All Chapters of سلاسل من حرير ورماد : Chapter 11 - Chapter 20

21 Chapters

الفصل الحادي عشر

مع بداية الصباح الجديد، لم تكن هناك أي إشراقة أمل تتسلل إلى غرفة الإعداد المظلمة. كانت وتين تستند بظهرها إلى الصندوق الخشبي المهترئ، تصارع برودة الجدران وطعم الألم المستقر على خدها المحمرّ إثر صفعة ليلة أمس.​في الخارج، كانت خطوات أيهم الثقيلة تدوي في الممر المائل للجناح.​وقف أمام الباب المغلق، يرتدي بدلة رسمية سوداء خيطت بعناية، وعيناه الزرقاوان يكسوهما قناع من الجمود القاسي. لم يُكلف نفسه عناء فتح الباب أو الاطمئنان عليها، بل اكتفى بالنقر بصلابة على الخشب الصامت، وقدم نبرة خفيضة تنضح بالتهديد:​"ستظلين هنا يا وتين.. فلتنفعكِ عزة نفسكِ وصمتكِ اللعين."​استدار بخطوات متسلطة ونزل الدرج، ليجد أم سعد تقف عند أسفل السلم محنيّة الرأس، يحافها الخوف والخزي مما حدث سابقاً.​"لا أحد يقترب من تلك الغرفة، ولا يدخل إليها طعام أو ماء حتى أعود،" أمرها أيهم بصوت كالصخر المسحوق، دون أن ينظر إليها وهو يرتدي ساعته الثمينة.​أومأت أم سعد بطاعة عمياء: "أمرك يا باشا."​غادر أيهم القصر في سيارته الفارهة برفقة سائقه الخاص، متجهاً نحو مقر شركته في قلب العاصمة، حيث كان ينظره جسار لإتمام بضع معاملات مالية معق
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

الفصل الثاني عشر

​مرّ اليومان على الجميع كأنهما دهرٌ ثقيل؛ انقلبت فيهما الموازين، وغرقت فيه النفوس في ترقّب حذر لما سيأتي.​في قصر الغابة المعزول:عاشت وتين أقصى درجات المعاناة وسط البرودة القارسة التي كانت تتسلل من شقوق جدران الغرفة الحجرية. انتهت قطعة الخبز الجافة وزجاجة الماء الصغيرة مع انقضاء اليوم الأول، لتجد نفسها تصارع الجوع العاصر والعطش وجهاً لوجه.​لكن، رغم وهن جسدها وضآلة حيلتها، لم ينكسر كبرياؤها. كانت تستند إلى السرير الحديدي المتهالك، وتغمض عينيها الكحيلتين لترسم في عتمة الغرفة صوراً لثأرها وكرامتها. كانت تعلم أن أيهم يحاول قتل روحها بالخوف، لكن كل ساعة مرت عليها في هذا السجن المظلم زادت قلبها صلابة وجعلت كرهها لطغيانه يتأجج كالجمر.​في قصر العاصمة المظلم:ساد الصمت والوجوم؛ خيم الخوف على الخدم بعد الطرد الدرامي لسعاد واختفاء وتين المفاجئ. أم سعد كانت تتحرك بحذر كالأشباح، تخشى أن ترتكب أدنى خطأ يطيح بها كما أطاح بالسابقين.​أما مريم، فكانت تعيش حالة من الرعب والتمزق؛ كانت تقضي ليلها بالدعاء لوتين، وتستغل كل فرصة للبحث عن أي خيط يوصلها إلى فارس. شقيق وتين الذي كان هائماً في شوارع العاصمة
last updateLast Updated : 2026-08-08
Read more

