزويجي
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more

الفضل ١٩٩

"ربما ما حصل خير لكِ... من يدري؟ لعل السماء تخبئ لكِ ما هو أفضل مما مضى." ابتسمت لمار بمرارة شاسعة وهي تهمس بصوت متهدج في كتف جنان المبتل بدموعها: "هل تظنين أن عنوان الكتاب يختلف عن مضمونه؟ هل تظنين أنني لم أحاول تغيير المحتوى؟... جربت، قاومت، أعدت الصياغة مرارًا، لكن الكاتب كان عنيدًا... قاسيًا... رافضًا أن يمنحني نهاية أسهل. صدقيني... صدقيني، حاولت." قالت جنان بصوت باكٍ يختنق بالشفقة: "لمار... أي جحيم خرجتِ منه، وأي جحيم دخلتِ إليه؟" أجابت لمار تعتدل بجلستها ، وتمسح الدموع بظهر كفها ،تحدّق بها بعينين فارغتين كالرماد: "أهلي... وزوجي." في القصر، خرج يمان من الغرفة بعد أن جمع شتات نفسه المبعثرة. راح يسير بخطى ثابتة تصعق الخشب بين ممرات القصر الباردة، غير مبالٍ بتلك النظرات التي لاحقته من العاملين... نظرات متسائلة، تحمل في طياتها علمهم بما حدث بينه وبين لمار. عينٌ واحدة فقط كانت تتابع مسيره بصمت وريبة، وهو ينزل عبر السلم الرخامي المؤدي إلى الطابق السفلي. كان قد عدّل هندامه وارتدى سترةً قماشية بنية تفوح منها رائحة العطر البارد، مطابقة لبنطاله، وتحتها قميصٌ أبيض ناصع، بدا وكأنه ل
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
PREV
1
...
1819202122
...
24
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status