Home / خارق / القرية التي اختفى منها الزمن / الفصل الثاني: الرجل الذي يعرف أكثر مما ينبغي

Share

الفصل الثاني: الرجل الذي يعرف أكثر مما ينبغي

last update publish date: 2026-07-29 20:36:39

ظل سالم جالسًا خلف مقود سيارته، وعيناه معلقتان بالعبارة المنقوشة على البوابة الحجرية:

"لقد عدت أخيرًا يا سالم..."

شعر ببرودة تسري في أطرافه، رغم حرارة الصحراء التي كانت تلف المكان. نزل من السيارة بخطوات مترددة، واقترب من البوابة. مرر يده على الحروف المحفورة في الحجر، فوجدها قديمة، وكأنها نُقشت منذ عشرات السنين، لا منذ ساعات أو أيام.

التفت حوله باحثًا عن أي أثر لإنسان، فلم يجد سوى الرمال الممتدة إلى الأفق، وصمتٍ ثقيل يكاد يكون له صوت.

تردد للحظة، ثم عبر البوابة.

في اللحظة التي اجتاز فيها العتبة، حدث شيء لم يجد له تفسيرًا.

اختفت الرياح تمامًا.

كان يسمعها خلفه قبل ثوانٍ، لكنها انقطعت فجأة، وكأن البوابة فصلت بين عالمين مختلفين. حتى الهواء بدا مختلفًا؛ أكثر برودة، ويحمل رائحة تراب مبتل رغم أنه لم تمطر هنا منذ شهور.

أدار رأسه نحو سيارته، فوجدها ما تزال في مكانها، لكنها بدت بعيدة أكثر مما يجب، كأن المسافة بينه وبينها تضاعفت في لحظة.

ابتلع ريقه، ومضى في الطريق الحجري المؤدي إلى داخل القرية.

كانت البيوت مبنية من الحجر القديم، وأبوابها الخشبية تحمل آثار الزمن، لكن شيئًا واحدًا أثار دهشته.

كل شيء كان نظيفًا.

لا غبار على النوافذ، ولا تشققات حديثة، ولا نباتات يابسة، وكأن سكان القرية يعتنون بها يوميًا.

لكن أين هم؟

سار ببطء حتى وصل إلى ساحة صغيرة تتوسطها ساعة حجرية ضخمة.

كانت عقاربها تشير إلى السادسة وخمس دقائق.

لم تتحرك.

وقف يتأملها، فإذا بصوت هادئ يأتي من خلفه:

"ما زالت تشير إلى الوقت نفسه... منذ أن كنت طفلًا."

استدار بسرعة.

كان رجلًا مسنًا، طويل القامة، يرتدي عباءة رمادية، ويحمل عصًا خشبية منحوتة بعناية. كان شعره أبيض بالكامل، لكن عينيه كانتا حادتين بصورة غريبة، وكأنهما تخفيان عمرًا أكبر من ملامحه.

قال الرجل مبتسمًا:

"مرحبًا بك يا سالم."

تراجع سالم خطوة.

"من أنت؟"

أجاب العجوز بهدوء:

"اسمي يوسف... وكنت صديق والدك."

توقف الزمن بالنسبة لسالم للحظة.

"مستحيل... والدي توفي منذ سنوات."

أومأ يوسف برأسه.

"أعلم."

"إذن كيف تعرفني؟"

ابتسم العجوز ابتسامة صغيرة.

"لأنني كنت أحملك بين ذراعي عندما كنت رضيعًا."

انعقد لسان سالم.

لم يخبره أحد من قبل أن والده عاش في هذه القرية، أو أن له أصدقاء هنا.

قال بصوت متردد:

"لماذا أخفى عني كل هذا؟"

نظر يوسف إلى السماء قبل أن يجيب:

"لأنه كان يعلم أن اليوم سيأتي... لكنه كان يأمل أن يتأخر."

بدأ الغضب يتسلل إلى قلب سالم.

"أنا لا أفهم شيئًا! وصلتني رسالة من والدي بعد وفاته، واسمي مكتوب على بوابة القرية، وأنت تتحدث وكأن كل هذا أمر طبيعي!"

تنهد يوسف طويلًا.

"لو أخبرتك بالحقيقة دفعة واحدة، فلن تصدقني."

"جرّب."

اقترب يوسف من الساعة الحجرية، ووضع يده على أحد جوانبها.

"قبل أربعين عامًا، حدث في هذه القرية أمر لم يحدث في أي مكان آخر. في ليلة واحدة... توقف الزمن."

نظر سالم إلى الساعة.

"كيف يتوقف الزمن؟"

"ليس الزمن كله... بل الزمن هنا."

