أذكر أني لاحظت طفرة في ظهور نصوص غسان كنفاني بصيغ رقمية على منصات متعددة مؤخراً، لكن الأمور ليست كلها رسمية أو مرتبة.
راجعًا إلى ما رأيته، هناك نسخ ممسوحة ضوئياً وملفات PDF تنتشر على مجموعات التليغرام وصفحات فيسبوك ومواقع أرشيفية، ونسخ صوتية أحياناً على يوتيوب. هذه النسخ قد تكون مفيدة للوصول السريع، لكنها تعاني من مشاكل: جودة المسح منخفضة، أخطاء في الـOCR، وغالباً نقص في المراجع أو معلومات حقوق النشر.
من جهة أخرى، بعض دور النشر والجامعات بدأت تُعيد نشر أعماله ككتب إلكترونية رسمية أو ضمن مجموعات مؤرشفة، خصوصاً العناوين الشهيرة مثل 'رجال في الشمس' و'عائد إلى حيفا'. فالخلاصة أن النصوص الرقمية متاحة لكن يتفاوت مصدرها وجودتها، فالأفضل دائماً البحث عن الطبعات المعلنة من الناشر أو المكتبة لضمان دقة النص واحترام الحقوق.
تستهويني كتاباته لأن هناك مزيجًا نادرًا من النجاح الفني والتزام أخلاقي في كل سطر.
أنا أحب كيف لا يلهث للتأثير بل يختار الكلمات بعناية؛ الجمل قصيرة لكنها مثل رصاصة تترك أثرًا. في 'رجال في الشمس' يجد القارئ لغة شبه سردية تقرع أبواب الضمير، واستخدامه للرمز — الخزان، الصحراء، الصمت — يجعل القصة أعمق من الحدث نفسه. لا يبالغ في الوصف لكنه يزرع لقطات لا تُمحى.
أحيانًا أعود إلى 'عودة إلى حيفا' وأشعر أن الحزن والحنين متشابكان بطريقة تجعلك تتساءل عن العدالة والذاكرة. أسلوبه يجعل القارئ شريكًا في البحث عن الهوية، ومع كل قراءة تكتشف طبقات جديدة؛ هو يكتب عن السياسي والإنساني معًا، وبصدق لا ينفصم. هذا المزيج هو السبب الذي يجعلني أعود إليه مرارًا.
أول ما يخطر ببالي عند الحديث عن اقتباسات أعمال غسان كنفاني هو أن اسمه دائمًا يلوح أكثر في المسرح والسينما القصيرة من العالم المسلسلي الطويل.
لم أجد مسلسلات تلفزيونية معاصرة بارزة اقتبست رواياته أو قصصه كاملةً على شكل عمل طويل ممتد في السنوات الأخيرة. بدلاً من ذلك، ظهرت أعماله غالبًا في شكل عروض مسرحية متكررة، أفلام قصيرة، أفلام تلفزيونية أو حلقات ضمن برامج أدبية، خاصة لـ'عودة إلى حيفا' و'رجال في الشمس' التي تُعتَبَران من أشهر نصوصه وأكثرها قابلية للاقتباس كدراما مركزة. هذا يرجع جزئيًا لطبيعة نصوصه المركزة والسياسية، التي تناسب معالجة مكثفة ومحددة أكثر من امتداد حلقات طويلة.
كمشاهد مهتم، أعتقد أن تأثيره الأدبي يصل إلى الأعمال الدرامية الحديثة بصور غير مباشرة—فثيمات النكبة والهوية والتهجير تظهر في كثير من المسلسلات، حتى لو لم تُفَصَّل نصوصه حرفيًا. في النهاية، إذا كنت تبحث عن اقتباسات حرفية فالمحركات والمكتبات والأرشيفات المسرحية ستكون أفضل مكان للبحث عن تسجيلات أو أفلام تلفزيونية قديمة أو عروض معاصرة مقتبسة عنه.
