All Chapters of أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة : Chapter 71 - Chapter 80

153 Chapters

71

كانت فيرازيث جالسه في صمتٍ ثقيل، وأمامها المخطوطة العتيقة التي بدا جلدها وكأنه صمد أمام آلاف السنين متحديًا الزمن. مررت أناملها المجعدة فوق الغلاف بحذر شديد، ثم أغمضت عينيها وتمتمت بتعويذة قصيرة بلغة اندثرت منذ قرون طويلة، وما إن انتهت حتى توهجت الرموز المنقوشة على أطراف المخطوطة بلون ذهبي باهت، ثم انفرج الغلاف ببطء من تلقاء نفسه، وكأن المخطوطة لم تعترف إلا بصوت صاحبتها. نظر الحاكم الدريان إلى الصفحات القديمة باهتمام بالغ، ولاحظ أن الكلمات لم تكن مكتوبة بالحبر، بل كانت محفورة داخل الرق نفسه، حتى إن مرور آلاف السنين لم يمح منها حرفًا واحدًا. قالت فيرازيث بصوت خافت يملؤه الوقار: "هذه ليست من مخطوطات مملكة الربيع... بل هي أقدم من المملكة نفسها. لقد ورثها أول حاكم للربيع ممن سبقوه، ثم توارثها الملوك بعده، ولم يكن يُسمح بقراءتها إلا للحاكم وكبيرة الساحرات." أومأ الدريان برأسه دون أن يقاطعها. تابعت وهي تقلب الصفحات ببطء حتى توقفت عند صفحة بعينها: "لقد أمضيت سنوات طويلة أقرأ هذه المخطوطة، لكنني لم أتخيل يومًا أن يأتي زمن أحتاج فيه
last updateLast Updated : 2026-08-05
Read more

72

وقف الحاكم الدريان أمام الطاولة الحجرية العتيقة، وعيناه لا تفارقان المخطوطة المفتوحة أمامه، بينما كانت ملامح الدهشة ترتسم على وجهه شيئًا فشيئًا. لقد جاء إلى هنا يبحث عن تفسير لفتاة غامضة عجز السحر عن التأثير فيها، لكنه وجد نفسه أمام حقيقة أكبر بكثير مما كان يتوقع. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت امتزجت فيه الحيرة بالذهول: "بما أن البشر، كما ذكرتِ، لا يستطيعون عبور البوابة الزمنية بعد إقامة الحاجز السحري... فكيف استطاعت تلك الفتاة عبورها؟ وكيف بقيت على قيد الحياة؟ لقد أخبرتني المخطوطات أن الحاجز يقتل كل بشري يلامسه، كما أن سحر الجان كان قادرًا على طرد البشر وقتل من تمرد منهم، أي أن سحرنا يؤثر فيهم كما يؤثر في أي مخلوق آخر. إذن... لماذا لم يؤثر فيها؟"ساد الصمت للحظات، ولم تجبه فيرازيث، بينما ظل الدريان يواصل حديثه وكأنه يخاطب نفسه أكثر مما يخاطبها. "لقد عرفت نصف الحقيقة فقط... عرفت أن الفتاة لم تكذب حين قالت إنها جاءت من عالم آخر، وأنها بالفعل عبرت من خلف الحاجز السحري والبوابة الزمنية، لكن كلما انكشف جزء من الحقيقة ظهر أمامي لغز أكبر منه. كيف صدت جميع التعاويذ؟ كيف عجز الحكيم ثامور عن ا
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