الفصل الثالث عشر

وقف الموظف عادل وسط برودة قصر الغابة القارسة، يتصبب عرقاً بارداً وهو ينظر إلى جسد وتين الهامد على الأرضية الحجرية. حاول تحريك كتفها بنقرات خفيفة وهو يهتف برعب:"يا آنسة! يا آنسة.. هل تسمعينني؟!"​لا استجابة. كانت بشرتها العاجية قد استحالت إلى شحوب جليدي، وشفتان جافتان تطبقان على أنفاس خفيضة تكاد لا تُذكر.​أخرج عادل هاتفه بأصابع مرتجفة. كان يعلم تماماً السطوة المرعبة لـ أيهم الجارحي، ويعلم أن أي خطأ في التعامل مع شؤونه الخاصة قد يطيح بمستقبله أو يرمي به خلف القضبان. تردد في الاتصال بـ أيهم؛ فالأخير حذره بجفاف ألا يزعجه وأنه في استراحة خاصة، لكن رؤية فتاة تموت أمامه جعلت إنسانيته تتغلب على خوفه.​ضغط زر الاتصال على رقم أيهم الخاص.​في الفيلا الفاخرة الواقعة في أطراف العاصمة...​كانت أضواء الصباح الدافئة تتسلل عبر الستائر الحريرية البيضاء. كانت إيلا تجلس على الأريكة المخملية، ترتدي ثوباً أبيض ناعماً يفيض بالبراءة الخادعة، وتحتضن فنجان الشوكولاتة الساخنة وهي تبتسم بتمثيل أتقنته لسنوات.​كان أيهم يجلس بجانبها، يضع رأسه على كتفها مغمض العينين، وقد جردته حبيبة طفولته من كل أسلحة قسوته وسلطت
last updateLast Updated : 2026-08-08
Read more

الفصل الرابع عشر

تأملت إيلا الشاشة الباردة لهاتفها، وابتسامة مسمومة تتسلل إلى شفتيها المطليتين باللون الأحمر الكرزي. كانت كلمة "غيبوبة" تتردد في ذهنها كنغمة نصر مبكر. أغلقت شاشة الهاتف بحذر شديد وأعادت مسح الرسائل من هاتفها، متصنعة تلك النظرة الملائكية الوديعة قبل أن تسير بخطوات خفيفة كالهواء لتعود إلى جوار أيهم الغارق في نومه العميق على الأريكة.​تأملت وجهه الصارم وسكون ملامحه، ومررت أصابعها الناعمة على شعره الحاد وهي تهمس في سرها:"تظن أنك تملك العالم بقوتك ومالك يا أيهم؟ لم تتغير.. تبني لي قصوراً من الأوهام وتخفي خلف جدرانك أسراراً قذرة، لكنك ستكون ألعوبة في يدي."​مع بزوغ شمس اليوم التالي...​في المصحة السرية التابعة للشركة في أطراف العاصمة...​كانت وتين ترقد على السرير الأبيض في غرفة معزولة تعبق برائحة المعقمات الباردة. أجهزة المراقبة الطبية تصدر نغمات رتيبة تخترق الصمت الشديد، وإبر المحاليل تتغرس في يدها الضعيفة الشاحبة. كانت ملامحها ناصعة كالثلج، وشعرها الأسود الطويل ينهمر على الوسادة كظلال ليل حزين.​وقفت الدكتورة المسؤولة بملامح قلقة، تشاهد مؤشرات القلب الضعيفة مع عادل الذي كان يقف مرتعشاً من
last updateLast Updated : 2026-08-08
Read more

الفصل الخامس عشر

أمر أيهم بتشديد الحراسة السرية على المصحة، وأوكل الحراسة لطاقم خاص يتقاضى أجره منه مباشرة ولا يخضع لإدارة "الجارحي القابضة". ولكن، ورغم تلك الوقفة الانفعالية الطارئة أمام سرير وتين، إلا أن طبع أيهم المجبول على الطغيان والسطحية سرعان ما غلبه مجدداً.​مع مرور الأيام الأولى واستقرار النبض الضعيف لجسد وتين الغائب عن الوعي، أقنعه الأطباء بأن حالتها باتت "مزمنة ومستقرة في حدود الغيبوبة"، وأن مسألة إفاقتها قد تستغرق أشهراً أو ربما أعواماً، دون أي ضمانة علمية.​هنا، وفي زحمة الصفقات وحياة الترف التي نسجتها إيلا حوله براعة ساهرة، بدأ طيف وتين يبهت شيئاً فشيئاً في عقل أيهم. عاد ذلك "العمى" المريب ليكسوه بالكامل. أقنع نفسه أن وتين مجرد أزمة حُسمت، وأن وجودها في هذه المصحة الهادئة يوفر عليه وجع الرأس والتحدي الذي كانت تطلقه في وجهه. ومع الوقت، وبمرور الأسابيع، أصبحت وتين بالنسبة لـ أيهم جثة هامدة نسي وجودها تماماً، ولم يعد يلفظ اسم خاطره، مقنعاً قلبه المريض بأن حكايتها قد انتهت عند أسوار تلك الغرفة المغلقة.​انغمس أيهم بتهور في صخب الحياة مع إيلا، يشتري رضاها بالهدايا الفارهة والقصور، ويقضي معها
last updateLast Updated : 2026-08-08
Read more

