All Chapters of حروف بلا صوت : Chapter 31 - Chapter 40

231 Chapters

الفصل ٣١

كانت عينا ليلى تشعان بتحدٍّ صارخ وهي تحدّق في والديها، وكأنها تسألهما بصمت لاذع: أتنوون تزويجها كشاةٍ تساق، دون أن تسألوها إن كانت ترغب بذلك، أو إن كانت مستعدّة له؟ تكلّمت هية بثقة عمياء، متجاهلة تماماً نظرات ابنتها الصغرى الحادّة. كانت ليلى هي الأخت المدللة في هذا البيت، المدللة إلى حدّ لم يُرفض لها فيه طلبٌ يومًا، مما غذّى اعتزازها بنفسها وجعل منها شخصية جبارة لا تخشى المواجهة. لكن ليلى لم تكن لمار مجرد أخت صغرى؛ بل كانت درعها الواقي، وصوتها الصاخب حين يخرسها الخوف، وقرارها الحاسم حين تعجز عن اتخاذه. كانت، ببساطة، ملاكها الحارس الذي يذود عنها صقيع هذه العائلة. قالت هية مبرّرة ببرود لا مبالٍ: "ولمَ لا ترغب لمَارَ في الزواج؟ إنّها الآن في سنّ مناسبة، والرجل المتقدّم لها مناسب جداً ولا يُرفض." تدخّلت ليلى سريعاً، ونبرتها المبحوحة تقطر سخرية لا ترحم: "أنتم لم تكلفوا أنفسكم عناء سؤالها حتى إن كانت تحبّ أحداً! ألم يخطر ببالكم العبقري أنها في سنّ يسمح لها بالمواعدة؟ إنها في الجامعة الآن وسط مجتمع مفتوح، كيف لم يخطر لكم هذا؟" رمقتها هية بنظرة قاسية مشحونة بالاستهزاء والتحقير:
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٣٢

التفتت هية وخرجت من الغرفة بخطوات حازمة، يتبعها قيس الذي أطلق شخير تذمر ساخر مؤيداً لزوجته، تاركين خلفهما لمار وليلى بمفردهما في غرفة المعيشة التي تفوح برائحة التبغ المخنوق. كانت نظرات ليلى معلقة بشقيقتها، ممتلئة بالشك والتساؤلات، وقالت بنبرة هامسة: "لِمَ أخفيتِ عني أمراً كهذا؟ لِمَ لم تخبريني أنكِ تعيشين قصة حب؟" وضعت لمار يديها على رأسها بحيرة قاتلة... لقد اعترفوا جميعاً بأنها قالت إنّ لديها حبيباً، لكنها لم تنطق! فكيف سمعوا؟! نظرتُ إلى ليلى وسألتها وهي تشير إلى صدرها بذهول: "ليلى.. أقسم لكِ، هل قلت حقاً وبصوت مسموع إنّ لي حبيباً؟" بابتسامة جانبية ماكرة، تقدمت ليلى ودعت جبين لمار بلطف بطرف إصبعها: "هل بدأت ذاكرتكِ تخونكِ يا فتاة من أثر الصدمة؟" ثم ثبتت كفها بحنان على جبين لمار تتحقّق إن كانت حرارتها مرتفعة أو تأثرت جسدياً من الصفعة العنيفة التي تلقتها منذ قليل من والدتها. أزاحت لمار يد شقيقتها برفق، والـانزعاج بَادٍ على ملامحها الشاحبة: "أنا بخير.. لا أعاني من حُمّى ولا من هذيان. أنا لا أملك حبيباً بالمعنى الحقيقي، ولكن... " وهنا خفتت نبرتها، لتصبح أنعم وأكثر خجلاً
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٣٣