سكت قليلًا ثم أضاف:

"الأطفال بقوا أطفالًا لسنوات طويلة، والرجال لم تزدهم الأيام شيخوخة، والنساء كن يرين الفصول تتغير دون أن تتغير وجوههن."

هز سالم رأسه رافضًا.

"هذا مستحيل."

ابتسم يوسف.

"كنت سأقول الشيء نفسه لو لم أعشه."

في تلك اللحظة، انفتح باب أحد البيوت.

خرجت فتاة تحمل سلة من الخبز.

بدت في العشرينات من عمرها.

ابتسمت ليوسف ثم نظرت إلى سالم باستغراب.

قال يوسف:

"هذه ليلى."

ألقت التحية ثم قالت لسالم:

"وصلت أخيرًا."

نظر إليها بدهشة.

"هل تعرفينني أيضًا؟"

أجابت بثقة:

"كل أهل القرية يعرفون اسمك."

تبادل سالم ويوسف النظرات.

ازداد شعور سالم بأنه يسير داخل حلم لا يستطيع الاستيقاظ منه.

قال يوسف:

"تعال معي."

سارا في أزقة ضيقة حتى وصلا إلى منزل قديم.

فتح يوسف الباب ببطء.

كان المنزل مرتبًا كما لو أن صاحبه خرج منه قبل دقائق.

على الجدار صورة لرجل يقف أمام البوابة الحجرية.

اقترب سالم من الصورة.

شهق.

كان الرجل يشبه والده تمامًا.

لكن ما صدمه أكثر، أن تاريخ الصورة المكتوب أسفلها كان يعود إلى أربعين عامًا.

ومع ذلك... بدا والده في الصورة بالعمر نفسه الذي يتذكره قبل وفاته.

همس سالم:

"هذا... لا يمكن."

قال يوسف بصوت منخفض:

"هنا يبدأ السر الحقيقي."

ثم فتح درجًا خشبيًا وأخرج مفتاحًا أسود صغيرًا.

كان المفتاح مصنوعًا من معدن غريب لا يشبه الحديد أو النحاس، وعلى رأسه رمز دائري يشبه الساعة.

وضعه في يد سالم وقال:

"هذا المفتاح كان أمانة عندي."

"مفتاح ماذا؟"

تغيرت ملامح يوسف فجأة، وكأنه تذكر شيئًا مخيفًا.

"لا أعرف."

اتسعت عينا سالم.

"كيف لا تعرف؟"

"لأن والدك سلّمني المفتاح، وقال لي: لا تعطه لسالم إلا إذا عاد إلى القرية بنفسه."

ساد الصمت.

ثم انطلقت فجأة دقات الساعة الحجرية في وسط القرية.

دقة...

ثم ثانية...

ثم ثالثة...

توقف يوسف عن الكلام، وشحب وجهه.

همس بصوت مرتجف:

"هذا مستحيل..."

سأل سالم:

"ماذا حدث؟"

نظر يوسف إلى الساعة، ثم قال:

"لم أسمع هذه الدقات... منذ أربعين عامًا."

وفي اللحظة نفسها، دوّى صراخ حاد من آخر القرية، تبعه صوت بابٍ ضخم يُفتح ببطء، كأن شيئًا ظل حبيسًا لعقود... قد استيقظ أخيرًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل العاشر: حصار القلب

    لم يجد سالم وقتًا للتفكير.كانت القاعة قد تحولت في لحظات إلى فخ مغلق. وقف نادر عند المدخل، وخلفه الرجال الستة بملابسهم السوداء وأقنعتهم الفضية، بينما كان الشيخ ويوسف وليلى وسالم محاصرين بين الجدران القديمة.رفع سالم المفتاح الذهبي أمامه.كان الضوء المنبعث منه أقوى من السابق، حتى إن الرموز المحفورة على جدران القاعة بدأت تضيء واحدًا تلو الآخر.قال نادر:"أعطني المفتاح يا سالم."أجاب سالم:"لن أعطيك شيئًا."ابتسم نادر."أنت لا تفهم ما تحمله في يدك.""أعرف شيئًا واحدًا... أبي حذرني منك."تغيرت ملامح نادر للحظة، ثم عاد الهدوء إلى وجهه."والدك كان يخاف من أشياء كثيرة."تقدم أحد الرجال الستة نحو سالم.رفع يوسف عصاه أمامه وقال:"خطوة أخرى وستندم."ضحك الرجل خلف قناعه."انتهى زمن الحراس يا يوسف."وفجأة ضرب يوسف الأرض بعصاه.اهتزت القاعة، وانطلقت من الجدار موجة من الضوء دفعت الرجل إلى الخلف.صرخ الشيخ:"سالم! إلى الباب!"ركض سالم وليلى نحو الجانب الآخر من القاعة، بينما حاول يوسف والشيخ إيقاف الرجال الستة.لكن نادر لم يتحرك.كان ينظر إلى المفتاح الذهبي فقط.وكأنه يعرف أن شيئًا أهم من القتال يحدث