73

ساد الصمت داخل قاعة المخطوطات بعد أن انتهت فيرازيث من تلاوة النبوءة العتيقة. لم يكن ذلك الصمت صمتًا عاديًا، بل كان صمتًا ثقيلًا، حتى إن ألسنة اللهب الخافتة المشتعلة داخل المشاعل الحجرية بدت وكأنها هي الأخرى توقفت عن الاهتزاز، بينما ظل الحاكم الدريان جالسًا في مكانه لا يحرك ساكنًا، وعيناه معلقتان باللفافة القديمة التي كانت بين يدي كبيرة الساحرات. أخذت فيرازيث تلف المخطوطة ببطء شديد، وكأنها تخشى أن تمزقها حركة خاطئة، ثم أعادت ربطها بخيطها العتيق، ولم تتحدث بكلمة واحدة، أما الدريان فظل شارد الذهن يستعيد في عقله كل ما مر به منذ أن وصلت تلك الفتاة إلى مملكته، بدءًا من روايتها الغريبة، مرورًا بعجز البلورة السحرية عن قراءة ذكرياتها، وانتهاءً بالحاجز السحري الذي كان من المفترض أن يقتلها كما قتل الرجال الذين كانوا خلفها. وبعد دقائق طويلة من التفكير هز رأسه ببطء، ثم قال وهو يزفر نفسًا عميقًا: "لا... لا أظن أن لهذه النبوءة علاقة بتلك الفتاة."رفعت فيرازيث بصرها إليه دون أن تقاطعه، بينما تابع الدريان حديثه وهو يحاول ترتيب أفكاره بصوت هادئ: "كلما أعدت كلمات النبوءة في ذهني ازددت يقينًا أنها تتحدث
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

74

في أعماق سجن مملكة الربيع، حيث لا تصل أشعة الشمس، ولا تعرف الجدران معنى الدفء، كانت ميرا تجلس بصمت فوق فراشٍ رثٍ أُلقي على أرضية حجرية باردة، وقد ضمت ساقيها إلى صدرها وأسندت رأسها إليهما، بينما كانت تحدق في الفراغ بعينين فقدتا بريقهما منذ أيام. لم تكن هذه الزنزانة تشبه تلك التي احتُجزت فيها داخل أكاديمية الطب، بل كانت أشبه بقبرٍ أُعدَّ للأحياء. جدرانها السوداء المتشققة غطتها طبقات كثيفة من الرطوبة، حتى بدا الماء يتسرب منها في خطوط رفيعة تنحدر ببطء نحو الأرض، أما رائحة العفن والهواء الثقيل فكانت تكتم الأنفاس، وكأن المكان لم يدخله نور أو حياة منذ عشرات السنين.كان باب الزنزانة قطعةً ضخمة من الحديد الأسود المصقول، يخلو من أي فتحة تسمح لمن بداخله برؤية العالم الخارجي، سوى نافذة صغيرة في منتصفه، أُغلقت بقضبان حديدية متقاربة، لا تسمح إلا بمرور يدٍ بالكاد، ولا يتسلل منها سوى خيط باهت من الضوء، ضعيف إلى درجة أنه لا يكشف ملامح المكان، بل يزيده كآبة. لم تكن هناك نافذة، ولا شق في الجدران، ولا أي منفذ يخبرها إن كانت الشمس قد أشرقت أم أن الليل قد حل، فالزنزانة تقع في أعماق الأرض، وقد شعرت بذلك منذ
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

75

خرج الحاكم الدريان من قلعة كبيرة الساحرات فيرازيث بخطوات بطيئة، إلا أن ملامحه لم تكن توحي بالهدوء الذي بدا عليه من الخارج. كان عقله يعج بعشرات الأسئلة التي لم يجد لها جوابًا، بينما كانت كلمات الساحرة والمخطوطات القديمة تتردد داخل رأسه مرة تلو الأخرى. تبعه مستشاره الأول سيروس بصمت، فقد أدرك من نظرة واحدة أن سيده لم يعد يرى ما حوله، وإنما كان غارقًا في دوامة من الأفكار لم يسبق له أن رآه يقع فيها من قبل. وما إن وصلا إلى الساحة الخارجية حتى كان الجنود قد أعدوا العربة الملكية، فانحنى قائد الحرس احترامًا، وسارع بفتح بابها. صعد الدريان أولًا وجلس في الداخل دون أن ينطق بكلمة، ثم التفت سيروس إلى الجنود وقال بهدوء: "إلى منطقة السجون." انحنى الجنود في وقت واحد، ثم انطلقت العربة تشق طرقات مملكة الربيع الهادئة، بينما جلس سيروس أمام الحاكم يراقبه بصمت، ولم يشأ أن يقطع عليه أفكاره، فقد كان يعرفه منذ سنوات طويلة، ويعلم أن الدريان إذا أراد الحديث فسيفعله من تلقاء نفسه.مر وقت غير قصير لم يُسمع خلاله سوى صوت عجلات العربة وهي تحتك بالحجارة، حتى رفع الدريان رأسه فجأة، بينما بقيت عيناه معلقتين خارج النافذ
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