الفصل السادس عشر: اهتزاز العرش

استيقظ أيهم في صباح اليوم التالي وشعورٌ مبهم بثقل الصدر يراوده، كأنما تحيط به هالة من الشؤم لا يدري مصدرها.​ارتدى بدلة كحيلية داكنة، ورغم أنه كان يجلس في شرفة الفيلا الفاخرة يحتسي القهوة التي أعدتها إيلا، إلا أن عينيه الزرقاوين كانتا تتطلعان إلى الفراغ. لم تعد ضحكات إيلا ولا دلالها المبالغ فيه قادرين على طرد ذلك السواد الدفين الذي يتسلل إلى أعماقه. لقد مسح من ذاكرته اسم "وتين"، ودفن القسوة التي مارسها عليها في زوايا النسيان، لكن عقله الباطن كان يشعر بأن هناك قطعة مفقودة في حياته.. وأن الثمن الذي تدفعه إمبراطوريته يزداد كل يوم.​قَبّل إيلا على رأسها بجمود خفيف وقال بنبرة جافة:"سأذهب إلى المقر الرئيسي للشركة اليوم يا إيلا.. هناك اجتماعات مؤجلة يجب أن أحضرها بنفسي."​ظهرت لمحة رعب خاطفة في عيني إيلا، لكنها سرعان ما أخفتها بابتسامة ناعمة مطاطية:"كما تشاء يا حبيبي.. اذهب واطمئن، أنا بانتظارك."​بمجرد أن أغلقت بوابة الفيلا خلف سيارة أيهم، أخرجت إيلا هاتفها فوراً واتصلت بـ جسار.​"جسار!" قالت إيلا بنبرة مشدودة: "أيهم في طريقه إلى المقر الرئيسي! لقد تحرك فجأة دون تخطيط.. هل أتممتم نقل العق
last updateLast Updated : 2026-08-09
Read more

الفصل السابع عشر:

ساد القاعة صمتٌ أثقل من ظلال الموت. كانت كلمات جسار وضحكاته المسمومة تتردد في أرجاء الطابق الخمسين كصفير الرياح في مقبرة مهجورة.​تسمّر أيهم في مكانه لثوانٍ معدودة. كان ينظر إلى الورقة الموقّعة بيده، ثم إلى وجه شاهين البارد، وأخيراً إلى عينَي جسار المليئتين باللؤم والشفاء. في تلك اللحظة، لم تعد العينان الزرقاوان تنبضان بالبرود الجليدي، بل تحولتا إلى جمرين من السواد المشتعل. غاب عن عقله كل منطق، وتلاشت سطوة رجل الأعمال، ليحل محلها وحشٌ جريح استُثير كبرياؤه وقُطع شريان نفوذه.​بدون مقدمات، تحرك أيهم كالصاعقة.​اقترب من طاولة الاجتماعات الزجاجية الضخمة، وبحركة واحدة قاسية من يده الفولاذية، قلب الطاولة بالكامل لترتطم بالأرضية الرخامية وتتهشم إلى ألف قطعة متناثرة! تطايرت الشاشات والملفات في الهواء، وأحدث الانفجار الزجاجي دوياً أرجف أركان الطابق كله!​تراجع شاهين برعب خطوة إلى الخلف، بينما قفز جسار من كرسيه وهو يصيح بذعر: "أيهم! هل جننت؟!"​لم يرُد أيهم بكلمة. استدار ببطء نحو مكتبه الخاص الملحق بالقاعة، وخطواته الثقيلة تهز الأرضية. دخل المكتب، وفتح الخزانة الخشبية السريّة ليخرج منها عصا بيس
last updateLast Updated : 2026-08-09
Read more

الفصل الثامن عشر:

