All Chapters of حروف بلا صوت : Chapter 21 - Chapter 30

231 Chapters

الفصل ٢١

وفي الوقت ذاته، في المخبأ السري تحت الأرض. كانت لمار لا تزال تنظر بتمعن إلى تيم الذي جلس أمامها على المقعد المقابل. اطفئ شاشة هاتفه وضعه على الطاولة ، حمل الملاعق المعدنية، وقد حضّر بنفسه طبقين من نودلز سريعة التحضير الساخنة، وأضاف إليها شرائح اللحم المشوية بدقة، بينما استقرت على الطاولة كأسان مملوءتان بالماء النقي. نظرت إليه بدهشة طفولية وعلقت: "اعتقدت أنك ستشرب النبيذ الفاخر في كؤوس كريستالية؟ هذا ما يفعله أصحاب الطبقة المخملية في العادة، أليس كذلك؟" رمقها بنظرة حادة رافقتها ابتسامة صغيرة متهكمة، وهو يقضم قطعة من اللحم: "كفاكِ تطفّلاً " كان يبدو كمن يتعمد إبقاء مسافة أمان رسمية بينهما بشكل غريب. أشار نحو طبقها الموضوع أمامها بعناية وقال بلطف جاف: "كلي." أمسكت الشوكة، وبدأت في تناول الطعام، لكن الانزعاج كان مرتسماً بوضوح في عقدة حاجبيها، فقالت بتذمر: "يبدو أنك لا تحب الحديث عن نفسك أبداً." أجابها بنبرة قاطعة وصارمة: "صحيح... لا أحب." نظرت إليه بدهشة، ثم أفلتت منها ابتسامة رغماً عنها، دون أن تدري إن كان يمزح أم يتعمد صدّها بعنف. رفع تيم كأس الماء وأخذ رشفة بطيئ
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٢٢

التفتت بنظرها إلى طاولة الطعام الصغيرة في زاوية الغرفة وتمتمت بسخرية موجعة: "حتى العشاء... جهّزه لي قبل أن يرميني هنا ." وقفت أمام النافذة الزجاجية العملاقة، حدّقت في شوارع المدينة التي تنبض بالحياة والأضواء، لكن قلبها في تلك اللحظة كان ساكناً، بارداً، ومثقلاً بخيبة لا قاع لها. لم تعاتبه في سرها، ولم تشعر برغبة في الصراخ أو الغضب... فقط كانت تراقب السيارات من الأعلى، تبحث في هذا الفراغ عن شيء يشبه الراحة أو النجاة. مشاعرها كانت مضطربة ومتضاربة كأمواج البحر؛ كمن تعلّق بشيء دافئ وفجأة سُحب من تحت قدميه بغدر... كأنك تنهي حلقة من مسلسل عشت مع تفاصيله وشخصياته طويلاً، وفجأة تظهر شاشة السواد ولا يمكنك تصديق أن الرحلة انتهت بهذه البساطة. ذلك الشعور بالهجر والوحدة كانت تعرفه جيداً، وقد اختبرته مراراً وتكراراً مع عائلتها. لذلك، كانت تعرف تماماً ماذا يحدث في غياهب صدرها الآن. نطقت بعزم مزيف وهي تمسح وجهها بكفيها: "سيأخذ الأمر بضع ليالٍ باردة فقط... وسأعود كما كنتُ سابقاً.. لمار القوية." لم تلمس الطعام الموضوع، ولم تشرب قطرة ماء. أخذت الهاتف الذكي الجديد الموضوع فوق المنضدة بجوار ال
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٢٣