76

نظر إليه سيروس طويلًا، ثم ضيق عينيه وقد ارتسمت على وجهه علامات الحيرة، وقال بصوت هادئ: "ماذا تقصد يا الدريان؟ أشعر أنك تربط بين أمرين لا أرى بينهما أي صلة."لم يجبه الدريان.ظل جالسًا في مكانه، يحدق عبر نافذة العربة الملكية إلى الأشجار التي كانت تتراجع سريعًا مع استمرار الرحلة نحو سجن مملكة الربيع. كانت عيناه ثابتتين على المنظر الخارجي، لكن عقله لم يكن يرى شيئًا مما يمر أمامه، بل كان غارقًا في مكان آخر... وزمان آخر.وبعد صمت طال حتى ظن سيروس أن الحاكم لن يجيب، قال الدريان بصوت منخفض:"ألا تعتقد... أن الأمر قد يكون له علاقة بما ذكرتك به منذ قليل؟"قطب سيروس حاجبيه أكثر."أي أمر؟"أجابه الدريان دون أن يحول نظره عن النافذة:"الشيء الوحيد... الذي لا يعرفه في هذه المملكة غيري أنا وأنت."اتسعت عينا سيروس قليلًا، ثم قال في دهشة صادقة:"يا الدريان... أعترف أنها المرة الأولى منذ عرفتك التي أعجز فيها عن فهم ما يدور في رأسك."ابتسم الدريان ابتسامة خافتة، لكنها لم تحمل أي أثر للفرح.ثم عاد الصمت بينهما من جديد.غير أن هذا الصمت لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان بوابةً أعادت الدريان سنوات طويلة إلى الور
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

77

دهش سيروس مما سمع، ثم اتسعت ابتسامته شيئًا فشيئًا حتى عجز عن إخفائها، وقال وهو يحاول أن يبدو جادًا: "يبدو أن سحر الأميرة إيفاريا قد أصاب مولاي الحاكم."رفع الدريان حاجبه وهو ينظر إليه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لم تدم طويلًا، وقال: "ليس هذا ما أردت سماعه منك يا سيروس."انحنى سيروس انحناءة خفيفة وهو يخفي ابتسامته، ثم قال: "حسنًا يا مولاي... أعتذر."تنحنح قليلًا قبل أن يتابع بنبرة أكثر جدية: "إذا أردت رأيي الحقيقي... فأنا أرى أن اختيارك موفق للغاية. الأميرة إيفاريا ليست مجرد ابنة لحاكم مملكة الشتاء، بل هي صاحبة مكانة عظيمة بين شعبها، وقد سمعت عنها الكثير قبل أن نأتي إلى هنا. يقول الجميع إنها حكيمة، هادئة، متواضعة، وتجيد فنون الإدارة مثل والدها تمامًا. أعتقد أنها ستكون ملكة تليق بالجلوس إلى جوار حاكم مملكة الربيع، كما أن شعبنا سيحبها سريعًا، ولن يجد صعوبة في تقبلها."أطرق الدريان برأسه قليلًا، ثم تناول الكأس البلوري الموضوع فوق الطاولة الصغيرة إلى جواره، وارتشف منه رشفة هادئة، بينما أخذت عيناه تسرحان بعيدًا، وكأن كلمات سيروس أعادته إلى أول لحظة وقعت فيها عيناه على تلك الأميرة.لم
last updateLast Updated : 2026-08-08
Read more

78

ولكن...رغم كل ذلك الجمال الذي أحاط بالمكان، ورغم الثلوج المتلألئة، والأشجار البلورية، والحدائق التي بدت كأنها قطعة من السماء هبطت إلى الأرض...لم يستطع الدريان أن يرى شيئًا منها.فقد كانت هي...تقف هناك بكل شموخ، حتى خُيل إليه أن الشتاء بأكمله قد انحنى احترامًا لها.لم تكن تحاول أن تلفت الأنظار، ولم تكن تتصنع الهيبة، بل كانت الهيبة تنبع منها كما ينبعث الضوء من القمر في ليلة شتوية صافية.وقف الزمن للحظة.وشعر الدريان أن كل ما حولها قد اختفى، ولم يبق في الساحة الواسعة سوى تلك الفتاة.انسدل شعرها الطويل في نعومة الحرير، بلون أزرق جليدي نادر، يشبه لون الثلج حين ينعكس عليه ضوء الفجر، وكانت خصلاته تتحرك مع نسمات الهواء الباردة كأنها أمواج هادئة من الجليد السائل.أما عيناها...فكانت نفس لون شعرها ولكن كان بعدها بريق جعلها بلون السماء الشتوية قبل شروق الشمس، أزرق صافيًا يخالطه بريق فضي خافت، حتى إن من ينظر إليهما يشعر وكأنه يقف أمام بحيرة متجمدة تخفي في أعماقها أسرار آلاف السنين.بشرتها ناصعة البياض، لكنها لم تكن شاحبة، بل حملت لونًا هادئًا يشبه ضوء القمر المنعكس فوق الثلوج، بينما ارتسمت على
last updateLast Updated : 2026-08-08
Read more

