All Chapters of في قبضة الجبلي: Chapter 61 - Chapter 70

108 Chapters

61- عادة سيئة

بعد عودتهما من الطريق الجبلي، جلست سيرافينا قرب المدفأة الحجرية في الجناح، وما زالت اجواء البرد والضيق تطوق ملامحها من كلام فيكتور الأخير في السيارة. حاولت إشغال نفسها بتجاهله، بينما استقر هو على المقعد المقابل تماماً، مخلعاً قفازيه الجلديين الثقيلين ليبدأ بتفقد الأوراق والمستندات الرسمية التي أحضرها معه من موقع الانهيار الصخري. كان الصمت بينهما ثقيلاً ونابضاً بتوتر خفي، إلى أن رفعت سيرافينا عينيها فجأة، وقطعت السكون بصوت محتد: "بالمناسبة، لا تظن أن جملتك الأخيرة في السيارة جعلتك محقًا." لم يرفع فيكتور عينيه عن الأوراق، وقال بصوت جاف: "أي جملة؟" "حين قلت إنني أعتاد الوقوف أمام الأبواب وكأنني أنتظر من ينقذني." أجاب ببرود مقتضب: "إن كنتِ لا تريدين سماع رأيي، فلا تسأليني عنه." ضاقت عيناها بغيظ مكتوم، وكعادتها دائماً حين تشعر بالتوتر أو الانزعاج، رفعت شفتها السفلى وعضت عليها بخفة دون أن تنتبه لتبعات ذلك. لكنها، للأسف، عضّت تحديدًا على موضع التورم والإصابة القديمة. انقطع نفسها فجأة، وتراجعت للخلف بحركة سريعة بينما وضعت أصابعها المرتجفة فوراً على فمها. تحول وجهها المشتعل بالغضب إل
last updateLast Updated : 2026-09-16
Read more

62- الطريق الذي لا يُنتظر

في صباح اليوم التالي، استيقظت سيرافينا على ألم خفيف ونابض في شفتها، ليوقظ معها ذكرى حارقة لأصابع فيكتور وهي تثبت ذقنها بقسوة، وصوته الآمر يتردد في أذنها: *"لا تعضيها."* حاولت جاهدة طرد هذا الطيف المزعج من رأسها، ونزلت إلى قاعة الطعام حيث وجدته واقفاً قرب النافذة الكبيرة، يرتدي معطفه الجلدي الثقيل ويشد رباط ساعته، بينما يتابع تقرير أحد رجاله عبر الهاتف بصمت مطبق. ما إن وقع نظره عليها حتى تحولت عيناه الرماديتان مباشرة نحو وجهها، متفحصتين أثر التورم الذي وإن خف، إلا أنه لا يزال يرسم علامة واضحة. قالت بحدة مسبقة لتقطع الطريق على أي تعليق محتمل: — لا تبدأ. رفع فيكتور حاجبه ببرود، ورد بصوته الرخيم المعتاد: — لم أقل شيئًا. — لكنك كنت على وشك أن تقول إنني أفسدت العلاج مجددًا. نظر إلى شفتها نظرة عميقة، وقال بلهجة جافة تخفي خلفها شيئاً: — كنت على وشك أن أقول إنك تأخرت عن الطعام. تجهّمت ملامحها واتجهت نحو الطاولة وهي تتمتم بغيظ: — كاذب. رد دون أن يلتفت إليها، مكملاً حديثه المقتضب: — ولسانك أيضًا لم يتورم؛ يبدو أن الحظ لا يزال إلى جانبك. توقفت للحظة، وحدقته بنظرة مشتعلة، بينما ظهرت عل
last updateLast Updated : 2026-09-19
Read more

