All Chapters of في قبضة الجبلي: Chapter 81 - Chapter 90

108 Chapters

81- دفء مفاجئ

مع اشتداد عاصفة الثلج وانخفاض درجات الحرارة إلى مستويات خطيرة، بات الاستمرار في المسير انتحارًا محققًا. قاد فيكتور المجموعة عبر دروب وعرة ومحجوبة بين الصخور، حتى ظهر من بين غبار الجليد منزل حجري صغير ومعزول، تتصاعد من مدخنته شعلة دافئة. كان المنزل يخص امرأة مسنّة وطيبة القلب تُدعى **"غريتا"**؛ امرأة هادئة، يملأ وجهها التجاعيد الحنونة، وعيناها تفيضان بسكينة الجبال العميقة. ما إن فتحت غريتا الباب وسمحت لهم بالدخول، حتى ملأت رائحة الحطب والطهي المكان. رحبت بالجميع بخلل دافئ، وحين وقعت عيناها على سيرافينا ورأت شحوب وجهها وارتجاف أطرافها من الصقيع، أسرعت إليها بحنان أمومي، وأجلستها على مقعد خشبي بالقرب من الموقد المشتعل، بينما انشغل إلياس وكلارا ورجال فيكتور بخلع معاطفهم الثقيلة وترتيب أسلحتهم وأمتعتهم في زاوية القاعة الداخلية. سارعت غريتا لإعداد وعاء كبير من الحساء الساخن والخبز الطري ووضعته على الطاولة الطويلة. جلس الجميع حول الطاولة يلتهمون الطعام لتعويض طاقتهم المسلوبة. جلست سيرافينا بحذر، ورغم أن التعب والقهر اللذين عانتهما طوال الساعات الماضية كانا يثقلان صدرها ويجعلانها صامتة، إلا
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more

82- دروع مشروخة

كانت العاصفة في الخارج جدارًا أبيض صاخبًا ينصبّ على الجبل بأسره، يمحو المعالم ويحكم إغلاق الدروب، لتجد المجموعة نفسها مضطرة إلى البقاء طوال النهار داخل منزل غريتا الصغير. وكانت مساحة غرفة المعيشة الضيقة ورائحة الخشب المحترق المتصاعدة من الموقد تجعل وجودهم معًا أمرًا لا مفر منه، بينما استمر الثلج في التراكم خلف النوافذ، وكأن الجبل قرر أن يحبسهم داخله حتى إشعار آخر. خرجت سيرافينا من الغرفة بخطوات هادئة، محاولةً أن تستعيد ملامحها المعتادة، وكأن شيئًا محرجًا لم يحدث في الصباح. غير أن ذكرى استيقاظها فوق صدر فيكتور كانت لا تزال تلاحقها، وكلما تذكرت كيف تشبثت بقميصه أثناء نومها، شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجنتيها، فتطرد الفكرة من رأسها بعناد. لم تكن تنوي منحه فرصة للسخرية منها، ولو بكلمة واحدة. اتجهت نحو الموقد، حيث كانت غريتا ترتب الأواني فوق رف خشبي قديم، فاستقبلتها العجوز بابتسامة حنونة. — “صباح الخير يا ابنتي. هل تمكنتِ من النوم جيدًا رغم البرد؟” أومأت سيرافينا برأسها، وجلست على مقعد قريب من النار. — “نعم، شكرًا لكِ يا خالة غريتا. لقد كنت متعبة فحسب.” لم تسألها العجوز عن ال
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more

83- حدود لا تُقال

ظلّت العاصفة تحكم قبضتها على الجبل، وأخذ الثلج يتراكم خلف نوافذ منزل غريتا حتى اختفت معالم الطريق تمامًا. لم يعد أمام المجموعة سوى انتظار تحسن الطقس، الأمر الذي جعل ساعات النهار الطويلة تمر ببطء أثار ضجر إلياس، الذي بدأ يتنقل بين النافذة والموقد بحثًا عن أي شيء يبدد الملل. وأخيرًا، عثر على صندوق خشبي صغير في إحدى زوايا الغرفة، وحين فتحه وجد داخله مجموعة من القطع المنحوتة التي بدت وكأنها جزء من لعبة قديمة. رفع الصندوق أمام سيرافينا، التي كانت تجلس قرب غريتا، وقال بنبرة تحمل شيئًا من التحدي: — “ما رأيكِ في جولة صغيرة؟ أم أنكِ تخشين أن تخسري أمامي؟” رفعت سيرافينا عينيها إليه، ثم نظرت إلى القطع الخشبية قبل أن ترفع حاجبها باستهزاء. — “أخشى أن أشفق عليك بعد أن أهزمك ؟ لا أظن أن ذلك يستحق العناء.” ضحك إلياس، وسحب كرسيًا ليجلس قبالتها. — “سنرى إن كنتِ ستحتفظين بهذه الثقة طويلًا.” اقتربت غريتا منهما بدافع الفضول، ثم جلست على مقعدها القريب من الموقد لتراقب المنافسة. أما كلارا، فكانت منشغلة بترتيب بعض الأغراض على الطاولة، في حين جلس فيكتور إلى جانب الجدار، واضعًا إحدى ساقيه أمام الأخرى،
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more