79

لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا كما توقع الدريان، فقد كان سيروس يعرف جيدًا كيف يتعامل مع المواقف الرسمية، ولم تمر سوى فترة قصيرة حتى عاد إلى الجناح الذي يقيم فيه الدريان، وعلى وجهه ملامح الرضا، وقال: "تم الأمر يا مولاي."رفع الدريان بصره إليه وقال: "بهذه السرعة؟"ابتسم سيروس وقال: "حين يتعلق الأمر بمصلحة حاكم مملكة الربيع، فلا أرى سببًا يجعلني أضيّع الوقت."ثم أضاف وهو يقترب منه: "حاكم مملكة الشتاء ينتظرك."نهض الدريان من مكانه، وعدّل عباءته قبل أن يتبعه.لم يكن اللقاء طويلًا، لكنه كان كافيًا ليفتح أمام الدريان بابًا لم يكن متأكدًا من أنه سيُفتح بهذه السهولة.استقبله حاكم مملكة الشتاء في إحدى القاعات الجانبية البعيدة عن ضجيج الحفل، وبعد تبادل كلمات الترحيب والمجاملات الرسمية، عرض الدريان الأمر بوضوح ودون التفاف.ظل حاكم مملكة الشتاء صامتًا للحظات، يحدق في الدريان بنظرة متأملة، ثم قال: "يشرفني أن أسمع منك هذا الطلب أيها الحاكم الدريان، ولا أخفي عليك أنني أرى فيك رجلًا يليق بابنتي، لكن هناك أمرًا لا أستطيع تجاوزه."أجاب الدريان بهدوء: "ما هو؟"قال الحاكم: "ابنتي."سكت لحظة، ثم تابع: "الأمي
last updateLast Updated : 2026-08-08
Read more

80

لم يتراجع الدريان هذه المرة.ظل واقفًا للحظات في مكانه، وعيناه معلقتان بالأميرة إيفاريا التي كانت تقف عند الشرفة الداخلية المطلة على حدائق القصر، ثم أخذ نفسًا هادئًا، وكأنه يستجمع شجاعته قبل أن يخوض معركة لا يعرف كيف ستكون نهايتها. لم يكن الدريان من الرجال الذين يترددون أمام القرارات المصيرية، فقد اعتاد منذ صغره أن يتقدم حين يتراجع الآخرون، وأن يتحدث حين يلتزم الجميع الصمت، وأن يخفي اضطرابه خلف ملامح حاكم لا يسمح لأحد بأن يرى نقاط ضعفه، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا؛ فهو لا يقف أمام حاكم آخر ولا أمام قائد جيش ولا أمام مجلس من الحكماء، بل أمام امرأة قد يصبح قبولها أو رفضها سببًا في تغيير شيء لم يكن يتوقع أن يتغير في حياته. قال سيروس من خلفه بصوت منخفض: "مولاي..." لم يلتفت إليه الدريان، وإنما قال: "سأذهب." ابتسم سيروس وقال: "هذا أفضل قرار اتخذته الليلة." لم يجبه الدريان، بل تحرك بخطوات ثابتة نحو الأميرة. كان الحاضرون منشغلين بأحاديثهم وموسيقاهم، ولذلك لم يلتفت معظمهم إلى اقتراب حاكم مملكة الربيع من الأميرة، إلا أن إيفاريا كانت قد شعرت بوجوده قبل أن يصل إليها، فاستدارت ببطء، والتقت عين
last updateLast Updated : 2026-08-09
Read more
PREV
1
...
678910
...
16
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status