بعد أن أنهت مكالمتها مع ليلى، تسارعت نبضات قلبها وهي تبحث بين جهات الاتصال. سرعان ما اتصلت بشمس، صديق طفولتها المقرب، لتطمئنه هو الآخر، بعدما أرسلت لها ليلى رقمه الجديد. لم يتأخر في الرد إطلاقاً، وجاء صوته متوتراً عبر السماعة، يحمل رجفة خفية تكاد تنطق بما يشعر به من خوف عليها، وكأنه يراها أمامه الآن: "لمار؟! هل أنتِ بخير حقاً؟" زفرت براحة دافئة، ومرّت ابتسامة باهتة متعبة على شفتيها وقالت بصوت مهدئ: "أنا بخير يا شمس... بخير تماماً، لا تقلق." لكن صوته ظل مشحوناً بقلق صريح ولهفة حارقة وهو يمطرها بالأسئلة: "أين اختفيتِ فجأة بعد أن تركتكِ في ذلك اليوم؟ وأين كنتِ طوال هذه الأيام المرعبة؟ وأين أنتِ الآن أصلًا؟" أجابته بهدوء غريب بردت فيه نبرتها، وكأن كل ما مرت به من خطف واحتجاز تحت الأرض لم يكن سوى كابوس عابر تلاشى مع الصباح: "سأرسل لك موقعي الحالي.. تعال إلى هنا، وهناك نكمل حديثنا." تنفّس شمس الصعداء بعمق، وسمعت صوت زفيره بوضوح: "نعم، هذا أفضل بكثير... سآتي إليكِ في الحال، انتظريني ولا تتحركي." أنهت المكالمة دون أن تفكر في الاتصال بأي شخص آخر؛ لم تكن بحاجة لأكثر من ليل
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٢٤

جلست تفكر في عائلتها، وفي والدتها تحديداً، وفي طبيعة العقاب القاسي الذي قد ينتظرها في قريتها حين تعود. لكنها سرعان ما هزت رأسها تحاول تهدئة روعها؛ لن تعاقبها هذه المرة بالتأكيد، فهي لم تتغيب بإرادتها ولم ترتكب ذنباً، بل كانت ضحية لعملية خطف! تنفّست الصعداء بعمق وكأنها تحاول إقناع نفسها الواجفة بأنها ستتجاوز هذه العقبة كما تجاوزت غيرها. أمسكت هاتفها الجديد، وفتحت حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي بعد أيام من الغياب. انهمرت عليها الإشعارات والرسائل؛ كانت هناك عشرات الرسائل من صديقاتها وزميلاتها يحاولن الاطمئنان عليها ومعرفة مكانها. كانت عيناها تفتّشان بين مئات الأسماء والصور المعروضة بسرعة، تبحث بلهفة وضعف عن اسم واحد فقط... أمها. لكن الاسم لم يظهر بين المحادثات الجديدة، ولم ترسل لها والديها رسالة واحدة تسأل إن كانت حية أو ميتة. انعكست خيبة ثقيلة وموجعة على وجهها الشاحب، فحكّت رأسها بتوتر طفولي وهمست لنفسها بصوت مكسور تحاول فيه التماس الأعذار: "ربما هي غاضبة مني فقط بسبب غيابي... نعم، هي غاضبة لكنها ستسامحني بالتأكيد عندما تعرف الحقيقة. الأمر لا يستحق كل هذا الخوف." كانت تك
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٢٥

كان تيم يسير في أرجاء قصره بخطى باردة وموزونة، ممرراً كفيه في جيوب معطفه. وحين مرّ بالغرفة التي كانت تسكنها لمار، تباطأت خطواته رغماً عنه حتى توقف تماماً. نظر نحو الباب الخشبي الموصد بلا رغبة واضحة في الدخول، لكن عينيه خذلتاه في تلك اللحظة؛ كانتا تبحثان عن طيفها المتمرد في الفراغ، رغم رفضه التام للاعتراف أمام نفسه بأنه ربما... فقط ربما، قد أُعجب بها وبحضورها المشاكس. بقي واقفاً أمام الباب يتردد كطفل يخشى الدخول إلى منطقة محظورة؛ هل يدخل ويواجه ذكراها؟ أم يرحل ويترك الأمر للنسيان؟ حاول جاهداً أن يشتّت انتباهه المشوش، فأدار نظره في الممر الطويل متصنّعاً اللامبالاة المطلقة. ولأول مرة في حياته، لاحظ تفاصيل لم يسبق له أن رآها في هذا القصر الذي بناه بنفسه؛ لون الجدران الأبيض الشاحب، اتساع الممرات الكئيب، البرود الذي يكسو الأركان.. كل شيء بدا له فجأة غريباً ومختلفاً. وفجأة، رنّ في مسامعه سؤالها الساخر والذكي الذي وجّهته له وهي تنظر في عينيه: "هل أنت مهووس باللون الأبيض؟ أم أنك تعاني من مرضٍ ما؟" شعر بشيء دافئ ونبضة حية تتحرك عند طرف قلبه المتجمد. سؤالها العابر ذاك تسلل إلى عمق روحه
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٢٦

