All Chapters of سلاسل من حرير ورماد: Chapter 31 - Chapter 40

48 Chapters

الفصل الحادي والثلاثون: صدمة الرصاص ورماد الانتقام

دوى الصراخ في الممر المظلم، وتطاير الرصاص كالمطر القاتل في أرجاء الحانة. لم تكن هناك مساحة للبكاء أو النحيب؛ ففي لحظة عمياء سادها الموت، اندفع الدون هارون كالفهد المفترس من بين الدخان، يحيط به حراسه الشخصيون الذين أطلقوا وابلاً من النار لتغطية الانسحاب.​سحب هارون وتين (أنيا) بقوة جبارة من ذراعها وهي تتشبث بجسد ريان الغارق في دمائه، فرفعها بين يديه دون أن ينظر إلى دموعها الصارخة، وجرها جراً وسط حالة من الفوضى العارمة. صعد بها إلى إحدى السيارات المصفحة التي انطلقت بسرعة جنونية، تلاحقها طلقات المرتزقة والمافيا حتى اختفت القافلة في ظلام صقلية الدامس، متجهة نحو منزل أمني معزول ومخفي بين الجبال.​وصلا إلى البيت الجبلي المعزول، حيث يلفه الصمت والبرود من كل جانب. سقطت وتين على أرضية الغرفة المظلمة كجثة بلا روح. لم تعد تنطق بكلمة واحدة، واحتلت عينيها نظرة انكسار واكتئاب حاد لم يستطع أحد اختراقه. أُحضرت لها أطباق العشاء الفاخرة، لكنها لم تلمسها؛ وظلت الأطباق كما هي حتى الصباح. وحين أطلت أشرقة الفجر، أعدت لالة زهرة مائدة الإفطار، لكن وتين رفضت الخروج من سريرها، تحاف ببطانيتها وتنظر إلى الفراغ،
last updateLast Updated : 2026-08-16
Read more

الفصل الثاني والثلاثون:

كان الصمت الذي أعقب غيبوبة وتين أثقل من صرير الرصاص. تناثر غبار الباب المكسور في هواء الساحة الجبلية، بينما مرت الثواني كأنها سنوات. انحنى هارون ببرود تام، ودون أن تبدو على وجهه أي ملامح للشفقة أو الندم، رفع جسدها المنهار عن الأرض الباردة بين ذراعيه. كانت وتين تبدو كأنها فراشة تحطمت أجنحتها؛ وجهها شاحب كالثلج، ورموشها الليلة ملتصقة بوجنتيها من أثر الدموع الجافة.​سار بها نحو القصر بخطوات متزنة، مراراً بالحارس المستلقي الذي كان يتلقى الإسعافات الأوليية من أحد المسعفين الخاصين. النظر هارون إلى الحارس بنظرة حادة خاطفة، متأكداً أن إصابته لم تكن سوى خدش سطحي في الكتف، ثم واصل طريقه إلى الداخل دون أن ينطق بكلمة.​وضعها على السرير الوفير في الغرفة العلوية ذات المطل الجبلي، ثم أشار لـ "لالة زهرة" لتتولى العناية بها. خرج هارون وقف أمام النافذة الزجاجية الضخمة في الممر، يراقب قمم الجبال المكسوة بالضباب، ويداه مطويتان خلف ظهره. كان يعلم أن ما فعله كان قسوة مفرطة، لكنه كان يدرك أيضاً أن العالم الذي أقحمت نفسها فيه لا يرحم الضعفاء، وأن البكاء لن يحميها من طلقات المرتزقة في المرة القادمة.​مرت ساعا
last updateLast Updated : 2026-08-16
Read more

