جميع فصول : الفصل -الفصل 8

8 فصول

الفصل الأول: الرسالة التي لم يكن يجب أن تصل

لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا عن غيره، أو هكذا ظن سالم عندما استيقظ على صوت الرياح وهي تداعب نوافذ منزله الصغير الواقع في أطراف المدينة. كان يعيش حياة هادئة ورتيبة؛ يستيقظ في الوقت نفسه، يشرب قهوته السوداء بصمت، ثم يخرج إلى عمله دون أن ينتظر من الحياة أكثر مما اعتاد عليه.لكن بعض الأيام تبدأ عادية، ثم تنتهي وهي تغيّر حياة الإنسان إلى الأبد.وقف سالم أمام نافذة المطبخ، يتأمل السماء المغطاة بسحب رمادية خفيفة. شعر بانقباض غريب في صدره، وكأن شيئًا مجهولًا يقترب منه. حاول تجاهل ذلك الإحساس، إلا أن طرقًا خفيفًا على باب المنزل قطعه عن أفكاره.فتح الباب، فلم يجد أحدًا.نظر يمينًا ويسارًا، وكان الشارع خاليًا تمامًا. حتى الأطفال الذين اعتادوا اللعب كل صباح لم يكونوا موجودين. همّ بإغلاق الباب، لكنه لمح ظرفًا أصفر قديمًا موضوعًا على العتبة.التقطه ببطء.كان الظرف يبدو كأنه خرج من صندوق قديم ظل مغلقًا عشرات السنين. حوافه مهترئة، ولونه مائل إلى البني، ولا يحمل أي طابع بريد أو اسم جهة مرسلة.أما ما أثار دهشته حقًا، فهو اسمه المكتوب بخط عربي قديم:"إلى سالم بن محمود..."تجمد في مكانه.كان اسم والده،
last updateآخر تحديث : 2026-07-29
اقرأ المزيد

الفصل الثاني: الرجل الذي يعرف أكثر مما ينبغي

ظل سالم جالسًا خلف مقود سيارته، وعيناه معلقتان بالعبارة المنقوشة على البوابة الحجرية:"لقد عدت أخيرًا يا سالم..."شعر ببرودة تسري في أطرافه، رغم حرارة الصحراء التي كانت تلف المكان. نزل من السيارة بخطوات مترددة، واقترب من البوابة. مرر يده على الحروف المحفورة في الحجر، فوجدها قديمة، وكأنها نُقشت منذ عشرات السنين، لا منذ ساعات أو أيام.التفت حوله باحثًا عن أي أثر لإنسان، فلم يجد سوى الرمال الممتدة إلى الأفق، وصمتٍ ثقيل يكاد يكون له صوت.تردد للحظة، ثم عبر البوابة.في اللحظة التي اجتاز فيها العتبة، حدث شيء لم يجد له تفسيرًا.اختفت الرياح تمامًا.كان يسمعها خلفه قبل ثوانٍ، لكنها انقطعت فجأة، وكأن البوابة فصلت بين عالمين مختلفين. حتى الهواء بدا مختلفًا؛ أكثر برودة، ويحمل رائحة تراب مبتل رغم أنه لم تمطر هنا منذ شهور.أدار رأسه نحو سيارته، فوجدها ما تزال في مكانها، لكنها بدت بعيدة أكثر مما يجب، كأن المسافة بينه وبينها تضاعفت في لحظة.ابتلع ريقه، ومضى في الطريق الحجري المؤدي إلى داخل القرية.كانت البيوت مبنية من الحجر القديم، وأبوابها الخشبية تحمل آثار الزمن، لكن شيئًا واحدًا أثار دهشته.كل شي
last updateآخر تحديث : 2026-07-29
اقرأ المزيد

الفصل الثالث: الباب الذي لا يجب أن يُفتح

لم يكن الصراخ عاديًا.كان صوتًا مليئًا بالخوف، كأن صاحبه رأى شيئًا لم يكن ينبغي لأي إنسان أن يراه.قفز سالم من مكانه، بينما اندفع يوسف نحو الباب بخطوات سريعة لم يكن يتوقعها من رجل في مثل عمره.قال سالم وهو يركض خلفه:"ماذا يحدث؟"لم يُجب يوسف، بل كان ينظر إلى نهاية الطريق المؤدي إلى الساحة الرئيسية. كان سكان القرية قد خرجوا جميعًا من بيوتهم، رجالًا ونساءً وأطفالًا، لكن الغريب أنهم لم يكونوا يصرخون أو يركضون، بل كانوا يقفون في صمت تام، وكأنهم ينتظرون حدثًا يعرفونه جيدًا.كل الوجوه كانت متجهة نحو مبنى حجري قديم يقع في أعلى التل.كان المبنى أشبه بحصن صغير، تحيط به جدران مرتفعة، وتتدلى من بوابته سلاسل حديدية صدئة.لكن السلاسل كانت تتحرك وحدها.سمع الجميع صوت احتكاك الحديد بالحجر، ثم سقط آخر قفل على الأرض محدثًا دويًا ارتد صداه في أنحاء القرية.همس يوسف بصوت مرتجف:"لقد بدأ..."نظر إليه سالم باستغراب."ما الذي بدأ؟"أجاب يوسف دون أن يحول نظره عن المبنى:"النهاية... أو البداية، لا أحد يعرف."في تلك اللحظة، خرج شيخ وقور من بين الناس. كان يرتدي عباءة سوداء مطرزة بخيوط فضية، ويحمل عصًا من خشب
last updateآخر تحديث : 2026-07-29
اقرأ المزيد

