بيت / خارق / القرية التي اختفى منها الزمن / الفصل الرابع: الرجل الذي عاد من الموت

مشاركة

الفصل الرابع: الرجل الذي عاد من الموت

last update تاريخ النشر: 2026-07-29 20:58:32

تراجع سالم خطوة إلى الخلف، لكنه لم يستطع أن يبعد عينيه عن ذلك الوجه.

كان وجه والده... بكل تفاصيله.

العينان الواسعتان اللتان طالما رأى فيهما الحنان، اللحية الخفيفة التي بدأت تغزوها الشعيرات البيضاء في سنواته الأخيرة، وحتى الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر، تلك التي أخبره والده ذات يوم أنه أصيب بها وهو طفل أثناء تسلقه شجرة رمان.

لم يكن هناك أي مجال للشك.

همس سالم بصوت متقطع:

"أبي...؟"

لكن الرجل لم يجب.

ظل واقفًا عند عتبة الباب الحجري، ساكنًا كتمثال، بينما كانت الرياح تدور حوله على شكل دوامات صغيرة تحمل الغبار والأوراق اليابسة.

صرخ الشيخ بصوت مرتفع:

"اخفض بصرك يا سالم! لا تستسلم لما تراه!"

لكن الأوان كان قد فات.

شعر سالم بدوار شديد، وكأن العالم بدأ يلتف حوله. أصبحت أصوات الناس بعيدة، ثم خافتة، ثم اختفت تمامًا.

وفجأة...

وجد نفسه في مكان آخر.

لم يعد يقف في ساحة القرية، بل داخل منزل قديم تغمره رائحة الخشب العتيق. كانت النوافذ مفتوحة، وضوء الشمس يتسلل إلى الداخل بهدوء.

سمع صوت ضحكة طفل.

التفت بسرعة.

كان طفل صغير لا يتجاوز السابعة من عمره يركض في أرجاء المنزل وهو يحمل طائرة ورقية.

توقف الطفل فجأة ونظر إليه.

اتسعت عينا سالم.

كان الطفل هو نفسه.

رأى ملامحه كما كانت في صغره، ورأى والده يجلس على كرسي خشبي يبتسم له.

قال الأب بصوت دافئ:

"تعال يا سالم... لقد صنعت لك شيئًا."

اقترب الطفل بحماس، فأخرج الأب ساعة جيب فضية قديمة، فتح غطاءها، ثم قال:

"إذا ضاعت منك هذه الساعة يومًا، فلا تبحث عنها... لأنها ستعود إليك عندما يحين الوقت."

نظر سالم بدهشة.

لم يتذكر هذا الموقف أبدًا.

هل كان حلمًا؟

أم ذكرى نسيها مع مرور السنوات؟

وقبل أن يقترب أكثر، بدأ المشهد يتلاشى كالدخان.

عاد يسمع الصراخ.

ثم فتح عينيه.

كان ملقى على الأرض في ساحة القرية، ويوسف يجلس إلى جواره.

قال يوسف بقلق:

"الحمد لله... عدت."

رفع سالم رأسه بصعوبة.

"ماذا حدث لي؟"

أجاب الشيخ:

"رأيت أولى الذكريات المحفوظة."

"أي ذكريات؟"

تنهد الشيخ وقال:

"المكان الذي دخلته لا يحفظ الزمن فقط... بل يحفظ كل لحظة عاشها من ارتبط بهذا السر."

جلس سالم ببطء.

"الرجل... هل كان أبي؟"

ساد الصمت.

ثم قال يوسف:

"لا."

نظر إليه سالم بغضب.

"لكنني رأيته!"

"رأيت صورته... وليس حقيقته."

سأل سالم:

"ماذا تقصد؟"

اقترب الشيخ وقال:

"هناك كيان يعيش خلف ذلك الباب، لا نعرف اسمه الحقيقي. لكنه يستطيع أن يظهر لكل شخص بأكثر وجه يثق به أو يحبه."

ظل سالم صامتًا.

كان عقله يرفض تصديق ما يسمعه، لكن ما رآه بعينيه كان أقوى من أي تفسير منطقي.

في تلك اللحظة، تقدمت فتاة القرية، ليلى، وهي تحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

قالت:

"وجدناه في منزل والدك."

وضعته أمام سالم.

فتح الصندوق بحذر.