84- ليلة هادئة بلا اعتراف

مع هبوط الليل، تراجع صخب النهار تدريجياً داخل منزل غريتا الصغير، وباتت حشرجة الرياح العاتية واصطدام الثلج المتواصل بألواح النوافذ هي الأصوات الوحيدة المسيطرَة على المكان. انكمشت المجموعة حول الموقد لتستمد منه ما أمكن من دفء، بينما حرصت غريتا على توزيع أطباق الحساء الساخن بصمت هادئ يبدد شيئاً من وحشة العاصفة وصقيعها الخارجي. تناول الجميع طعامهم ببطء، محاولين استغلال اللحظات الأخيرة من الراحة قبل مواجهة دروب الجبل في اليوم التالي. وبعد الانتهاء، لم تكن هناك حاجة لأي نقاش أو تساؤل حول الترتيبات الليلية؛ فقد باتت المجموعة بأكملها تدرك مسبقاً أن الغرفة الداخلية الوحيدة المتاحة للزوجين هي التي ستأويهما، تماماً كما حدث في الليلة السابقة. حين حان وقت النوم، توجه فيكتور وسيرافينا نحو الغرفة. شعرت سيرافينا بانزعاج داخلي حين تذكرت تفاصيل المكان، لكنها آثرت الصمت المطبق ولم توجه أي سؤال أو اعتراض أمام البقية، متعاملة مع الأمر بواقعية جافة تليق بكبريائها المعهود. دخلت الغرفة بخطوات هادئة ومتحفظة، واتجهت مباشرة إلى طرفها المعتاد من السرير الواسع، وألقت بجسدها متخذة جانبها الأقصى، بينما تولى فيكتو
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more

85- العودة ليست بعيدة

ما إن ابتعدت المجموعة عن منزل غريتا حتى استعاد فيكتور تركيزه على الطريق والمهام التي جاء من أجلها إلى الجبل. كان الثلج لا يزال يغطي أجزاء واسعة من المسار، وإن خفت حدّة العاصفة، فيما راحت خطوات المجموعة تترك آثارًا واضحة خلفها على الأرض البيضاء. تقدّم فيكتور في المقدمة، يتفقد الطريق بين حين وآخر، بينما سار إلياس بالقرب منه، يحمل الخرائط التي جرى حفظها من البلل قدر الإمكان. أما سيرافينا، فكانت تسير خلفهما مع بقية المجموعة، تحاول المحافظة على وتيرة خطواتها من دون أن تُظهر مقدار التعب الذي خلّفته الأيام الماضية في جسدها. لم تكن تشكو، ولم تعد تجادل إلياس في كل تعليق يطلقه كما اعتادت أن تفعل. كانت تكتفي أحيانًا بإجابة مقتضبة، ثم تعيد انتباهها إلى الأرض تحت قدميها، حريصة على ألا تنزلق فوق الثلج المتماسك. لاحظ فيكتور ذلك. في البداية، ظن أنها ما زالت غاضبة منه، وأن صمتها ليس سوى امتداد للمسافة التي فرضتها بينهما منذ الحادثة السابقة. لكن حين وصلوا إلى جزء أكثر انحدارًا من الطريق، لمحها تتباطأ قليلًا، ثم تتوقف للحظة قصيرة لتستعيد أنفاسها قبل أن تتابع السير. لم تطلب منه الانتظار، ولم ترفع رأ
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more

