وقفت نادية أمام تلك الرقعة الندية من الأرض، وثنت ركبتيها بجسدٍ متهالك تتنازعه الرجفة كأوراق شجرٍ في مهب الريح. انهمرت دموعها حارقةً كالجمر على وجهها الشاحب، وهي تحفر بأظافرها الحناء الدافئة لتضع ذلك الكفن الصغير الذي يحتوي– قطعةً من روحها المنتزعة. طوقت التربة بيديها المجهدتين، وأطلقت صرخة مكتومة شقت سكون المقابر الفسيحة؛ صرخة ألمٍ خنقت أمومتها الذبيحة، على طفلٍ وُلد في العتمة ورحل دون أن تسعد بضمه إلى صدرها سوى في أوهام الفقد. بعد أن أظلمت الدنيا في عينيها واستحال العالم إلى سرادق كبير من الفجيعة، عادت بخطى متهالكة إلى بيت الخالة وفاء. احتضنت المرأة الصالحة وزوجها الطاعن في السن، وقبلت سهام بدموع يملؤها الامتنان؛ فقد كانوا السند الصامد في أحلك سويعات عمرها. ودعتهم بصوت خفيض مكسور، يتردد فيه وعدٌ طاهر بالعودة فور أن تسترد ما تبقى من شتات روحها المبعثرة. اتجهت نادية بخطى ضائعة نحو بيت سليم، تسير كالشبح في طرقات المدينة الباردة، تعتصر ألمها المكتوم ومرارة الخديعة التي أطفأت وهج شبابها الغض. وعندما انفتح باب شقة سليم، شَخَصت عيناه بذهول
Última atualização : 2026-09-10 Ler mais