وفي نفس الليلة.. في منزل القرية الهادئ. دخلت ليلى ولمار إلى غرفتهما المشتركة، وأغلقتا الباب خلفهما لتنعزلا عن العالم الخارجي. جهزتا نفسيهما للنوم، وارتدتا بيجامات النوم القطنية المريحة، لكن عقولهما كانت لا تزال غارقة في حديثهما المشوق وغير المنتهي. تلك الليلة، تحدّثتا طويلاً جداً... امتزجت ضحكاتهما العفوية بشجونهما، بينما كانت لمار مستلقية على سريرها، تروي تفاصيل قصتها العجيبة مع "أميرها المجهول" الذي اختطفها. استرسلت لمار في سرد الحكاية بكل مشاعرها المخفية، منذ اللحظة الأولى في القصر وحتى لحظة عودتها المريبة إلى المنزل. استمعت ليلى باهتمام حذر، وكانت عيناها تلمعان بحماس وإثارة بالغة، وقالت لها بانفعال وهي تصفق بيديها خفية: "يا إلهي يا لمار! أشعر وكأنني أستمع لقصة في قلب رواية خيالية أو أسطورة درامية!" ابتسمت لمار بخفة وهزت رأسها؛ فحتى هي في أعمق نقطة بروحها كانت تشعر بالشيء ذاته، وكأنها عاشت أياماً بداخل رواية مكتوبة بعناية، ولكن نهايتها لم تكن سعيدة كما تكتب الروايات عادة... بل انتهت بطرد ورفض صامت. ولأن الحماس جرفها مع شقيقتها، أخبرت لمار ليلى عن تلك السرقة الجريئة.. عن "
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٣٤

شعر باهتزاز خفيف في جيبه. ابتعد عن أسوار المنزل بخطى حذرة، أخرج الهاتف ووضعه على أذنه، وقبل أن ينطق بحرف، باغتته النبرة المتحمسة والمضطربة لتيم من الطرف الآخر: "زياد... زياد!" قاطعه زياد بنبرة هادئة ومتحفظة: "هاه.. أسمعك." "أرجوك يا زياد، أريد معرفة هوية الفتاة التي نقلتها من القصر ... أيمكنك فعل ذلك؟" قلّب زياد بصره في عتمة الليل، مثبتاً نظراته على الضوء الضئيل المتسلل عبر نافذة غرفتها، وتنهد بثقل: "ألم تقل إنك ستطوي صفحتها تماماً ما إن تغادر (قصر الثلج)؟ أغيرت رأيك الآن؟" "إنها... إنها تشغل الحيز الأكبر من تفكيري، لا تخرج من عقلي!" قال تيم مبرراً بنفاد صبر. ملامح زياد تشنجت في الظلام، وبنبرة جافة اعتذر: "آسف... لقد غادرت المدينة بالفعل، ولا أستطيع فعل شيء لأجلك." أغلق الهاتف فجأة قبل أن يسمع رد تيم. اشتدت قبضته حول هاتفها حتى ابيضت مفاصله، وتمتم من بين أسنانه بغضب: "يا له من لعوب.. يمتلك واحدة بالفعل، ويرغب بالثانية!" في الصباح الباكر.. فتح يمان عينيه ببطء، وكان السرير بجانبه بارداً وخالياً... ربما غادرت قمر مبكراً كعادتها. فكّر بذلك وهو يمرر أصابعه الطويلة
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٣٥

ارتجف جسدها الممدد على السرير، وفتحت عينيها بفزع تتنفس بصعوبة. التفتت حولها لتجد نفسها لا تزال في غرفتها الآمنة. كان قلبها يقفز بجنون، ولولا أن صدرها محاط بالأضلع لظنت أنه سيخرج من مكانة ويهرب. "ماذا كان هذا الكابوس؟" همست بحاجبين مقطبين. حاولت تذكر التفاصيل، لكنها نسيت أكثر من ثلثي الحلم، ولم يعلق بذاكرتها سوى ضيق ذلك الظلام الحالك وفستان الدم. تمتمت بنبرة تطمين واهية: "لا بأس." رفعت يدها أمام وجهها عندما شعرت بأشعة الشمس الحارّة تلامس بشرتها من خلف الستائر المفتوحة قليلاً. نظرت إلى هاتفها بجوار السرير؛ لقد كانت الساعة تشير إلى الظهيرة! لقد نامت طويلاً بشكل غير معتاد، وما أثار دهشتها وقلقها أكثر هو أن لا أحد في البيت جاء ليوقظها أو يصرخ في وجهها كالعادة. بحثت بعينيها عن ليلى، لكن السرير الآخر كان خالياً. همست بدهشة: "لم أكن أعلم أنكِ أصبحتِ نشيطة لهذه الدرجة يا ليلى." نهضت بسرعة، رتبت السرير، ثم اندفعت نحو الحمام. اغتسلت لتطرد بقايا الكابوس، غيّرت ملابسها إلى ثياب مريحة، ووضعت القليل من مساحيق التجميل لتخفي شحوب وجهها، ثم صففت شعرها بعناية. كانت مستعجلة، فهذه أول مرة تس
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٣٦