86- طريق العودة ومفاجأة الباب

كان الصباح قد بدأ يضيء قمم الجبال حين غادرت المجموعة الملجأ، متجهة نحو الوادي. حمل الرجال أمتعتهم، وتأكد فيكتور من أن الجميع مستعد للانطلاق، ثم قادهم عبر الطريق الذي سيعيدهم أخيرًا إلى المنزل. سارت سيرافينا إلى جانب كلارا، وقد بدا مزاجها أفضل بكثير مما كان عليه في الأيام الماضية. لم تكن سعيدة بالرحلة نفسها بقدر سعادتها لأنها توشك على الانتهاء؛ فكل خطوة تقربها من المنزل كانت تعني أنها ستتخلص قريبًا من ثياب السفر الثقيلة، وتستحم بالماء الساخن، وتنام في سرير لا تضطر إلى تقاسم مساحته مع أحد. نظرت إلى كلارا وقالت: — “أريد أن أطلب منكِ خدمة.” التفتت كلارا إليها بحذر مصطنع — “هذا يعتمد على طبيعة الخدمة.” — “إذا رأيتِ أحدًا يبحث عني خلال الساعات القادمة، فأخبريه أنني غير موجودة.” ضحكت كلارا. — “وماذا لو كنتُ أنا من يبحث عنكِ؟” — “سأسمح لكِ بالدخول، لكن بشرط ألا تتحدثي عن الجبال.” — “سأحاول. لكنني لا أضمن شيئًا إذا بدأتِ أنتِ بالشكوى منها.” — “أنا لا أشكو. أنا أقدم ملاحظات دقيقة عن ظروف الإقامة.” كانت كلارا على وشك الرد حين انضم إلياس إليهما، وقد سمع الجملة الأخيرة. — “هل ستكتبين
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more

87- ضيف غير مرغوب فيه

ظلّت سيرافينا تحتضن والدها، وقد نسيت للحظات كل ما كانت تفكر فيه قبل وصولها إلى المنزل. كانت تسأله عن الطريق، وتعاتبه لأنه لم يخبرها بقدومه، ثم تعود إلى احتضانه كلما حاول الابتعاد قليلًا ليتأمل وجهها. — “كان بإمكانك أن ترسل لي رسالة واحدة على الأقل، أبي. هل تعرف كم مرة تخيلت أنني سأعود إلى المنزل وأجدك هناك؟” ابتسم والدها، ومسح بيده على شعرها. — “لو أخبرتكِ، لما رأيت هذه الفرحة على وجهكِ.” — “كنت سأفرح على أي حال.” — “إذن لم أخطئ كثيرًا.” ابتعدت عنه قليلًا، ونظرت إليه باعتراض مصطنع. — “لا تستغل اشتياقي إليك لتبرير تصرفاتك.” ضحك والدها، ثم أعاد احتضانها للحظة، بينما كان لوكا يراقبهما من مكانه بابتسامة دافئة. لم يكن قد رأى سيرافينا منذ مدة، وكان سعيدًا لأنها بدت بخير، رغم آثار الرحلة الواضحة على ملابسها ووجهها. وفي تلك الأثناء، كان فيكتور قد أنهى حديثه مع أحد رجاله عند المدخل، ثم دخل المنزل متجهًا نحو غرفة الاستقبال. لم يكن يتوقع أن يجد أحدًا هناك، فقد عاد الجميع لتوهم، وكان يظن أن سيرافينا ستصعد مباشرة إلى غرفتها كما أعلنت طوال الطريق. لكنه سمع أصواتًا قادمة من الغرفة، فتوجه
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more

88- حين تخوننا المسافات

لم يكن فيكتور قد فهم بعد سبب زيارة والد سيرافينا ولوكا المفاجئة، لكنه لم يجد داعيًا إلى الإلحاح في السؤال. كانت سيرافينا سعيدة بوجودهما، وقد عادت إلى عفويتها المعتادة في حضرتهما، تتبادل المزاح مع لوكا وتعاتب والدها لأنه لم يخبرها بقدومه. لاحظ فيكتور اختلافها، لكنه لم يتدخل. اكتفى باستقبال ضيفيه وتجهيز غرفتين لهما، ثم شاركهما العشاء، مستمعًا إلى أحاديثهما بين الحين والآخر. وحين طلب والد سيرافينا المبيت ليلة واحدة، وافق فيكتور ورحّب بهما. لم يكن يعرف إن كانت الزيارة عائلية فحسب أم أن وراءها أمرًا آخر، لكنه لم يرَ سببًا لطرح السؤال أمام الجميع. بعد العشاء، رافقت سيرافينا والدها إلى غرفته، ثم ذهبت للاطمئنان على لوكا. تأكدت من أن كليهما لا يحتاج إلى شيء، ووعدتهما برؤيتهما في الصباح قبل أن تصعد إلى غرفتها. ⸻ كان فيكتور لا يزال في مكتبه حين انتهى من مراجعة الأوراق التي تراكمت خلال غيابه. أغلق الملف الأخير، وألقى نظرة على الساعة قبل أن ينهض. اعتاد أن ينام في غرفته بالطابق السفلي، بينما تنام سيرافينا في غرفتها في الأعلى. لم يكن هذا الترتيب يثير أسئلة ما داما وحدهما، لكن وجود والدها
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more