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل التاسع: وصية محمود

    لم يتحرك أحد.حتى الهواء داخل القاعة بدا وكأنه توقف عن الحركة.كان الرجل الذي خرج من الساعة العملاقة يقف بثبات، وثيابه البيضاء تتمايل ببطء رغم غياب أي نسمة هواء. أما سالم، فقد شعر بأن قلبه يخفق بقوة حتى كاد يسمعه الجميع.همس بصوت مرتجف:"أبي...؟"رفع الرجل رأسه ببطء، ونظر إليه بعينين امتلأتا بالحزن.ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن ابتسامة شخص عاد إلى الحياة، بل ابتسامة إنسان يحمل على كتفيه عمرًا من الندم.قال بصوت هادئ:"كبرت يا سالم... أكثر مما توقعت."ركض سالم نحوه دون تفكير، لكنه ما إن اقترب حتى مر جسده عبر الرجل، وسقط على ركبتيه.لم يكن هناك جسد.بل صورة.أو شيء يشبه الصورة.استدار سالم ببطء، وهو يلهث."أنت... لست حقيقيًا."أجاب محمود:"أنا آخر ما بقي مني."ساد الصمت.اقترب يوسف، ووقف أمام محمود مطأطئ الرأس."سامحني يا صديقي... لم أستطع تنفيذ كل ما طلبته."نظر إليه محمود بحنان."لقد فعلت أكثر مما يستطيع أي إنسان."ثم التفت إلى الشيخ."وأنت... حافظت على القرية."أغمض الشيخ عينيه، وكأن حملًا ثقيلًا سقط عن قلبه.أما ليلى، فكانت تنظر إلى محمود بدهشة، فهي لم تره من قبل، لكنها سمعت عن

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل الثامن: قلب الزمن

    ظل الجميع يحدق في البوابة الحجرية المضيئة التي ظهرت في عمق الكهف، بينما كانت الصخور المتساقطة لا تزال تتدحرج من السقف. لم يكن الضوء المنبعث منها يشبه ضوء الشمس أو النار، بل كان هادئًا، دافئًا، وكأنه ينبض مثل قلب إنسان.تقدم سالم خطوة إلى الأمام.شعر بأن ساعة الجيب في جيبه أصبحت أثقل من المعتاد، حتى إنه اضطر إلى إخراجها. وما إن فتح غطاءها حتى بدأت عقاربها، التي كانت ساكنة طوال السنوات الماضية، تتحرك للمرة الأولى.عقرب الدقائق دار دورة كاملة.أما عقرب الساعات فتوقف عند الرقم السابع.نظر يوسف إلى الساعة واتسعت عيناه."لقد بدأت."سأل سالم وهو لا يزال ينظر إلى الساعة:"ما الذي بدأ؟"أجاب الشيخ بصوت خافت:"العد التنازلي."ساد صمت قصير.ثم قال سالم:"أنتم تكررون الكلمات نفسها منذ وصلت إلى هذه القرية، لكن لا أحد يخبرني بالحقيقة كاملة."اقترب الشيخ منه، ووضع يده على كتفه."حان الوقت لتعرف."جلس الجميع داخل القاعة، بينما بقي الضوء الذهبي يتسلل من الممر الجديد.قال الشيخ:"قبل أكثر من سبعمائة عام، لم تكن هذه القرية موجودة."نظر سالم إليه باهتمام."في ذلك الزمن، كان المكان مجرد واحة صغيرة يمر بها

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل السابع: اعتراف الحارس الأخير