وفي بهو الفندق.. هبطت لمار إلى الأسفل بخطوات متزنة وقوية، رغم الثقل الهائل الخفي الذي يسكن صدرها الصغير. من مسافة بعيدة، لمحها شمس وهو يحتسي كوب قهوته الساخنة، فاتسعت ابتسامته الدافئة تلقائياً حين رآها تتقدّم نحوه كغزال شارد. نهض شمس من مكانه بخفة، وتقدّم نحوها بخطوات سريعة قائلاً بنبرته المطمئنة المعتادة: "صباح الخير يا لمار... هل حظيتِ بنوم جيد أخيراً؟" مدّ يده مشيراً إلى المقعد الوثير المقابل له يدعوها للجلوس، لكنها لوّحت بكفها نافية بلطف وعيناها تدوران في المكان: "دعنا لا نتأخر يا شمس... النوم والكسل غلباني بما يكفي هذا الصباح." لاحظ شمس على الفور شحوب وجهها الشديد؛ لم يخفَ على عينيه انطفاء بريق عينيها اللامعتين وجفافهما. مدّ كفه بتلقائية نحو جبينها، وكأن يديه تريدان الاطمئنان على حرارة جسدها: "هل أنتِ بخير حقاً؟ هل تشعرين بأي تعب أو دوار؟" أبعدت يده برفق وهي ترسم ابتسامة باهتة مصطنعة على شفتيها، وقالت بصوت خفيض: "أنا بخير، أقسم لك... دعنا ننتهي من إفادة مركز الشرطة أولاً. ثم سأعود فوراً إلى القرية، فلا يزال هناك من ينتظرني هناك." (وقصدت في سرها مواجهة والديها).
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٢٧

وفي الخارج، على الرصيف المقابل للفندق.. كان الشاب الغامض (زياد) يجلس بهدوء واسترخاء على إحدى المصاطب الخشبية المخصصة للمارة. كان يكمل تناول شطيرة برغر شهية بين يديه ببرود، بينما تستقر خوذته السوداء اللامعة بجواره مباشرة على المقعد. كانت عيناه الحادتان مثبتتين بتركيز شديد على بوابة الفندق الزجاجية، يراقب خروج لمار وهي تمشي بجوار شمس بخطوات سريعة وغاضبة. ضحك بصوت خافت رجولي متهكم: "هل العالم كله يركض وراءكِ يا صغيرة؟" بالرغم من سخريته، كان هناك شيء فيها يدفعه لمواصلة مراقبتها بدقة؛ تلك الضفيرة الطويلة المتدلية بنعومة على كتفها جعلت ابتسامته الجانبية تتسع بفضول آسر. ارتفعت يده تلقائياً وتحسس القماش للشال الأسود الممزوج بالأبيض حول عنقه الطويل، وهمس بنبرة غامضة: "وأخيراً... التقينا ... لمار." توجه شمس ولمار معاً بخطوات سريعة إلى مركز الشرطة الأقرب للمنطقة. دخلته لمار بثبات ظاهر وهي تحفظ وتعرف جيداً كل حرف ستقوله للمحقق؛ فقد قضت الليل بطوله وهي تعيد وتكرر صياغة هذه الكلمات في رأسها لتنجو وتخفي تيم عن عيون العدالة. كان زياد قد لحق بهما ودخل خلفهما إلى مبنى المركز دون أن يشعر
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٢٨

بعد أن ودّعت لمار صديقها شمس عند مدخل الحرم الجامعي، كانت وجهتها التالية واضحة كالشمس قبل أن تستجمع شتات نفسها للذهاب إلى القرية. كانت لا تزال بحاجة ماسة لتغيير ملابسها المتهالكة، والاطمئنان على زميلاتها في السكن الجامعي اللواتي ملأن هاتفها بالرسائل حين اختفت فجأة دون سابق إنذار. لم يخطر ببال أي منهن أبدًا أنها قد تكون ضحية لعملية خطف مريبة؛ فقد أخبرتهن لمار مسبقاً بنيتها الذهاب إلى قريتها لعدة أيام، وربما لهذا السبب وجدن مبرراً لغيابها، واقتصر قلقهن على عدم قدرتهن على الوصول إليها عبر الهاتف المغلق. عندما دلفت إلى غرفتهن المشتركة في السكن الجامعي، وجدتها خالية ساكنة. كان الوقت يوافق موعد المحاضرات الصباحية، لذا لم تطل التفكير، وربما انشغلن بمتطلبات الدراسة. لم تشغل بالها الصغير بالأمر، فكل ما كان يهمها حقاً هو أن تتوجه إلى قريتها في أسرع وقت ممكن... لقد سبّبت ما يكفي من الفوضى والقلق لمن حولها، ولم ترغب في إضاعة ثانية واحدة إضافية. وضعت بعض قطع الملابس البسيطة في حقيبة ظهر صغيرة، ثم ارتدت ثياباً مريحة ونظيفة، واتجهت نحو حمامات السكن المشتركة لتغتسل. كان المكان شبه فارغ على غير
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٢٩