الفصل الرابع: الرجل الذي عاد من الموت

تراجع سالم خطوة إلى الخلف، لكنه لم يستطع أن يبعد عينيه عن ذلك الوجه.كان وجه والده... بكل تفاصيله.العينان الواسعتان اللتان طالما رأى فيهما الحنان، اللحية الخفيفة التي بدأت تغزوها الشعيرات البيضاء في سنواته الأخيرة، وحتى الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر، تلك التي أخبره والده ذات يوم أنه أصيب بها وهو طفل أثناء تسلقه شجرة رمان.لم يكن هناك أي مجال للشك.همس سالم بصوت متقطع:"أبي...؟"لكن الرجل لم يجب.ظل واقفًا عند عتبة الباب الحجري، ساكنًا كتمثال، بينما كانت الرياح تدور حوله على شكل دوامات صغيرة تحمل الغبار والأوراق اليابسة.صرخ الشيخ بصوت مرتفع:"اخفض بصرك يا سالم! لا تستسلم لما تراه!"لكن الأوان كان قد فات.شعر سالم بدوار شديد، وكأن العالم بدأ يلتف حوله. أصبحت أصوات الناس بعيدة، ثم خافتة، ثم اختفت تمامًا.وفجأة...وجد نفسه في مكان آخر.لم يعد يقف في ساحة القرية، بل داخل منزل قديم تغمره رائحة الخشب العتيق. كانت النوافذ مفتوحة، وضوء الشمس يتسلل إلى الداخل بهدوء.سمع صوت ضحكة طفل.التفت بسرعة.كان طفل صغير لا يتجاوز السابعة من عمره يركض في أرجاء المنزل وهو يحمل طائرة ورقية.توقف الطفل ف
last updateآخر تحديث : 2026-07-29
اقرأ المزيد

الفصل الخامس: الساعة التي كانت تنتظر صاحبها

لم ينم أحد في القرية تلك الليلة.كانت السماء صافية على غير عادتها، والقمر يضيء الأزقة الحجرية بضوء باهت، بينما وقف سكان القرية أمام بيوتهم في صمت ثقيل، يتبادلون نظرات تحمل خوفًا قديمًا عاد ليستيقظ من جديد.أما سالم، فلم يستطع أن يبعد عينيه عن ساعة الجيب التي وجدها داخل الصندوق.أغلقها... ثم فتحها.كرر ذلك مرات عديدة.وفي كل مرة كانت الخريطة الصغيرة المنقوشة داخلها تبدو أكثر وضوحًا، وكأنها تستجيب لشيء لا يراه إلا هو.دخل يوسف الغرفة بهدوء، ووضع مصباحًا زيتيًا على الطاولة.قال بصوت منخفض:"كنت أعرف أن الساعة ستتعرف إليك."رفع سالم رأسه."تتعرف إليّ؟ إنها مجرد ساعة."ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة."وهذا أول خطأ وقع فيه والدك."قطب سالم حاجبيه."ماذا تقصد؟"جلس يوسف على الكرسي المقابل، ثم قال:"هذه الساعة ليست أداة لقياس الوقت... إنها مفتاح."نظر سالم إلى الساعة مرة أخرى."لكنني أملك مفتاحًا أسود بالفعل."أخرج المفتاح من جيبه ووضعه بجانب الساعة.في اللحظة نفسها...صدر صوت معدني خافت.اهتز المفتاح وحده، ثم بدأ يدور ببطء فوق الطاولة دون أن يلمسه أحد.وقف سالم مذعورًا.أما يوسف فلم يبدُ عليه أي ا
last updateآخر تحديث : 2026-07-29
اقرأ المزيد