63- حين يعجز الجبل

بعد أن غادرا الكوخ، لم يكد موكب السيارات يقطع مسافة قصيرة حتى بدأت العاصفة تبتلع الطريق من جديد. كانت الثلوج تتساقط بكثافة جعلت الأشجار المحيطة تبدو كظلال باهتة خلف ستار أبيض، بينما أخذت عجلات السيارة تغوص في طبقات الثلج المتراكمة. كان فيكتور يقود بصمت، ويداه ثابتتان على المقود، لكن فكه المشدود كان يكشف عن ضيق لم يكن سببه الطريق وحده. جلست سيرافينا إلى جواره، تراقب الخارج من خلال الزجاج، ثم التفتت إليه حين لاحظت أنه خفف السرعة فجأة. — ما الأمر؟ لم يجبها فورًا. رفع عينيه نحو المرآة، ثم ضغط على زر الاتصال. — ما وضع الطريق خلفنا؟ جاءه صوت أحد رجاله متقطعًا بسبب التشويش: — الانهيار أغلق الممر بالكامل، سيدي. نحاول فتحه، لكن الصخور ما زالت تتساقط. لا يمكننا التقدم أو العودة الآن. انخفضت ملامح فيكتور أكثر. — وكم نحتاج؟ — لا نعرف. ربما ساعات… وربما حتى الصباح. أغلق الاتصال دون تعليق، ثم أوقف السيارة إلى جانب الطريق في منطقة تحيط بها أشجار كثيفة تمنحهم بعض الحماية من الرياح. توقفت السيارات الأخرى خلفه، ونزل الرجال لتفقد الوضع، بينما بقي هو في مكانه للحظات، يحدق أمامه وكأنه
last updateLast Updated : 2026-09-19
Read more

64- حين تنسى أين هي

مع انتهاء عاصفة الارتجاف وبدء تسلل الدفء إلى أوصالها، لم تعد سيرافينا تقاوم ذلك القرب. ظلت مستندة إلى صدره؛ في البداية كانت واعية جداً لكل تفصيل: دقات قلبه المنتظمة التي ترتطم بظهر كفها، ثقل يده الثابتة على ظهرها، ومحاولتها المستميتة لتبقى متصلبة كي لا يلاحظ أنها استسلمت للراحة. لكن مع مرور الساعات الثقيلة، تآكلت مقاومتها تحت تأثير التعب والعاصفة. بدأت عيناها تثقلان تدريجياً، وبدل أن تستمر في جلوسها الرسمي، تحركت دون وعي لتستقر أكثر فوقه. انزلق رأسها ببطء من كتفه ليستقر قرب عنقه مباشرة، وفتحت يدها التي كانت محجوبة بينهما لتستقر فوق صدره، متمسكة بقميصه بخفة عفوية. شعر فيكتور بذلك التغيير الجذري في حالتها. توقف عن تحريك أصابعه على معطفه، ولم يقل شيئاً رومانسياً يفسد الصمت. بدل ذلك، التفت ببطء لينظر إليها. كانت نائمة تماماً بين أحضانه؛ شعرها المبعثر يتناثر فوق صدره، ملامحها التي كانت قبل دقائق مشحونة بالتحدي والغيظ باتت ساكنة ووديعة، ويدها تقبض بخفة على قماش قميصه. ظل يحدق بها طويلاً في شبه عتمة السيارة، وكأنه يحاول فك شفرة هذا التأثير الغريب الذي أسره. لم يكن يعرف متى تحولت تلك المرأ
last updateLast Updated : 2026-09-20
Read more

65- القرب الذي لم يعد عابراً

لم تكد صدمة اللاسلكي وتلك الآثار الغريبة تخترق سكون الليلة الباردة، حتى تجمد كل ما حولهما. أغلق فيكتور الجهاز ببطء شديد، وانتقلت عيناه من الشاشة إلى سيرافينا التي كانت تستوعب لتوها هول الموقف. لم يكن هناك مجال لمواصلة أي حديث خفي؛ فقد تبدد ذلك الدفء العابر الذي غلف مقصورة السيارة ليحل مكانه صمت معدني حذر. أمضيا ما تبقى من الليل على تلك الهيئة، عيون ساهرة وأذهان تحارب شبح مجهول يتربص بهما وسط الثلوج. مع خيوط الفجر الأولى، بدأت أصوات الرجال تعلو في الخارج، وهم يزيحون الكتل الثلجية ويههدون الطريق. في تلك الأثناء، كانت سيرافينا قد استندت برأسها إلى زجاج النافذة المتجمد، تحاول تهدئة نبضاتها المتقطعة، بينما ظل فيكتور يراقب الحراك الخارجي بملامح حجرية مصلتة لا تفرط بشيء. حين توقفت السيارة تماماً مع إعلان الرجال فتح الطريق، بادر فيكتور بفتح بابه والترجل أولاً لتفقد الوضع وتوجيه الحراس. فتحت سيرافينا بابها ووضعت قدمها على الثلج الكثيف، لكن ساقيها الخائرتين كادتا تخذلانها بعد ساعات الجلوس الطويل؛ فتكثرت خطواتها وكادت تفقد توازنها. قبل أن ترتطم بالأرض، كانت يد فيكتور الخشنة تحيط بمعصمها بقوة
last updateLast Updated : 2026-09-20
Read more

