All Chapters of حروف بلا صوت : Chapter 41 - Chapter 50

231 Chapters

الفصل ٤١

قبل يومين من الزواح ، كان المنزل يعجّ بالمهنئين والضيوف. وجوه كثيرة تدخل وتخرج، كلها ترتدي ابتسامات عريضة وتُبارك بصوت صاخب، يرددون كلمات تهنئة مكرّرة ومستهلكة عن حياة مقبلة سعيدة وزوج محب، وأمنيات بيضاء تُلقى جزافاً في الهواء. كانت لمار تقف بينهم كآلة صامتة، تبتسم بلطف مُصطنع يخفي انكسارها، تنحني قليلًا احتراماً للعادات، ثم تعود لتتوارى في ظل زاوية معتمة من الصالة، حيث لا شيء يُطلب منها سوى التحمّل والصمت. جلست إحدى السيدات المسنات قربها، وربتت بحنان على يدها الباردة قائلة: "أتمنى لكِ من أعماق قلبي حياةً هانئة يا ابنتي، وزوجاً يعاملكِ كأميرة متوجة... فالحب في هذا الزمن نعمة عظمى، وليس كل فتاة تنالها." كانت كلمات السيدة دافئة كجرعة ماء في صحراء، لكن ما زاد البرودة والصقيع في قلب لمار هو صوت أمها "هية" الذي أعقب الكلمات فوراً، بنبرة سخرية لاذعة وقاسية أمام الجميع: "أشكّ في أن تنال ذلك! حتى الأن لم يتحدث معها." نظرت لمار نحو والدتها بدهشة عارمة وصدمة شلّت أطرافها، محاولةً أن تقرأ في ملامحها القاسية أي مبرر لتلك الرغبة العارمة في تحطيمها علناً، لكن أمها أدارت وجهها ببرود مريع
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٤٢

مرّ الوقت ثقيلاً وبارداً في ردهات المستشفى. كانت لمار لا تزال مستلقية في سريرها تحيط بها الجدران الباهتة، حين دخل الطبيب بخطى هادئة تتبعه ممرضة تحمل ملفها الطبي. اقترب منها، وأخرج مصباحاً صغيراً موجهاً و ميضه نحو حَدقتيها ليفحص استجابتهما، ثم أخذ يتأمل تقارير المختبر باهتمام وعناية. من خلف الزجاج المصقول، كانت ليلى تراقب المشهد بترقّب وقلق، بينما بدأت الأم تستعيد لون وجهها الطبيعي تدريجياً، متخلصة من شحوب الذعر بعد أن استفاقت لمار تماماً من غيبوبتها النفسية المؤقتة. رفع الطبيب نظره عن الأوراق، ووجه نحو لمار ابتسامة هادئة متسائلاً: "كيف تشعرين الآن ؟" أجابت لمار بصوت خافت، مبحوح، وبالكاد يخرج من بين شفتيها: "أشعر بدوار خفيف.. وثقل في رأسي." اتسعت ابتسامة الطبيب مطمئناً إياها: "كل شيء على ما يرام، لا داعي للقلق أبداً. فحوصاتكِ الحيوية مطمئنة تماماً، لكنكِ تعانين من فقر دم حاد وإرهاق جسدي شديد، وهذا طبيعي بالنظر لقلة التغذية. سأكتب لكِ بعض المقويات والفيتامينات وعليكِ الالتزام بها." قاطعته لمار بنبرة قلقة، وعيناها تتفحصان سقف الغرفة الجبسي: "متى يمكنني الخروج من هنا؟ أش
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٤٣