الفصل الثالث والثلاثون

مرّت الأيام متتابعة في ذلك القصر الفخم والمهيب، وكسى المطر والضباب الأسوار العالية والحدائق المترامية، ليضيف هالة من العزلة الشديدة على حياة وتين داخل جدرانه الرخامية. غير أن هارون—وفي خطوة غير متوقعة قبل مغادرته إلى إحدى مهماته العملية المفاجئة والخارجية—أحضر لوتين خادمة خاصة تعتني بها وترافقها. كانت الفتاة تُدعى أروى، وبمجرد أن نُطقت كلماتها الأولى، أدركت وتين أنها تنتمي إلى نفس بلدها الأم، ما أضفى على أروقة القصر الباردة بريقاً خفيفاً من الألفة والدفء الذي افتقدته طويلاً.​خرج السيد هارون في الصباح الباكر برفقة موكبه المصفح، يخوض معاركه الدبلوماسية مع زعماء المافيا ويتابع أعماله وتجارته المعقدة. ساد الهدوء أرجاء القصر الشاسع، ووجدت وتين نفسها لأول مرة منذ وقت طويل تجلس في إحدى شرفات القصر الرخامية المطلة على الحديقة برفقة أروى.​أحضرت أروى صينية الشاي الدافئة، وقدمتها لوتين باحترام فائق وهي تقول: "تفضلي يا سيدتي.. أي شيء آخر تحتاجينه؟"​نظرت إليها وتين برفق وابتسمت ابتسامة هادئة، ثم قالت: "أروى.. أرجوكِ لا تناديني بـ 'سيدتي'. ناديني باسمي فقط.. 'وتين' أو 'أنيا'."​ترددت أروى وتراجع
last updateLast Updated : 2026-08-16
Read more

الفصل الرابع والثلاثون

انسحب الهواء من رئتي وتين تماماً وهي ترى هارون يقف أمامها في ذلك المكان المحرم. لم تكن نظراته تخفي غضباً عارماً كما توقعت، بل كانت تحيط بها هالة من الجمود والغموض الذي يبعث على الرهبة أكثر من أي صراخ. ظل واقفاً يراقبها بعينيه الخضراوين اللتين تشعان ببرود حاد، بينما انعكس ضوء الإضاءة الخافتة على وجهه الحاد.​اقترب منها هارون بخطوات بطيئة وثابتة، كفهد يحاصر طريدته دون عجلة. تراجعت وتين إلى الوراء بخطوات مرتعشة حتى اصطدم ظهرها بحافة الخزانة الزجاجية التي تضم الأوسمة العسكرية القديمة.​توقف هارون على بعد انشات معدودة منها، حتى أصبحت أنفاسه الباردة تلامس وجهها الشاحب، ثم قال بصوت عميق ومبحوح يخترق الصمت:"يقال إن الفضول قتل القط يا أنيا.. ويبدو أنكِ تبحثين عن نهايتكِ بيدكِ."​لم تتحمل وتين ثقل نظراته، وغصّت العبرة في حلقها. رفعت عينيها الممتلئتين بالدموع، وقالت بصوت مكسور يقطر وجعاً:"أنت لست وحشاً كما تحاول أن تظهر للجميع يا هارون... ولست مجرد مجرم بلا قلب كما تتدعي."​توقف هارون لثانية، وتصلبت ملامحه كالحجر. ضاق بصره عليها، وبدت على وجهه ومضة من الدهشة الفاترة، ثم رفع يده ببطء ومسح بحافّ
last updateLast Updated : 2026-08-17
Read more

الفصل الخامس والثلاثون:

انقضت الساعات الفاصلة بين الصباح والظهيرة بسرعة ثقيلة، وكأن الوقت نفسه كان يحملق بترقب في العاصفة القادمة. لم تكن رحلة الانتقال من القصر الجبلي المعزول إلى قلب العاصمة الإيطالية روما مجرد تغيير مكاني، بل كانت عبوراً مباشراً نحو خطوط النار الأمامية لعالم الجريمة المنظمة. استقرت قافلة السيارات المصفحة السوداء أمام المقر الرئيسي لشركة "فالكون جروب"، وهو برج زجاجي شاهق وشامخ يتوسط أضواء المدينة الصاخبة، ويخفي خلف واجهاته الفاخرة مستودعات ومكاتب لإدارة أكبر شبكة مافيا في أوروبا.​ترجل هارون من السيارة أولاً، يليه عدد كبير من الحراس المدججين بالأسلحة الثقيلة. أما وتين (أنيا)، فقد فتح لها الباب حارس شخصي، لتخطو قدمها على البلاط المصقول للمدخل الرئيسي وهي تشعر بأن الهواء هنا أثقل وأكثر توتراً بمليون مرة من جبال صقلية. عيناها الكحيلتان كانتا ترصدان كل تفصيلة؛ الرجال، الأبواب الإلكترونية، وحجم التأمين المرعب الذي يحيط بالمكان.​تقدم هارون بخطوات واثقة وثقيلة نحو المصعد الخاص برؤساء المنظمة، والتفت نحوها قائلاً بنبرة حادة ونافذة:"هنا لا مجال للتردد يا أنيا. المقر الرئيسي ليس كالقصر؛ هنا تتحرك ا
last updateLast Updated : 2026-08-17
Read more