صعب عليها، أن تبتلع طريقة معاملة عائلتها الجافة والمهينة لها، لذا قررت المغادرة فوراً والهروب من هذا الخناق. ركضت إلى غرفتها لتجمع حقيبتها، فتبعتها ليلى وهي تنادي بحنان وقلق: "لمار! انتظري!" لكن لمار ابتعدت وأغلقت الحقيبة، في حين كان صوت هية يعلن في الصالة بكل ثقة وتشفٍّ: "كنت أعلم أنها تكذب! ادعت أن لديها حبيباً فقط لتهرب من الزواج. إنها غبية ومسكينة، حتى إنها لا تعرف كيف تجعل شاباً يعجب بها، ونحن أصلاً لم نمنعها يوماً!" صرخت ليلى بوجه والدتها بانفعال لم يسبق له مثيل: "ماذا تفعلين ؟! لكن لمار كانت قد حسمت أمرها؛ حزمت أغراضها الأساسية بسرعة مذهلة، وتخطت الجميع مغادرة المنزل دون التفاتة واحدة للوراء. ركضت لمار لفترة لا بأس بها في طرقات القرية، حتى استبد بها التعب وجف حلقها، فهي لم تتناول قطرة ماء أو لقمة طعام منذ الصباح، مما جعل الإرهاق يتسلل إلى جسدها النحيل بسرعة. لم تكن تعرف إلى أين تذهب؛ كانت تمشي فقط، تائهة بين الأزقة والبيوت المتلاصقة. كانت تعلم أن هناك مكاناً آخر ينتظرها، جامعتها، مستقبلها، دراستها في المدينة... لكن لأول مرة في حياتها، شعرت أن رأسها فارغ تماماً و
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٣٧

"كلها بضعة أمتار، تستطيعين أن تقطعيها سيراً على الأقدام لتصلي إلى المحطة." قالتها لمار لنفسها بصوت هامس، محاولةً أن تزرع بذرة شجاعة في قلبها الصغير الذي تجمّد من الخوف، والبرد، وقسوة الخذلان العائلي. لكن تلك "البضعة أمتار" تحوّلت في ميزان وجعها إلى كيلومترات طويلة، مرهقة، أثقلت قدميها وجعلت كل خطوة أشبه بسحب صخرة. ظلّت تمشي، تحمل حقيبتها بيدٍ مرتجفة، وتضم بالذراع الأخرى جسدها المتجمد الذي لم يكن يرتدي ما يكفي ليحمي نفسه من لسعات الشتاء القارس ونسماته القاتلة. رنّ هاتفها في الحقيبة، فتجاهلته ببرود. من عساه يتذكرها الآن؟ هل هو قلقهم المتأخر؟ أم تأنيب جديد من والدتها؟ في كلتا الحالتين، لم تظن أن الأمر مهم بعد الآن. تابعت سيرها والغصة تحاصر حنجرتها كالطوق، حتى وصلت أخيرًا إلى المحطة المتهالكة، حيث ستستقل حافلة تقلها إلى المدينة، ومن هناك تتوجه إلى الحرم الجامعي الذي كان يمثل ملاذها الأخير. جلست على المقعد الخشبي البارد، وراحت تقلب في رأسها أحداث الأيام القليلة الماضية. أدركت فجأة كم أن تلك الأيام -رغم قلّتها- كانت محمّلة بزخم مرعب، وكأن السماء قررت دفعة واحدة أن تُسقطها في متاهة ظ
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٣٨