كيف لأمر خطير كهذا أن يغيب عنه؟ أخذ يشتم نفسه بغضب عارم في داخله لأنه رحل وغاب في هذا التوقيت الحرج. تمنى لو علم قبل ذلك ليفعل أي شيء... ولكن، ماذا كان بإمكانه أن يفعل؟ هل يقتحم القرية ويوقف الزفاف؟ وبأي صفة سيفعل ذلك ولمار لا تعرف حتى من هو ؟ ماذا سيقول لها؟ هل سيقول: "أنا من حررتكِ من يد تيم في ذلك القصر اللعين"؟ وهل ستصدقه ام إنها ستعتبره شريكاً لتبم ؟ احتار في أمره وتخبطت أفكاره، لكن رغبته في رؤيتها والبقاء حولها كانت تطغى على كل شيء. في مثل حالته العاجزة، كانت رؤيتها وهي بخير وتقف على قدميها تكفيه . صباح اليوم الموعود.. يوم الزفاف سرعان ما انشق الفجر ودقّت ساعة اليوم المشؤوم. كانت لمار قد استعادت نشاطها ولون بشرتها الطبيعي، ولكنها كانت لا تزال تعاني من كوابيس ليلية مجزأة؛ كلما استيقظت فزعة لم تتذكر سوى مشهد غير واضح ، وفي أغلب الأحيان تستيقظ بغصة دون أن تذكر شيئاً. جفلت فجأة على صوت والدتها الحاد وهي تقتحم الغرفة. كانت لمار لا تزال تلهث كمن يطاردها وحش في المنام، شعرها مبعثر وعالق ببشرتها المبتلة بعرق الخوف، وقبضتها مشدودة بقوة هستيرية على الغطاء: "لمار! هيا استيقظي، ال
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٤٤

بعد تأمل طويل وعميق في مجريات الأحداث العاصفة التي أخذت تقلب حياتها رأساً على عقب، استسلمت لمار لنعاس ثقيل وجاثم، غافيةً في المقعد الخلفي للسيارة كعادتها القديمة التي لم تتمكن يوماً من التخلص منها. غرقت في نوم عميق ومريح، بينما كانت المركبة الفارهة تمضي بهدوء سلس فوق الطريق الممتد، لم يُعكِّر سائقها صفو راحتها قط، بل منحها بأسلوب قيادته المتزن إحساساً عميقاً بالسكينة والأمان. كانت السيارة فسيحة وحديثة الطراز، تكسو مقاعدها الجلود الطبيعية الناعمة، وتتزين سقوفها بإضاءة داخلية مبتكرة تبدو كشرارات متلألئة، كأنها نجوم متناثرة في فضاء ليلٍ بهيم. ولطالما عشقت لمار تأمل السماء والنجوم في قريتها؛ فكانت تلك الأجواء المخملية – من سير السائق الهادئ، وفخامة السيارة، وتلك النجوم الاصطناعية المتلألئة في السقف – كفيلة بأن تشعرها بالاسترخاء المطلق، لتدخل بعدها في غفوة عميقة أنستها بؤسها. المدهش في أمر لمار أنها كانت تنام في السيارات كما لو كانت مستلقية في سريرها الوثير، دون أن تفرّق بينهما، متجاهلةً تماماً أي موقف محرج أو نظرة قد تتعرض لها أثناء نومها. لكنها، وبكل صراحة، لم تكن تملك أي قدرة على مق
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٤٥

فقال محاولاً بث الطمأنينة في قلبها الخائف: "لا تقلقي سيدتي الشابة ، الآن في الداخل سيكون كل شيء دافئاً وعلى ما يرام." (ولم تكن تعلم لمار في تلك اللحظة أن حديثهما العفوي هذا سيكون الشرارة الأولى والسبب الرئيسي في تطور علاقتهما العميقة فيما بعد). بعد أن انتهيا من موجة الترحيب العارمة في الخارج، بدأت موجة أخرى أكثر دفئاً ورسمية في الداخل، وهنا كانت تنتظر عائلة الشاب الحقيقية، العائلة التي أصبحت الآن عائلتها رسمياً. كان الجميع يرتدون أفخم الملابس وأثمن المجوهرات، ينتظرون في الصالة الداخلية الدافئة خشية البرد القارس في الخارج، وعلامات السعادة والرضا بادية على وجوههم. عندما بدأت لمار في التقدم، همس السائق من خلفها بنبرة منخفضة: "سيدتي الشابة." هدأت من خطاها والتفتت قليلاً تسأل: "ماذا هناك؟" تابعت إشاراته وهي تنصت إليه باهتمام أكبر: "ذلك الرجل الواقف على اليمين، متوسط العمر، ويرتدي بدلة رمادية فاخرة، هو السيد قيس.. والد السيد الشاب يمان. والتي ترتدي الفستان الخمري الطويل وتغطي كتفيها بالفرو الأبيض الثمين، في بدايات الأربعينيات من عمرها، هي السيدة فاتن.. والدة السيد الشاب. أ
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٤٦