    ساد الصمت داخل الكهف.لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يسبق العاصفة. وقف سالم ممسكًا بساعة الجيب في يده اليمنى، بينما كانت البلورة الزرقاء في يده اليسرى تنبض بضوء خافت، كأنها تشعر بالخطر الذي يحيط بها.أما الرجل ذو العباءة السوداء، فقد ظل واقفًا في الطرف الآخر من القاعة، وعيناه لا تفارقان سالم.ابتسم ابتسامة باردة وقال:"أخيرًا التقينا... يا ابن محمود."أخذ سالم نفسًا عميقًا وقال بثبات:"من أنت؟"لم يجب الرجل مباشرة، بل سار ببطء حول البحيرة الدائرية، وكانت خطواته لا تُحدث أي صوت، رغم أن الأرض كانت مغطاة بالحصى.قال بعد لحظات:"أنا الشخص الذي كان ينبغي أن يموت قبل أربعين عامًا."نظر يوسف إليه، وتغير لون وجهه.همس بصوت مرتجف:"مستحيل..."التفت الرجل إليه وقال:"ما زلت تتذكرني يا يوسف."خفض يوسف رأسه، ثم قال:"ظننت أنك هلكت يوم انغلق باب المعبد."ضحك الرجل ضحكة قصيرة."أنا أيضًا ظننت ذلك... لكن الزمن كانت له خطة أخرى."تقدم الشيخ خطوة إلى الأمام، وأمسك بعصاه بقوة.قال بصوت حازم:"قل اسمك."توقفت ابتسامة الرجل.ثم خلع غطاء رأسه بالكامل.كان في منتصف الخمسينيات من عمره، لكن

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل السادس: الجبل الذي لا تشرق عليه الشمس

    استيقظ سالم قبل شروق الشمس، لكن شيئًا كان غريبًا.فتح نافذة الغرفة، فلم يرَ خيطًا واحدًا من الضوء.رفع رأسه نحو السماء، فوجدها مضيئة بلون أزرق باهت، وكأن النهار يحاول أن يولد، لكنه يفشل في كل مرة.خرج إلى ساحة القرية، فوجد يوسف والشيخ وليلى يقفون بصمت.سأل سالم:"لماذا لم تشرق الشمس؟"نظر الشيخ إلى الجبال البعيدة وقال:"لقد بدأت العلامة الثانية."اقترب سالم منه."أي علامة؟"أشار الشيخ إلى أعلى قمة في الجهة الشرقية."منذ مئات السنين، كانت الشمس أول ما يلامس تلك القمة كل صباح. لكن عندما يتحرك أحد المفاتيح، يحجب الجبل ضوءها."نظر سالم إلى القمة، ولاحظ أن ظلًا أسود كثيفًا يغطيها بالكامل، رغم أن بقية السماء بدأت تزداد إشراقًا.أخرج ساعة الجيب من جيبه.فور فتحها، تحرك السهم الصغير داخلها، وأشار مباشرة إلى الجبل.قال يوسف:"لقد حان وقت الرحلة."---بعد ساعة، انطلقت مجموعة صغيرة تضم سالم، ويوسف، وليلى، والشيخ، بالإضافة إلى رجلين من أهل القرية يحملان مصابيح وحبالًا.كان الطريق صعبًا، مليئًا بالصخور الحادة والمنحدرات الضيقة.ومع كل خطوة، كان سالم يشعر بأن الهواء يزداد برودة.قالت ليلى وهي تنظر

  • القرية التي اختفى منها الزمن   الفصل الخامس: الساعة التي كانت تنتظر صاحبها

    لم ينم أحد في القرية تلك الليلة.كانت السماء صافية على غير عادتها، والقمر يضيء الأزقة الحجرية بضوء باهت، بينما وقف سكان القرية أمام بيوتهم في صمت ثقيل، يتبادلون نظرات تحمل خوفًا قديمًا عاد ليستيقظ من جديد.أما سالم، فلم يستطع أن يبعد عينيه عن ساعة الجيب التي وجدها داخل الصندوق.أغلقها... ثم فتحها.كرر ذلك مرات عديدة.وفي كل مرة كانت الخريطة الصغيرة المنقوشة داخلها تبدو أكثر وضوحًا، وكأنها تستجيب لشيء لا يراه إلا هو.دخل يوسف الغرفة بهدوء، ووضع مصباحًا زيتيًا على الطاولة.قال بصوت منخفض:"كنت أعرف أن الساعة ستتعرف إليك."رفع سالم رأسه."تتعرف إليّ؟ إنها مجرد ساعة."ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة."وهذا أول خطأ وقع فيه والدك."قطب سالم حاجبيه."ماذا تقصد؟"جلس يوسف على الكرسي المقابل، ثم قال:"هذه الساعة ليست أداة لقياس الوقت... إنها مفتاح."نظر سالم إلى الساعة مرة أخرى."لكنني أملك مفتاحًا أسود بالفعل."أخرج المفتاح من جيبه ووضعه بجانب الساعة.في اللحظة نفسها...صدر صوت معدني خافت.اهتز المفتاح وحده، ثم بدأ يدور ببطء فوق الطاولة دون أن يلمسه أحد.وقف سالم مذعورًا.أما يوسف فلم يبدُ عليه أي ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status