66- لستِ مثلي

استمرت يد سيرافينا مستقرة على ذراعه لدقائق طويلة بعد تحرك المركبة في عمق الصقيع. وسط اهتزازات الطريق الهادئة، انتبهت فجأة لتماس أصابعها بقماش معطفه؛ سرعان ما سحبت يدها ببطء، محاولة استدراك الأمر وكأنها ترتكب خطأ بريئاً. لم يعلق فيكتور بحرف واحد، لكن نظرة خاطفة من طرف عينيه الرماديتين أكدت أنه لاحظ كل ثانية. بعد لحظات، هبط مطبّ قاسي مفاجئ فوق الثلج المتراكم، فمالت السيارة بقوة جانبية. وقبل أن تكمل سيرافينا ميلانها أو تختل توازنها، امتدت يد فيكتور الخشنة بسرعة البرق لتقبض على كتفها وتثبتها في مكانها بقوة حاسمة. قالت بصوت مقتضب وهي تعدل جلستها: — لا تقلق، لم يحدث شيء. رد بحدة غير معتادة، كأنما يوبخ شيئاً داخله: — أعرف. نظرت إليه باستغراب خفي؛ لم تكن نبرته خوفاً عادياً من سقوطها، بل ضيقاً صامتاً ومرعباً من مجرد احتمال أن يطالها الأذى فوق هذا الطريق. ما هي إلا دقائق حتى وصلوا إلى النقطة المتضررة من الطريق الجبلي، حيث تراكمت الصخور والثلج المنزلق. ترجل الرجال للعمل، وتقدم فيكتور معهم لتوجيههم. لم تتردد سيرافينا؛ نزلت بدورها مصممة على ألا تظل عالة. عرف فيكتور طباعها جيداً، فبدل أن يدخ
last updateLast Updated : 2026-09-20
Read more

67- ليلة هادئة على غير العادة

حين ترجلت سيرافينا من السيارة وعبرت عتبة القصر برفقة فيكتور، كان الصمت يغلف المكان وكأن العالم بأسره قد انكمش تحت طبقات الثلج. كان البيت هادئاً، والجميع قد أخذ نصيبه من الإنهاك بعد ليلة طويلة من المكابدة مع العاصفة. تطلعت سيرافينا إلى صعود غرفتها مباشرة لترخي أعصابها المتوترة، لكن ما إن تجاوزت الممر المؤدي للصالة حتى لفت انتباهها وهج برتقالي دافئ يتسلل من الداخل. اقتربت بهدوء لتجد المدفأة الكبيرة ما زالت مشتعلة. كان فيكتور قد خلع معطفه الثقيل وشمّر عن ساعديه، جالساً بقميص أسود أمام النار، وأمامه كوب فارغ وبعض قطع الحطب الملقاة بعناية. رفع عينيه الرماديتين إليها ببرود مصطنع، وقال: — لماذا لم تنامي؟ ردت ببرود مماثل وهي تعقد ذراعيها: — كنت سأفعل، لكن يبدو أنك احتللت المكان الوحيد الصالح للحياة في هذا القصر. رفع حاجبه بتهكم خفيف: — الصالة ملك للجميع. — أعرف.. لكنك تجعلها تبدو كأنها ملكك وحدك. تجاهل تعليقها وأشار بكتفه نحو الجهة المقابلة من النار، فجلست بهدوء. لكن بعد دقائق، لاحظت أن ألسنة اللهب بدأت تخفت وتتراجع ببطء. قالت وهي تقطب جبينها: — النار ستنطفئ. أجاب بلا مبالاة ظاهري
last updateLast Updated : 2026-09-28
Read more

68- وجهان للرجل ذاته

فتحت سيرافينا عينيها مع خيوط النور الأولى التي تسللت عبر زجاج النافذة. شعرت بارتياح غريب يكاد يكون غير معتاد في هذا القصر. وبعد لحظات، تسللت بخطوات هادئة نحو المطبخ، وما إن انعطفت عند الزاوية حتى توقفت مكانها بملامح مذهولة. كان فيكتور هناك. لم يكن يرتدي معطفه الجلدي الثقيل، ولا حزام سلاحه، ولا تلك الهيبة الصارمة التي تسبق ظهوره دائمًا. كان يرتدي قميصًا أسود بسيطًا مفتوحًا عند العنق، وأكمامه مرفوعة لتكشف عن ساعدين قويين، بينما بدا شعره الداكن منكوشًا قليلًا، وكأن أصابع النوم عبثت به دون أن تكترث لمظهره المعتاد. كان يشرب قهوته ببطء أمام الطاولة الخشبية، مستغرقًا في هدوء الصباح. لاحظ وقوفها، فرفع عينيه إليها ببرود خفيف. — ماذا؟ رمقته سيرافينا بفضول لم تستطع إخفاءه، ثم قالت: — لا شيء… فقط لم أرك هكذا من قبل. أخذ رشفة أخرى من قهوته وأجاب بلا مبالاة: — لأنك عادةً تنشغلين بالتذمر فور فتح عينيكِ. رفعت حاجبها وجلست أمامه. كان قد أعد إفطارًا بسيطًا بالطريقة المحلية. تناولت لقمة واحدة، وما إن ابتلعتها حتى قطبت جبينها باعتراض واضح. — الملح زائد. رفع فيكتور عينيه إليها. — وماذا بعد؟
last updateLast Updated : 2026-09-28
Read more

