الجزء الحادي عشر: الحديد والسكة نحو الشمالكانت الريحُ الساخنة المحملة بغبار الديزل الصادر عن المولدات الضخمة تصفع وجه "أمين" كلما اهتزت عربة شحن البضائع الحديدية المغلقة.كان مستلقياً على بطنه فوق كومة من أكياس الأسمنت الجاف داخل إحدى العربات الخلفية لقطار البضائع القادم من ميناء "الجزيرة الخضراء" والمجهّز للتحرك نحو العاصمة مدريد. كانت الظلمة خافقة داخل العربة، لا يقطعها سوى خيوط ضوء نحيلة تتسلل من شقوق الباب الحديدي الجانبي المترنح، ترسم أشكالاً هندسية متحركة على جسده النحيل المنهك.كانت قدمه المصابة قد تيبست بالكامل؛ فالدم الملتصق بالطين والألياف الخشبية جعل حذاءه الرياضي يشبه قيداً صلباً يضغط على الجرح. لكن الحرق الحقيقي لم يكن في قدمه، بل كان ينبض في صدره كلما تذكر صورة "يونس" وهو يركض في اتجاه معاكس بين أشجار الخروب في غابات "قادش"، صاخباً بالإسبانية ليجذب أنظار الكلاب والضباط، مضحياً بحريته ليمنح أمين هذه الفرصة الأخيرة.طقطق... طقطق... طقطق...بدأت عجلات القطار الفولاذية تحتك بالسكة الحديدية، مخلّفة إيقاعاً رتيباً زلزل الأرضية الحديدية للعربة. تحرك القطار رويداً رويداً، ي
Last Updated : 2026-08-04 Read more