ارتفعت ضحكات الجد جنيد قوية وجهورية، لتملأ أركان القاعة الفخمة بصدى عميق يحمل الهيبة والوقار، بينما جذب لمار من يدها بحميمية بالغة قائلًا: "تعالي يا ابنتي.. اجلسي هنا بالقرب مني تماماً." في تلك اللحظة، تقدم السائق الشاب الذي كان يرافقها بخطى هادئة وموزونة كأنه ظلها، وسحب الكرسي الوثير القابع على يسار الجد مباشرة، وتهيأ لمساعدتها على الاستقرار في جلستها بفستانها الأبيض الضخم. ما إن استقرت لمار في مقعدها، حتى راحت تتأمل وجوه العائلة المحيطة بالطاولة الدائرية الكبيرة. بدا العبوس والارتباك يعتري ملامحها الشاحبة، وشعرت بثقل يجثم على صدرها وكأنها ارتكبت ذنباً لم تقترفه. ولكن، على النقيض تماماً، اتسعت ابتسامة السيد قيس وزوجته فاتن، وبدا السعد والفخر يغمران ملامحهما من هذا الحظوة التي نالتها العروس لدى كبير العائلة. لكن الارتباك الحقيقي اعتراها حين التفتت لتتفحص وجوه بقية أفراد العائلة؛ فقد كان الحضور الليلة يضم خطوطاً متشعبة وأشخاصاً كثر لم ترهم من قبل. علا الغضب وعدم الرضا على ملامحهم، وشعرت بحرارة خفية متوترة تتسرب إلى أطراف أصابعها الباردة وهي تسمع همساتهم المسمومة تتدفق عبر الطاولة:
last updateLast Updated : 2026-07-21
Read more

الفصل ٤٧

استرسل الجد مؤكداً وعيناه تتفحصان الوجوه الغاضبة:"أنتم تعلمون جيداً أنها ارتبطت بعائلتنا منذ نعومة أظفارها.. قيمتها ومكانتها في قلبي لا تختلف عن مكانة يمان أبداً. فليحذر الجميع في تعاملهم معها، لأن أي تقصير أو إهانة تصدر من أي أحد منكم بحقها، لن أسامح أو أغفر له البتة ."ساد الصمت، وجلس الجميع في مقاعدهم بوجوم وبدأوا يتناولون الطعام من الوليمة الفاخرة. وقبل أن تلمس اللقمة أفواههم، التفت الجد نحو لمار وقال بنبرة معتذرة ونادمة:"نعتذر منكِ يا عزيزتي.. كنا ننتظر قدوم يمان بفارغ الصبر ليشاركنا هذه الفرحة، لكن هناك مشكلات طارئة وشائكة في الشركة لم تحتمل التأجيل قط. نحن آسفون حقاً لإبقائكِ وحيدة في مثل هذا اليوم.. آمل أن تسامحينا."أخفض الجد رأسه قليلاً علامة الأسف، وكذلك فعلت فاتن وقيس تضامناً معه.حينها، قرر أحد الجالسين على الطاولة كسر هذا الاعتذار؛ وكان هو عم يمان الأصغر "حازم"، شاب في منتصف الثلاثينيات، أنيق ومثقف، يرتدي نظارات طبية تليق بوجهه الوسيم الخالي من العيوب - (وكأن هذه العائلة تشيخ متأخرة، أو أن هناك سراً وراثياً جينياً يمنحهم الشباب الدائم) - وكان يرتدي بدلة فضية فاخرة وساع
last updateLast Updated : 2026-07-21
Read more

الفصل ٤٨

وكزته زوجته بمرفقها سريعاً حين لمحت بطرف عينها أن لمار تلتفت وتنظر إليهما، لتجبره على الصمت، ورسمت لـلمار ابتسامة صفراء ومزيفة محاولة تدارك الموقف وتغطية الأمر. لم تنطق لمار بحرف، ولم تزعج نفسها بالرد أو الالتفات لأجلهم؛ فلدى قلبها ما يكفي من الهموم والمشاكل، وليست متفرغة قط لتجرع سموم هرائهم وحقدهم. التفتت نحو السائق الذي كان يقف خلفها ينتظر إشارتها، بصوت هادئ: "دعنا نذهب من هنا.." أحنى رأسه بطاعة: "أمركِ يا سيدتي"، وبدأ يسير خلفها . بينما كانا يسيران في الردهة الطويلة والممتدة للمطعم، المضاءة بخفوت رومانسي ساحر، استوقفها فجأة، وانطلق صوته الرخيم يكسر صمت المكان الحذر: "انتظري هنا قليلًا لو سمحتِ.." نظرت إليه، وارتسمت على ملامحها دهشة واضحة مزيجاً من الفضول والخوف الخفي من البقاء وحدها في هذا الممر. ثبّت عينيه البنيتين العميقتين في عينيها وقال بعزم: "سأعود حالاً.. انتظريني." تركها وانطلق بخطوات سريعة وواسعة راكضاً نحو العمق. بعينين متسعتين بالاستغراب، كانت تراقبه وهو يبتعد ويتلاشى ظله الطويل من أمامها في ذلك الممر الممتد، وشعرت بوحدة مفاجئة وباردة تلف كيانها بغيابه. لم يتركه
last updateLast Updated : 2026-07-21
Read more