89- ما لم يتوقعه

لم تكن مائدة الإفطار قد خلت بعد، لكن الأحاديث أخذت تهدأ تدريجيًا بعدما انتهى والد سيرافينا من سؤاله عن حياتها في الجبال. كان لوكا يستمع إليها وهي تصف له بعض المواقف التي حدثت في الطريق، ويقاطعها أحيانًا بتعليق ساخر يدفعها إلى الضحك، بينما اكتفى فيكتور بمتابعة إفطاره، متدخلًا حين يوجه إليه والدها سؤالًا عن أحوال المنزل. بدا كل شيء طبيعيًا بما يكفي، حتى وضع والد سيرافينا فنجانه جانبًا، ومسح شفتيه بمنديل قبل أن يلتفت إلى ابنته. — “سيرافينا، هناك أمر جئت لأتحدث معك بشأنه.” توقفت عن الحديث، ونظرت إليه باهتمام. — “أمر؟” — “نعم. لم أشأ أن أخبرك به قبل أن أراك، لكنني أعتقد أن الوقت قد حان.” تبادلت سيرافينا ولوكا نظرة سريعة. أما فيكتور، فواصل تقطيع قطعة الخبز في طبقه، وإن كان انتباهه قد انتقل إلى الحديث دون أن يرفع عينيه. تابع والدها: — “أريدك أن تعودي معي إلى المدينة.” توقفت يد سيرافينا فوق المائدة. لم تكن تتوقع أن يكون هذا سبب الزيارة، ولم تستطع إخفاء المفاجأة التي ظهرت على وجهها. — “أعود معك؟” — “نعم. ليس لبضعة أيام فحسب. أريدك أن تبقي هناك لبعض الوقت، حتى نرتب أمورك ونرى كيف يم
last updateLast Updated : 2026-10-21
Read more

90- زوجتي

لم تكن المدينة قد تغيّرت كثيرًا، لكن سيرافينا شعرت بأنها تعود إليها بشيء من الحنين الذي لم تتوقع أن يكون بهذه القوة. ظلت طوال الطريق تراقب الشوارع المألوفة من نافذة السيارة، وتبتسم كلما تعرفت إلى مكان ارتبط بذكرى قديمة، بينما جلس فيكتور قبالتها يتفقد بعض الأوراق، تاركًا لها حرية الاستمتاع بعودتها دون تعليق. — “أظن أنكِ ستحتاجين إلى بعض الوقت حتى تتذكري أن الشوارع لا تنتظركِ لتتأمليها.” التفتت إليه بابتسامة جانبية. — “وأظن أنك ستحتاج إلى بعض الوقت حتى تتذكر أن العالم لا يدور وفق جدول أعمالك.” رفع عينيه عن الأوراق. — “لو التزم الناس بجداولهم، لكان العالم أقل فوضى.” — “يا لها من مأساة أن تعيش بين أناس لا يفكرون مثلك.” ابتسمت بسخرية خفيفة، ثم عادت إلى النافذة قبل أن يمنحها ردًا آخر. أما هو، فأعاد نظره إلى أوراقه، وإن لم يستطع منع نفسه من ملاحظة الحماسة التي ظهرت على وجهها كلما اقتربا من الفندق. كان والدها ولوكا قد سبقاها إلى المدينة في اليوم السابق، ورتّب والدها إقامتهما في جناح ملاصق لجناحها، ليبقيا قريبين منها طوال فترة وجودهما. لذلك، حين دخلا الردهة، لم تحتج سيرافينا إل
last updateLast Updated : 2026-10-22
Read more
PREV
1
...
67891011
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status