في القرية.. مرّت الحافلة القديمة التي ستقلّ لمار إلى المدينة، فتوقفت أمام المحطة بصرير مزعج. لملمت لمار نفسها، ورفعت حقيبتها، وتقدّمت بخطى مثقلة منكسرة نحو الباب. كانت على وشك وضع قدمها على العتبة الأولى للصعود، عندما أوقفها صوت يناديها من بعيد... صوت مبحوح ومألوف. توقفت. تسمرت في مكانها. التفتت ببطء. كانت ليلى! تركض نحوها بأقصى سرعة تمتلكها. في تلك اللحظة، أحست لمار بشيء صلب يُزاح من فوق صدرها، وكأن تنفّساً عميقاً من الأكسجين اخترق رئتيها المختنقتين، وارتسمت ابتسامة باهتة وصادقة على شفتيها الشاحبتين. نظرت إلى شقيقتها وهي تقف أمامها تلهث بشدة، تمسك بخاصرتيها محاولة التقاط أنفاسها، ووجهها الأسمر يلمع بتعبه الملائكي الخلاب. صرخت ليلى بصوت مرتجف يكسره البكاء: "إلى أين؟!" تجعدت حاجباها، وكادت دموعها تنزل وهي تكمل بصوت متقطع عاتب: "إلى أين تذهبين دون حتى أن تودعيني؟ أهكذا أهون عليكِ؟" أنزلت لمار قدمها من عتبة الحافلة ببطء، وتراجعت للخلف. التفتّ إليها بالكامل، وهمست في داخلها بينما بصيص أمل أضاء عتمة قلبها: "أنتِ فقط.. أنتِ من تستحقين أن أبقى لأجلها." أفلتت حقيبتها لتسقط
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٣٩

كانت الشمس قد غربت تماماً، تاركةً وراءها سماءً مخضبةً بأطياف مغيب دامٍ، بينما انساب النسيم البارد بين كتل المباني الأسمنتية حاملاً معه عبق المساء الشتوي الراكد. القمر، على الرغم من نقص تكوينه، كان يفرض هيبته بنور الفضي هادئ، تتناثر حوله نجمات ساطعة كحبات لؤلؤ منثورة بعناية على صفحة السماء المخملية الواسعة. على الجسر المرتفع، سارت سيارة سوداء فارهة ببطء هادئ. كان الشارع شبه خالٍ من الحركة، فيما انبعث من أعمدة الإنارة توهج أصفر كثيف، يعكس ضياءً يخدع الأبصار كأن النهار يأبى الرحيل، لولا ذلك الأفق المظلم القابع في البعيد والذي يذكّر بحقيقة الليل الزاحف. في الداخل، كان يمان يجلس خلف المقود، مستنداً بيد واحدة على عجلة القيادة بملل، بينما جلس كرم إلى جانبه يتفقد شاشة هاتفه بتكاسل. رنّ الهاتف فجأة، وانعكس اسم "أمي" على الشاشة الرقمية للسيارة. ضغط يمان على زر الرد، ونطق بنبرة باردة حاول بها إخفاء اضطرابه الداخلي: "نعم، أمي؟" جاء صوت فاتن حادّاً من الطرف الآخر، يحمل نبرة أمر عسكرية لا تقبل جدالاً: "لقد أخبرتُك أن تعود إلى المنزل فوراً. هناك جبال من الترتيبات والأمور التي يجب علينا إ
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٤٠

في الجانب الآخر استقلت لمار وليلى السيارة في صمت مطبق. جلست ليلى في مقعد الراكب الأمامي بجوار والدها قيس الذي كان يقود بهدوء، فيما اتّخذت لمار مكانها في المقعد الخلفي تماماً. أسندت رأسها المتعب إلى زجاج النافذة البارد، وعيناها تراقبان الطريق الريفي بجمودٍ غريب وخاوٍ من الحياة. لكنها، ولسبب ما، شعرت بشيء مختلف هذه المرة... كانت السماء، الأشجار، وحتى ذرات الغبار التي تراقصت على زجاج النافذة تبدو في عينيها جميلة بشكل مفرط. تساءلت في سرها بنبضات واهنة: هل يمكن أن يكون الاكتئاب والوجع قادراً على إعادة تلوين ملامح العالم بهذا الشكل السريالي؟ نعم... اليوم، وللمرّة الأولى، آمنت بذلك الشعور الغريب؛ عندما يوشك المرء على خسارة نفسه، يرى كل شيء حوله يودعه بجمال باهت. أغمضت عينيها دون قصد من فرط الإنهاك، وغفت لدقائق معدودة. أفاقت على لمسة رقيقة من يد ليلى وصوتها يهمس برفق: "لمار.. استيقظي عزيزتي، لقد وصلنا." فتحت عينيها ببطء، وكانت ابتسامة هادئة وحزينة تراود ملامحها الشاحبة. تمدّدت قليلاً لتطرد بقايا النوم، ثم نظرت إلى شقيقتها وهمست في أعماقها: "كم تبدين مطمئنة ونقية يا ليلى... ليت
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more
PREV
123456
...
24
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status