69- ضجة غير معتادة

فتحت سيرافينا عينيها على ضجيج مفاجئ اخترق سكون الصباح؛ صهوات خيول تضرب حجارة الساحة الخارجية، وأصوات رجال يتبادلون النداءات العاجلة وسط عتمة الفجر. خرجت من ممر غرفتها لترقب ما يجري، لتتفاجأ بمجموعة جديدة تصل بطريقة فوضوية توحي بأن طارئاً خطيراً قد وقع. كان في مقدمتهم إلياس، أحد أشرس رجال فيكتور القدامى، وترافقه فتاة ذات ملامح قوية وملابس سفر جبلية غارقة بالوحل والغبار: **كلارا**. ترجلت كلارا عن حصانها بتعب واضح لكن بثبات، وربطت اللجام بسرعة قبل أن تلتفت. لم تكن هناك أي تحيات منمقة؛ رأت فيكتور واقفاً على عتبة الباب يراقب وصولهم بنظرات حادة، فتوجهت نحوه مباشرة وقالت بصوت خشن ومختصر يغلب عليه الجدية: — الطرق الشمالية أُغلقت بالكامل، والثلج حبس العائلات في الممر السفلي.. لم يتبقَ وقت لنضيعه في الكلام يا فيكتور. نظر إليها فيكتور بتقاسيم متجهمة، ورد ببرود حاسم: — كنت أظن أنكِ عرفتِ كيف تخرجينهم قبل أن تسقط العاصفة. — لو كان الأمر بيدي وحدي لما جئتُ أطلب مساعدتك. راقبت سيرافينا المشهد من عتبة الباب بصمت مطبق. أول ما لفت انتباهها هو خلوّ حديثهما من أي تكلف؛ لغة واضحة وخشنة بين ش
last updateLast Updated : 2026-09-28
Read more

70- آثار لا تقود إلى أحد

علق صدى صوت فيكتور في أرجاء التجويف الصخري المظلم: — لم يغادروا من هنا.. بإرادتهم. تقدم إلياس بخطوات سريعة متلهفة نحو فوهة الممر الضيق، وبدت على ملامحه رغبة عارمة في اقتحام العتمة فوراً، لكن يد فيكتور القوية استقرت على كتفه كالجلمود، مانعة إياه من التقدم: — قف مكانك يا إلياس. لا أحد يتحرك قبل أن أفحص الأرض. انحنى فيكتور على الثلج والتراب المختلط بصقيع الجبل، وأخذ يمرر عينيه الحادتين على التفاصيل الدقيقة. لم تكن آثار الأقدام عشوائية؛ كانت هناك أثار أحذية ثقيلة وخشنة تعود لرجال أشداء، متداخلة مع آثار أقدام أصغر حجماً تعود لأفراد العائلة، فضلاً عن خطوط سحب واضحة لثقل بشري أو متاع أُجبر على التحرك عبر الثلج. شحب وجه كلارا فور رؤيتها لأثر معين على الصخر، وتسلل التوتر إلى صوتها وهي تتمتم بخفوت مشحون بالرعب: — هذا الأثر.. أخي الأصغر كان مصاباً بساقه، وكان يعرج قبل العاصفة.. هم يجرونه! لم تحمل ملامح كلارا أي انتظار أو تردد؛ اندفعت بقدمها نحو الممر المظلم وهي تهتف بصوت عالٍ: — يجب أن ألحق بهم فوراً! لن أقف هنا لأتفرج! أطبق فيكتور على معصمها بقوة جبارة أوقفت اندفاعها الفوري، وقال بنبرة
last updateLast Updated : 2026-09-28
Read more
PREV
1
...
56789
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status