الفصل ٤٩

"زياد..." همست لمار تلك الكلمة في أعماقها، وتذكرت كيف نطقها هو للمرة الأولى؛ نبرة عميقة ورصينة تسربت إلى مسامعها، كأنها تحمل وعوداً غامضة وأسراراً لم تكتمل فصولها بعد. لم تكن تعلم قط أن هذا الرجل، الذي ظنت في البداية أنه مجرد عابر سبيل يقود مركبتها، سيلعب دوراً محورياً يفوق كل خيالاتها وتوقعاتها. عندما قادها في البداية، اعتقدت أنها المرة الأخيرة التي سيلتقيان فيها، أو ربما مجرد لقاء عابر قد تسوقه الصدفة في ممرات الأيام. لكن حضوره الطاغي، واهتمامه اليقظ بكل تفاصيلها، وصمته الذي لازمها كظلها... كان كفيلاً بأن يزرع في صميم قلبها طمأنينة خفيفة، خففت الكثير من رجفتها الطفولية. كانت تظن أنه، كعادته اللطيفة، سيوقظها برقة عند الوصول، ليُعلمها أنهم وطأت أقدامهم عتبة هذا القصر الشاهق الذي بات "منزلها" وملاذها الجديد. لكن بدلاً من ذلك، وفي غمرة نومها، شعرت بيدٍ رقيقة وقوية تلتف بعناية تحت ساقيها النحيلتين، وأخرى تحيط بظهرها بقوة، لترفعها برفقٍ تام من فوق مقعد السيارة الخلفي. لم تكن تعي في تلك اللحظات ما يحدث حولها؛ بدا الأمر كأنه حلمٌ غريبٌ وساحر يراود مخيلتها المنهكة. غرقت في حلمها وهي تشعر ب
last updateLast Updated : 2026-07-21
Read more

الفصل ٥٠

حدق بها بدهشة لا تخلو من البرود وهو يدس يده في جيب بنطاله متقدماً نحوها خطوة، وسأل بنبرة جافة وساخرة: "ألا تعرفين حقاً من أكون يا فتاة؟" تجاهلت سؤاله المربك، ومتجاهلة بروده الطاغي، وأخذت تبحث بعينيها بلهفة عارمة في أرجاء الغرفة عن زياد... لماذا لم يحذرها السائق من وجود رجلٍ غريب ومرعب كهذا في المكان؟ ازداد قلقها ورعبها، وتراجعت إلى الخلف بخطوات متعثرة وهي ترفع أطراف فستانها الضخم بكلتا يديها حتى لا تسقط، خاصة وأنها الآن حافية القدمين ولا ترتدي الكعب العالي الذي يوازن طول الفستان مع قامتها. ثبت نظراته في عينيها، كأنه يخترق حصون روحها، لكنها سرعان ما أخفضت رأسها هاربة من حدة عيونه القاتلة. شعرت بوجهها يشتعل بحرارة محرقة، وحمرة خديها الطبيعية تفضح ارتباكها العميق أمام هذا الجسد الطويل. وضعت كفها على جبينها تمسح حبات العرق التي بدأت تتجمع من فرط التوتر، محاوِلة أن تثبت نظرها في الأرض الباردة. وفجأة، اقترب منها بحركة مباغتة وسريعة كالنمر الكامن في الظلام، ورفع رأسها بقسوة مستخدماً إبهامه الذي ضغط به على ذقنها، قائلاً بنبرة حادة كحد السكين: "انظري في عينيّ مباشرة عندما أتكلم معكِ!" ار
last updateLast Updated : 2026-07-21
Read more
PREV
1
...
34567
...
24
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status