كان بداخله دفتر جلدي قديم، تتوسط غلافه نجمة محفورة داخل دائرة.

إلى جانبه كانت ساعة الجيب الفضية نفسها التي رآها قبل قليل في الذكرى.

ارتجفت يده وهو يرفعها.

فتح غطاءها.

لكن بدلًا من العقارب، وجد بداخلها خريطة صغيرة محفورة بدقة متناهية.

تتوسط الخريطة دائرة سوداء، وحولها سبعة رموز غريبة.

قال الشيخ بصوت منخفض:

"بدأ والدك يترك لك الطريق."

قلب سالم صفحات الدفتر.

كانت معظمها فارغة.

حتى وصل إلى صفحة كُتب في أعلاها:

"إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أنني فشلت في إنهاء ما بدأته."

تسارعت دقات قلبه.

واصل القراءة.

"يا سالم... لا تثق بكل من في القرية. فهناك من ينتظر عودتك ليساعدك... وهناك من ينتظرها لينهي ما بدأه قبل أربعين عامًا."

رفع سالم رأسه بسرعة.

نظر إلى يوسف.

ثم إلى الشيخ.

ثم إلى ليلى.

لأول مرة، بدأ الشك يتسلل إلى قلبه.

من منهم يقول الحقيقة؟

ومن منهم يخفي السر؟

وقبل أن يسأل، دوّى صوت ارتطام قوي من جهة البوابة الرئيسية للقرية.

ركض الجميع نحو مصدر الصوت.

كانت البوابة الحجرية التي دخل منها سالم قد أُغلقت من تلقاء نفسها.

اختفت الفتحة تمامًا، وتحولت إلى جدار صخري صلب، كأنها لم تكن موجودة أصلًا.

حاول سالم لمسها، فلم يجد أي أثر للباب.

سأل بصوت يملؤه القلق:

"كيف سأخرج؟"

نظر الشيخ إليه بحزن، ثم قال:

"لن يخرج أحد من هذه القرية... حتى يكتمل السر."

وفي اللحظة نفسها، سمع الجميع صوتًا غامضًا يتردد في السماء، عميقًا وواضحًا، وكأنه صادر من كل اتجاه في آن واحد:

"بقي ستة مفاتيح... وسبعة أيام فقط."

ساد صمت مرعب.

أما سالم، فأدرك أن رحلته لم تعد مجرد بحث عن ماضي والده...

بل أصبحت سباقًا مع الزمن نفسه، قبل انتهاء الأيام السبعة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل العاشر: حصار القلب

    لم يجد سالم وقتًا للتفكير.كانت القاعة قد تحولت في لحظات إلى فخ مغلق. وقف نادر عند المدخل، وخلفه الرجال الستة بملابسهم السوداء وأقنعتهم الفضية، بينما كان الشيخ ويوسف وليلى وسالم محاصرين بين الجدران القديمة.رفع سالم المفتاح الذهبي أمامه.كان الضوء المنبعث منه أقوى من السابق، حتى إن الرموز المحفورة على جدران القاعة بدأت تضيء واحدًا تلو الآخر.قال نادر:"أعطني المفتاح يا سالم."أجاب سالم:"لن أعطيك شيئًا."ابتسم نادر."أنت لا تفهم ما تحمله في يدك.""أعرف شيئًا واحدًا... أبي حذرني منك."تغيرت ملامح نادر للحظة، ثم عاد الهدوء إلى وجهه."والدك كان يخاف من أشياء كثيرة."تقدم أحد الرجال الستة نحو سالم.رفع يوسف عصاه أمامه وقال:"خطوة أخرى وستندم."ضحك الرجل خلف قناعه."انتهى زمن الحراس يا يوسف."وفجأة ضرب يوسف الأرض بعصاه.اهتزت القاعة، وانطلقت من الجدار موجة من الضوء دفعت الرجل إلى الخلف.صرخ الشيخ:"سالم! إلى الباب!"ركض سالم وليلى نحو الجانب الآخر من القاعة، بينما حاول يوسف والشيخ إيقاف الرجال الستة.لكن نادر لم يتحرك.كان ينظر إلى المفتاح الذهبي فقط.وكأنه يعرف أن شيئًا أهم من القتال يحدث