خيّم الحزن الأسود على قلب وتين كليل سرمدي لا تشرق له شمس. مرت الأيام والأسابيع ثقيلة كالرصاص، أُقيمت فيها جنازة غيابية حاشدة لـ أيهم الجارحي بعد أن فشلت فرق الإنقاذ في العثور على جثته وسط حطام سيارته التفحمة في قاع الجرف الجبلي. ​كانت الجنازة رسمية وباردة؛ حضرها رجال الأعمال والإعلاميون، وبكت فيها إيلا دموع التماسيح أمام أجهزة التصوير، بينما كانت وتين تتابع العزاء عبر شاشة التلفاز الصغيرة في شقتها المتواضعة، تختنق بعبراتها وهي تلف رأسها بشال أسود، تتذكر كيف انتهت حياة ذلك الجلاد المارد الذي شغل مراهقتها وعذب شبابها، متمنية لو أن أفعال القسوة لم تكسر قلبه وتدفعه نحو تلك الهاوية. ​مع مرور الأشهر، بدأت الموازين تتكشف على حقيقتها الخبيثة. ​تعافى جسار من إصابة كتفه بعد سلسلة من العمليات الجراحية، ليقبض بقبضة من حديد على مقاليد شركة "الجارحي القابضة" التي جردها من اسم صاحبها الأول. أما شاهين، فقد أصيب بشلل جزئي في قدمه إثر طلقة أيهم النارية، وأصبح يتحرك على كرسي متحرك، يداري خيبته وعجزه خلف صفقات الشركة المشبوهة. ​ولم يمضِ وقت طويل حتى انكشف السر الأكبر؛ عقد جسار قرانه رسمياً على إيل
last updateLast Updated : 2026-08-09
Read more

الفصل التاسع عشر:

مشاتل البرد تبسط ظلالها على شوارع العاصمة، والنسيم العليل يحرك أطراف الثوب الأسود الذي يلتصق بـ وتين كوشاح حداد لا يزول. ​نهضت وتين مع بزوغ الصباح المتعب. ارتدت معطفها الداكن الفاخر ببطء، وجمعت شعرها الأسود المنسدل بجمود، ثم وضعت حقيبتها على كتفها وتوجهت بخطوات هادئة نحو مدرجات الجامعة. كانت تفاصيل يومها تسير بنفس الإيقاع الروتيني البارد؛ استمعت للمحاضرات بصمت، وتجاهلت همسات الزملاء الذين اعتادوا رؤية هذه الحزينة الموشحة بالسواد، ثم استأذنت وغادرت الكلية مبكراً قبل زحمة الظهيرة. ​اختارت وتين طريق العودة القديم، ذلك الطريق الالتفافي الهادئ الذي يقطع أطراف الغابة المتاخمة للحي، حيث كانت الأشجار الكثيفة تخفف من ضجيج السيارات وتمنحها مساحة للاختلاء بآلامها. ​كانت تسير فوق الأوراق الجافة الصافرة، وتسمع صرير الرياح بين أغصان الصنوبر. وفجأة! لمحت من بعيد ظل رجل يجلس على جذع شجرة عتيق، وحوله بضعة خرفان ترعى في المساحة العشبية الصغيرة. ​انقبض صدر وتين بالخوف. تراجعت خطوة إلى الخلف، وأمسكت بياقة معطفها وهي تتأهب للالتفاف والركض بعيداً عن هذا الغريب في هذا الطريق الخالي. ​لكن... شق الصمتَ صو
last updateLast Updated : 2026-08-09
Read more

الفصل عشرون:

سقطت قبعة التخرج في الهواء مع مئات القبعات الأخرى، لكن وتين لم تكن تنظر إلى السماء احتفالاً، بل كانت عيناها مثبتتين على الأفق بنظرة مختلفة تماماً. بين هتافات الخريجين والدموع المتناثرة، كانت هي تقف بثبات، تمسك شهادتها بقوة حتى ابيضت أناملها. تلك الورقة لم تكن مجرد إثبات لنهاية سنوات الدراسة، بل كانت تذكرة العبور الأولى نحو خريطتها الجديدة... خريطة الانتقام.​ارتدت ثوب الخريجين الأسود كأنه درع حربي، وقفت لالتقاط الصورة الأخيرة وهي تبتسم ابتسامة غامضة، ابتسامة امرأة تطبخ نصرها على نار هادئة. لم تأبه لغياب من خذلوها، بل على العكس، كان غيابهم ينفخ في جمر عزيمتها.​مرت شهور من العمل الدؤوب والتخطيط الصارم. لم تعد وتين تلك الفتاة التي تسكب الدموع على الماضي؛ سهرت الليالي تسكب بدلاً منها الحبر والخطط الماليّة. استغلت كل ذكائها وعلاقاتها البسيطة لتسلق السلم خطوة بخطوة، حتى بزغ اسم مشروعها الخاص في السوق. في فترة قياسية، وبفضل جرأتها وحسها التجاري العالي، أصبحت وتين أصغر امرأة أعمال تتسلل بثبات إلى عالم المال والأعمال.​لم يكن طريقها مفروشاً بالورد، لكن مرارة الخيانة جعلت ذوق النجاح حاداً ولدي
last updateLast Updated : 2026-08-09
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status