الفصل السادس: الجبل الذي لا تشرق عليه الشمس

استيقظ سالم قبل شروق الشمس، لكن شيئًا كان غريبًا.فتح نافذة الغرفة، فلم يرَ خيطًا واحدًا من الضوء.رفع رأسه نحو السماء، فوجدها مضيئة بلون أزرق باهت، وكأن النهار يحاول أن يولد، لكنه يفشل في كل مرة.خرج إلى ساحة القرية، فوجد يوسف والشيخ وليلى يقفون بصمت.سأل سالم:"لماذا لم تشرق الشمس؟"نظر الشيخ إلى الجبال البعيدة وقال:"لقد بدأت العلامة الثانية."اقترب سالم منه."أي علامة؟"أشار الشيخ إلى أعلى قمة في الجهة الشرقية."منذ مئات السنين، كانت الشمس أول ما يلامس تلك القمة كل صباح. لكن عندما يتحرك أحد المفاتيح، يحجب الجبل ضوءها."نظر سالم إلى القمة، ولاحظ أن ظلًا أسود كثيفًا يغطيها بالكامل، رغم أن بقية السماء بدأت تزداد إشراقًا.أخرج ساعة الجيب من جيبه.فور فتحها، تحرك السهم الصغير داخلها، وأشار مباشرة إلى الجبل.قال يوسف:"لقد حان وقت الرحلة."---بعد ساعة، انطلقت مجموعة صغيرة تضم سالم، ويوسف، وليلى، والشيخ، بالإضافة إلى رجلين من أهل القرية يحملان مصابيح وحبالًا.كان الطريق صعبًا، مليئًا بالصخور الحادة والمنحدرات الضيقة.ومع كل خطوة، كان سالم يشعر بأن الهواء يزداد برودة.قالت ليلى وهي تنظر
last updateآخر تحديث : 2026-07-29
اقرأ المزيد

الفصل السابع: اعتراف الحارس الأخير

ساد الصمت داخل الكهف.لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يسبق العاصفة. وقف سالم ممسكًا بساعة الجيب في يده اليمنى، بينما كانت البلورة الزرقاء في يده اليسرى تنبض بضوء خافت، كأنها تشعر بالخطر الذي يحيط بها.أما الرجل ذو العباءة السوداء، فقد ظل واقفًا في الطرف الآخر من القاعة، وعيناه لا تفارقان سالم.ابتسم ابتسامة باردة وقال:"أخيرًا التقينا... يا ابن محمود."أخذ سالم نفسًا عميقًا وقال بثبات:"من أنت؟"لم يجب الرجل مباشرة، بل سار ببطء حول البحيرة الدائرية، وكانت خطواته لا تُحدث أي صوت، رغم أن الأرض كانت مغطاة بالحصى.قال بعد لحظات:"أنا الشخص الذي كان ينبغي أن يموت قبل أربعين عامًا."نظر يوسف إليه، وتغير لون وجهه.همس بصوت مرتجف:"مستحيل..."التفت الرجل إليه وقال:"ما زلت تتذكرني يا يوسف."خفض يوسف رأسه، ثم قال:"ظننت أنك هلكت يوم انغلق باب المعبد."ضحك الرجل ضحكة قصيرة."أنا أيضًا ظننت ذلك... لكن الزمن كانت له خطة أخرى."تقدم الشيخ خطوة إلى الأمام، وأمسك بعصاه بقوة.قال بصوت حازم:"قل اسمك."توقفت ابتسامة الرجل.ثم خلع غطاء رأسه بالكامل.كان في منتصف الخمسينيات من عمره، لكن
last updateآخر تحديث : 2026-07-29
اقرأ المزيد

الفصل الثامن: قلب الزمن

ظل الجميع يحدق في البوابة الحجرية المضيئة التي ظهرت في عمق الكهف، بينما كانت الصخور المتساقطة لا تزال تتدحرج من السقف. لم يكن الضوء المنبعث منها يشبه ضوء الشمس أو النار، بل كان هادئًا، دافئًا، وكأنه ينبض مثل قلب إنسان.تقدم سالم خطوة إلى الأمام.شعر بأن ساعة الجيب في جيبه أصبحت أثقل من المعتاد، حتى إنه اضطر إلى إخراجها. وما إن فتح غطاءها حتى بدأت عقاربها، التي كانت ساكنة طوال السنوات الماضية، تتحرك للمرة الأولى.عقرب الدقائق دار دورة كاملة.أما عقرب الساعات فتوقف عند الرقم السابع.نظر يوسف إلى الساعة واتسعت عيناه."لقد بدأت."سأل سالم وهو لا يزال ينظر إلى الساعة:"ما الذي بدأ؟"أجاب الشيخ بصوت خافت:"العد التنازلي."ساد صمت قصير.ثم قال سالم:"أنتم تكررون الكلمات نفسها منذ وصلت إلى هذه القرية، لكن لا أحد يخبرني بالحقيقة كاملة."اقترب الشيخ منه، ووضع يده على كتفه."حان الوقت لتعرف."جلس الجميع داخل القاعة، بينما بقي الضوء الذهبي يتسلل من الممر الجديد.قال الشيخ:"قبل أكثر من سبعمائة عام، لم تكن هذه القرية موجودة."نظر سالم إليه باهتمام."في ذلك الزمن، كان المكان مجرد واحة صغيرة يمر بها
last updateآخر تحديث : 2026-07-29
اقرأ المزيد
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status