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل التاسع: وصية محمود

    لم يتحرك أحد.حتى الهواء داخل القاعة بدا وكأنه توقف عن الحركة.كان الرجل الذي خرج من الساعة العملاقة يقف بثبات، وثيابه البيضاء تتمايل ببطء رغم غياب أي نسمة هواء. أما سالم، فقد شعر بأن قلبه يخفق بقوة حتى كاد يسمعه الجميع.همس بصوت مرتجف:"أبي...؟"رفع الرجل رأسه ببطء، ونظر إليه بعينين امتلأتا بالحزن.ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن ابتسامة شخص عاد إلى الحياة، بل ابتسامة إنسان يحمل على كتفيه عمرًا من الندم.قال بصوت هادئ:"كبرت يا سالم... أكثر مما توقعت."ركض سالم نحوه دون تفكير، لكنه ما إن اقترب حتى مر جسده عبر الرجل، وسقط على ركبتيه.لم يكن هناك جسد.بل صورة.أو شيء يشبه الصورة.استدار سالم ببطء، وهو يلهث."أنت... لست حقيقيًا."أجاب محمود:"أنا آخر ما بقي مني."ساد الصمت.اقترب يوسف، ووقف أمام محمود مطأطئ الرأس."سامحني يا صديقي... لم أستطع تنفيذ كل ما طلبته."نظر إليه محمود بحنان."لقد فعلت أكثر مما يستطيع أي إنسان."ثم التفت إلى الشيخ."وأنت... حافظت على القرية."أغمض الشيخ عينيه، وكأن حملًا ثقيلًا سقط عن قلبه.أما ليلى، فكانت تنظر إلى محمود بدهشة، فهي لم تره من قبل، لكنها سمعت عن

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل الثامن: قلب الزمن

    ظل الجميع يحدق في البوابة الحجرية المضيئة التي ظهرت في عمق الكهف، بينما كانت الصخور المتساقطة لا تزال تتدحرج من السقف. لم يكن الضوء المنبعث منها يشبه ضوء الشمس أو النار، بل كان هادئًا، دافئًا، وكأنه ينبض مثل قلب إنسان.تقدم سالم خطوة إلى الأمام.شعر بأن ساعة الجيب في جيبه أصبحت أثقل من المعتاد، حتى إنه اضطر إلى إخراجها. وما إن فتح غطاءها حتى بدأت عقاربها، التي كانت ساكنة طوال السنوات الماضية، تتحرك للمرة الأولى.عقرب الدقائق دار دورة كاملة.أما عقرب الساعات فتوقف عند الرقم السابع.نظر يوسف إلى الساعة واتسعت عيناه."لقد بدأت."سأل سالم وهو لا يزال ينظر إلى الساعة:"ما الذي بدأ؟"أجاب الشيخ بصوت خافت:"العد التنازلي."ساد صمت قصير.ثم قال سالم:"أنتم تكررون الكلمات نفسها منذ وصلت إلى هذه القرية، لكن لا أحد يخبرني بالحقيقة كاملة."اقترب الشيخ منه، ووضع يده على كتفه."حان الوقت لتعرف."جلس الجميع داخل القاعة، بينما بقي الضوء الذهبي يتسلل من الممر الجديد.قال الشيخ:"قبل أكثر من سبعمائة عام، لم تكن هذه القرية موجودة."نظر سالم إليه باهتمام."في ذلك الزمن، كان المكان مجرد واحة صغيرة يمر بها

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل السابع: اعتراف الحارس الأخير

    ساد الصمت داخل الكهف.لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يسبق العاصفة. وقف سالم ممسكًا بساعة الجيب في يده اليمنى، بينما كانت البلورة الزرقاء في يده اليسرى تنبض بضوء خافت، كأنها تشعر بالخطر الذي يحيط بها.أما الرجل ذو العباءة السوداء، فقد ظل واقفًا في الطرف الآخر من القاعة، وعيناه لا تفارقان سالم.ابتسم ابتسامة باردة وقال:"أخيرًا التقينا... يا ابن محمود."أخذ سالم نفسًا عميقًا وقال بثبات:"من أنت؟"لم يجب الرجل مباشرة، بل سار ببطء حول البحيرة الدائرية، وكانت خطواته لا تُحدث أي صوت، رغم أن الأرض كانت مغطاة بالحصى.قال بعد لحظات:"أنا الشخص الذي كان ينبغي أن يموت قبل أربعين عامًا."نظر يوسف إليه، وتغير لون وجهه.همس بصوت مرتجف:"مستحيل..."التفت الرجل إليه وقال:"ما زلت تتذكرني يا يوسف."خفض يوسف رأسه، ثم قال:"ظننت أنك هلكت يوم انغلق باب المعبد."ضحك الرجل ضحكة قصيرة."أنا أيضًا ظننت ذلك... لكن الزمن كانت له خطة أخرى."تقدم الشيخ خطوة إلى الأمام، وأمسك بعصاه بقوة.قال بصوت حازم:"قل اسمك."توقفت ابتسامة الرجل.ثم خلع غطاء رأسه بالكامل.كان في منتصف الخمسينيات من عمره، لكن