أرى أن غسان كنفاني قد تُدرّس في الأدب العربي كرمز للمقاومة لأن سيرته وأدبه تشكلان امتدادًا حيًا لصراع فلسطيني لا ينتهي. أنا أُحب قراءة نصّه وأشعر أن قصصه مثل 'رجال في الشمس' و'عائد إلى حيفا' لا تروِّي مجرد أحداث، بل تنقل إحساسًا جماعيًا بالاغتراب والحرمان والصمود. أسلوبه السردي المباشر، والحوار المكثف، والرموز التي يستخدمها تجعل النصوص قابلة لأن تقرأ على أكثر من مستوى: إنساني، سياسي، وتاريخي.
أعتقد أيضًا أن وضعه كمناضل ومثقف اغتيل وهو نشيط سياسيًا عزّز من مكانته الرمزية؛ فالاستشهاد أضفى على اسمه بعدًا بطوليًا لدى الجمهور. لهذا السبب تجده حاضرًا في مناهج المدارس والجامعات وفي حلقات القراءة والنقاشات الثقافية، ولا غرابة أن يُستخدَم اسمه كشعار أدبي وسياسي في ذاكرة الجماعات الفلسطينية والعربية، وهو ما يجعل دراسته تتخطى الأدب إلى تاريخ الوجدان الجمعي.
كلما فتحتُ كتابًا عن فلسطين أكتشف طبقات جديدة من الحزن والمرارة، و'رجال في الشمس' عند غسّان كنفاني واحدة من أهم هذه الطبقات.
أعرف أن كنفاني نشر الرواية في أوائل الستينيات (1963)، وأن الأحداث تتركّز حول ثلاثة رجال فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت عبر شاحنة ناقلة ماء، في محاولة للهروب من الفقر والشتات. الرواية لا تعرض وثائق تاريخية عن مجريات عام 1948 بمعناها العسكري، لكنها مشحونة بتبعات النكبة: التهجير، فقدان الأرض، وهشاشة الخيارات التي تدفع الرجال للمجازفة بحياتهم. بالنسبة لي، هذه الرواية هي سرد لما تبقى من حياة الفلسطيني بعد النكبة وليس توثيقًا لمعركة أو يوم معين.
أحب كيف تستخدم الرواية رموزًا قاسية — مثل الصهريج — لتقول إن الموت والاختناق كانا نتيجة لظروف سياسية واجتماعية أوسع. في النهاية، أرى الرواية كصاعقة أدبية تذكّر بأن النكبة لم تكن حدثًا حدث وانتهى، بل بداية سلسلة من القصص المؤلمة التي لا تنتهي بسهولة.
بدأت أبحث في الأمر بعد أن صادفت طبعة مترجمة قديمة لـ'رجال في الشمس' في رف مكتبة عامة، ووجدت أن السيرة الترجميّة لقصص غسان كنفاني أطول مما توقعت. على الصعيد التاريخي تُرجمت أعماله منذ عقود إلى لغات مركزية مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية، وكانت هذه الترجمات غالبًا بوابات للقراء الغربيين للتعرف على صوته السياسي والإنساني.
في السنوات الأخيرة لاحظت حركة أوسع: طبعات مجدّدة وإعادات ترجمة تهدف لتحديث اللغة وإضافة هوامش تفسيرية، وكذلك ترجمات ظهرت إلى لغات أقل انتشارًا في السوق الأدبي العالمي. إلى جانب دور النشر التقليدية، الجامعات ومجموعات الترجمة المستقلة أصدرت مختارات وقصصًا قصيرة مترجمة إلى لغات جديدة، وبعضها جاء مع تمهيدات نقدية تشرح السياق الفلسطيني.
النقطة الأهم بالنسبة لي أن الترجمات الحديثة ليست مجرد نقل للكلمات، بل إعادة تقديم لنظرة كنفاني للعالم لجيل جديد من القراء بلغات قد تكون جديدة عليه. هذا يضمن استمرار نقاش أعماله وتوسيع دائرتها، حتى وإن كانت جودة الترجمة تختلف من طبعة لأخرى.