وفي قصر الثلج المعزول.. كان تيم جالساً على حافة سريره الكبير، وبدا عليه أنه ظل في مكانه ذاك لوقت طويل للغاية دون حراك. لم يغادر أسوار القصر السري بالرغم من تأكيدات زياد المستمرة له بأن محيط المكان آمن تماماً، وأن تالا قد غادرت العاصمة . كان يحمل في يده جهازه اللوحي الحديث، ويحدق في شاشته بتركيز شديد وعينين متسعتين بذهول عارم. بسبب افتقاده المتزايد لحركة لمار وصخبها في أرجاء القصر، تذكر فجأة أن غرف النوم والممرات مزودة بنظام مراقبة سري متطور؛ فقد كانت هذه عادة وهوساً أمنياً لديه، إذ لا يمكنه العيش في مكان ما دون أن يحكم قبضته الأمنية عليه تماماً بضغطة زر واحدة. ولم يكن يتوقع أبداً أن تلك الكاميرات التي ثبتها بسبب هوسه المفرط بالسيطرة ستكون ذات فائدة عاطفية كهذه؛ فالآن أصبح بإمكانه رؤية ملامح لمار وحركاتها كلما شعر بالرغبة المجنونة في رؤيتها. لكن ما رآه على الشاشة جعل أنفاسه تتوقف تماماً! اتسعت عيناه المذهولتان، وشعر بصدمة عنيفة تضرب أعماق صدره كأنها صاعقة. راح يقضم أظافره بتوتر وقلق مفرطين، بينما ألم دفين مشوش بدأ يتسرب إلى عروقه. مرر أصابعه الطويلة على شفتيه بارتباك واهتزاز،
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more

الفصل ٣٠

لم يجبها فوراً، بل سار بخطوات بطيئة وجلس على الأريكة ذات اللون البني بطعم القهوة، ورفع كوب الشاي الدافئ الموضوع أمامه، ينظر إليها بصمت مطبق يحمل في طياته نظرات غامضة لم تفهمها. كانت رائحة الشاي الممزوجة برائحة الدخان القوي المنبعث من سيجارته التي يسحب منها أنفاساً بطيئة تمتلئ بها أرجاء الغرفة المخنوقة، مما جعل لمار تغطي فمها بكفها وهي تسعل بخفة وتوتر. كانت السجادة ذات اللون البيج مفروشة بإهمال تحت الطاولة الخشبية أمامه، وبجانبه نافذة زجاجية تطل على حديقة المنزل المظلمة. وظلت لمار واقفة مكانها كالمتهمة في ساحة القضاء، لا تدري ماذا تفعل أو أين تذهب بجسدها المرتجف. وفجأة... دوى صوت دفع باب المطبخ الداخلي بقوة وعنف! التفتت لمار نحو مصدر الصوت بغريزة الرعب.. لتظهر امرأة في أوائل الأربعينيات من عمرها، ممتلئة الجسد قريباً، ينسدل شعرها الأسود القصير والمجعد ليصل إلى كتفيها بعشوائية. كانت تبدو أصغر من عمرها الحقيقي، لكن حضورها كان يفيض بمرونة مرعبة وقاسية. تقدّمت نحو لمار بخطوات بطيئة وئيدة، وارتسمت على وجهها ابتسامة باردة كالصقيع، ونطقت بنبرة حادة كالشفرة: "أهلاً ومرحباً بكِ يا لم
last updateLast Updated : 2026-07-20
Read more
PREV
123456
...
24
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status