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل السادس: الجبل الذي لا تشرق عليه الشمس

    استيقظ سالم قبل شروق الشمس، لكن شيئًا كان غريبًا.فتح نافذة الغرفة، فلم يرَ خيطًا واحدًا من الضوء.رفع رأسه نحو السماء، فوجدها مضيئة بلون أزرق باهت، وكأن النهار يحاول أن يولد، لكنه يفشل في كل مرة.خرج إلى ساحة القرية، فوجد يوسف والشيخ وليلى يقفون بصمت.سأل سالم:"لماذا لم تشرق الشمس؟"نظر الشيخ إلى الجبال البعيدة وقال:"لقد بدأت العلامة الثانية."اقترب سالم منه."أي علامة؟"أشار الشيخ إلى أعلى قمة في الجهة الشرقية."منذ مئات السنين، كانت الشمس أول ما يلامس تلك القمة كل صباح. لكن عندما يتحرك أحد المفاتيح، يحجب الجبل ضوءها."نظر سالم إلى القمة، ولاحظ أن ظلًا أسود كثيفًا يغطيها بالكامل، رغم أن بقية السماء بدأت تزداد إشراقًا.أخرج ساعة الجيب من جيبه.فور فتحها، تحرك السهم الصغير داخلها، وأشار مباشرة إلى الجبل.قال يوسف:"لقد حان وقت الرحلة."---بعد ساعة، انطلقت مجموعة صغيرة تضم سالم، ويوسف، وليلى، والشيخ، بالإضافة إلى رجلين من أهل القرية يحملان مصابيح وحبالًا.كان الطريق صعبًا، مليئًا بالصخور الحادة والمنحدرات الضيقة.ومع كل خطوة، كان سالم يشعر بأن الهواء يزداد برودة.قالت ليلى وهي تنظر

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل الخامس: الساعة التي كانت تنتظر صاحبها

    لم ينم أحد في القرية تلك الليلة.كانت السماء صافية على غير عادتها، والقمر يضيء الأزقة الحجرية بضوء باهت، بينما وقف سكان القرية أمام بيوتهم في صمت ثقيل، يتبادلون نظرات تحمل خوفًا قديمًا عاد ليستيقظ من جديد.أما سالم، فلم يستطع أن يبعد عينيه عن ساعة الجيب التي وجدها داخل الصندوق.أغلقها... ثم فتحها.كرر ذلك مرات عديدة.وفي كل مرة كانت الخريطة الصغيرة المنقوشة داخلها تبدو أكثر وضوحًا، وكأنها تستجيب لشيء لا يراه إلا هو.دخل يوسف الغرفة بهدوء، ووضع مصباحًا زيتيًا على الطاولة.قال بصوت منخفض:"كنت أعرف أن الساعة ستتعرف إليك."رفع سالم رأسه."تتعرف إليّ؟ إنها مجرد ساعة."ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة."وهذا أول خطأ وقع فيه والدك."قطب سالم حاجبيه."ماذا تقصد؟"جلس يوسف على الكرسي المقابل، ثم قال:"هذه الساعة ليست أداة لقياس الوقت... إنها مفتاح."نظر سالم إلى الساعة مرة أخرى."لكنني أملك مفتاحًا أسود بالفعل."أخرج المفتاح من جيبه ووضعه بجانب الساعة.في اللحظة نفسها...صدر صوت معدني خافت.اهتز المفتاح وحده، ثم بدأ يدور ببطء فوق الطاولة دون أن يلمسه أحد.وقف سالم مذعورًا.أما يوسف فلم يبدُ عليه أي ا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status