الفصل السادس والثلاثون: لهب النيران وعناق الجروح

كان دوي الرصاص يمزق سكون الميناء المهجور كأنه رعد عاصفة هوجاء. تفوحت رائحة البارود والحديد المحترق في الأرجاء، بينما كانت النيران تتصاعد من الزوايا المجاورة بفعل القنابل الدخانية والحرارية التي أمطرها المرتزقة الفرنسيون على المكان.​وسط تلك الفوضى الضاربة، كانت وتين (أنيا) جثية على ركبتيها أمام لوحة التحكم الإلكترونية، وأصابعها المرتجفة تحاول إدخال الأرقام والشفرات الأخيرة على الشاشة اللوحية. كانت دموعها تختلط بالعرق على وجنتيها، وصوت أنفاسها المتقطعة يكاد ينقطع، وكل ما يتردد في ذهنها هو ذلك المشهد المرعب: دماء هارون وهي تتساقط من كتفه الأيمن، وتلطخ معطفه الأسود الغالي.​على بعد خطوات منها، كان الدون هارون واقفاً كالجبل الأشم، ممسكاً بمسدسه بيده اليسرى بعد أن أصيبت يده اليمنى بشكل طفيف إثر الرصاصة الغادرة التي اخترقت كتفه. كان الدم ينزف بغزارة من جرحه، لكن ملامحه السمراء لم تزدد إلا قسوة وصلابة، وكأن الألم كان يغذي فيه طاقة غضب وحشية لا تعرف الرحمة. أطلق هارون رصاصتين متتاليتين بدقة قاتلة نحو اثنين من المرتزقة اللذين حاولا التقدم من الممر الجانبي، ليسقط الاثنان صريعين قبل أن يصلوا إلي
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more

الفصل السابع والثلاثون:

استقر الهدوء المشوب بالحذر في قصر "البيت الأبيض" بعد ليلة الميناء الدامية. كانت الشمس قد بدأت تغيب خلف تلال روما، تاركة وراءها سماءً أرجوانية تلونت بلون الغسق، وهو اللون ذاته الذي كان يصبغ مشاعر وتين (أنيا) تجاه هارون.​في المكتب الرئيسي للقصر، كانت فيكتوريا تجلس مع ماركو وديمتري، يحللون نتائج الهجوم الفاشل للمافيا الفرنسية. كانت التقارير تفيد بأن الزعيم الفرنسي "جان لوك" قد جن جنونه بعد خسارته للشحنة، وأنه بدأ يحشد كل قواته لشن هجوم شامل على "فالكون جروب". أما هارون، فكان يقضي معظم وقته في جناحه الخاص، يتابع العمليات عن بعد، حيث كان جرح كتفه يمنعه من الحركة المفرطة.​كانت وتين تمضي وقتها في المكتبة الواسعة، تحاول الانغماس في الكتب، لكن عقلها كان مع هارون. في كل مرة تغمض فيها عينيها، كانت ترى وجهه المتركز في الألم، وتشعر بقبضته القوية على يدها. لم تكن مجرد مهمة عمل أو علاقة بين مخطوفة وخاطفها؛ لقد تحول الأمر إلى شيء أعمق وأخطر، شعورٌ يشبه المشي على حافة بركان ثائر.​قررت وتين أن تكسر حاجز الجليد. أعدت صينية تحتوي على وجبة خفيفة وبعض المشروبات الدافئة المهدئة، وتوجهت بخطوات متسارعة نحو
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more

الفصل الثامن والثلاثون :

استيقظ القصر على صمت مريب، صمت يسبق العاصفة، لكنه لم يكن هدوءاً عادياً، بل كان هدوءاً مشحوناً بتيارات خفية من الحقد والمؤامرات. فيكتوريا، التي كانت يوماً ما حليفة وتين، أصبحت الآن تراقب كل حركة تقوم بها الأخيرة بعينين أشبه بعيني أفعى تتربص بفريستها. لم تكن غيرتها مادية أو سلطوية فقط؛ بل كانت غيرة امرأة رأت الرجل الذي اعتبرته ملكاً لها – دون أن يعترف بذلك – ينحني أمام فتاة جاءت من العدم لتخترق دروعه التي بناها عبر سنوات من الدم والنار.​في المقابل، كانت وتين تعيش في دوامة من التناقضات. كلما التقت عيناها بعيني هارون في الأروقة، كان الجو يشتعل بشرارة تعيد للأذهان تلك القبلة التي غيرت كل شيء. لكن هارون، كعادته، كان يرتدي قناعه الحديدي ببراعة، يتجاهلها رسمياً، لكن نظراته الخاطفة كانت تفضح بركاناً من المشاعر المكبوتة.​صباح ذلك اليوم، اجتمعت فيكتوريا بماركو في ركن منعزل من الحديقة الخلفية للقصر. كان الجو ضبابياً، والندى يغطي أوراق الشجر كأنه دموع السماء.​همست فيكتوريا بصوت مسموم:"لقد بدأ هارون يفقد صوابه يا ماركو. لم يعد ذلك الرجل الذي نعرفه. أنيا أصبحت نقطة ضعفه، ووجودها هنا يهدد كل إمبر
last updateLast Updated : 2026-08-20
Read more

الفصل التاسع والثلاثون: صدى الحريق والجليد

بدأ الهجوم كالرعد المجلجل. لم تكن مجرد محاولة تسلل أو ضربة استباقية عادية، بل كان اقتحاماً دموياً متوحشاً دبره "جان لوك" بدقة متناهية، مستغلاً الفوضى وثغرة الأنظمة التي هندستها فيكتوريا مسبقاً. اهتزت جدران القصر الحصين على وقع الانفجارات المتلاحقة، وتناثر زجاج النوافذ في الأروقة كنجوم مكسورة، بينما ملأ دوي الرصاص المكان معلناً ساعة الصفر.​في قلب الفوضى العارمة، تحول هارون في ثوانٍ معدودة إلى آلة حرب لا ترحم. فبينما كان يوزع رجاله ويدير خطوط الدفاع بصرامة ديكتاتور مسلّح، كانت عيناه المشتعلتان بالغضب تبحثان بقلق جحيمي عن وتين. لكن المخطط كان محكماً، وانقطاع التيار الكهربائي المفاجئ أغرق أجنحة القصر في ظلام دامس لم يخرقه سوى وميض نيران الأسلحة.​ووسط الدخان الكثيف والتدافع، انفصلت وتين عن محيط حمايتها. ظهرت ظلال رجال ملثمين من خلف الممرات السرية، وقبل أن تتمكن من التراجع أو استخدام سلاحها، انقض عليها أحدهم واضعاً قطعة قماش مشبعة بمخدر قوي على وجهها. قاومت بكل ما أوتيت من قوة، وتخبطت كطائر محبوس، لكن الظلام المخدر كان أسرع، وتلاشت أصوات الانفجارات تدريجياً حتى ابتلعها السبات العميق.​في
last updateLast Updated : 2026-09-20
Read more

الفصل الأربعون: أنفاس في الجليد والحديد

كان الصمت في غرفة الاحتجاز مظلماً وثقيلاً لدرجة أن وتين كانت تكيت دقات قلبها المرتجفة. البرودة القارسة بدأت تتسلل إلى عظامها من خلال ملابسها المبللة، لكن الألم الجسدي لم يكن شيئاً مقارنة بالعاصفة التي كانت تدور في رأسها.​الرجل الذي يقف في الظلام لم يتحرك من مكانه، لكن عينيه كانتا تتابعان كل اهتزازة لجسدها بمتعة سادية. تقدم خطوات بطيئة نحوها، وارتطمت أصوات حذائه الخشن بالأرضية الاسمنتية وكأنها مطارق تدق نعشاً. توقف أمامه مباشرة، وانحنى قليلاً ليقترب من أذنها، شامه رائحة الخوف التي تفوح منها، وهمس بصوت مرعب:​"هل تشعرين بالبرد يا أنيا؟ هذا لا شيء مقارنة بما ينتظركِ. جان لوك لا يريد معلومات، ولا يريد فدية.. إنه يريد أن يرى كيف سيحترق قلب ذلك الديكتاتور وهو يجمع أشلاءكِ."​رفعت وتين رأسها ببطء، وتجاوزت رعشة البرد لتستمد قوة غامضة من فكرة واحدة: هارون لن يستسلم بسهولة. وبصوت مبحوح لكنه ثابت، قالت بتحدٍ:​"أنت لا تعرفه.. هارون ليس رجلاً تبكيه على أشلاء، بل هو الطوفان الذي سيغرقكم جميعاً."​ضحك الرجل ضحكة جافة وقاسية، ثم استقام وقال وهو يلوح بيده لأحد الحراس الواقفين في العتمة:"دعينا نرى إ
last updateLast Updated : 2026-09-20
Read more
PREV
12345
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status