"أنتِ تملكين هذا الجمال الذي يأسر الرجال، أليس كذلك؟ لقد كان هناك الكثير من النساء العاريات في هذه الغرفة، لكن بمجرد دخولكِ، فقد الرجال صوابهم؛ أرادوا نيل قطعة منكِ، أرادوا امتلاككِ."
انزلقت أصابعه نحو فكي لترفع ذقني، وأردف: "دون أن يدركوا أنكِ ملكي بالفعل."
ابتلعت ريقي بصعوبة، وانحبست أنفاسي في حلقي.
ابتعد عني، ثم جلس على الكرسي بارتياح. فك أزرار معطفه، واستند إلى الخلف، وبسط ساقيه بوقار الملوك، وهو كذلك على ما أظن...
ثم خرجت كلماته بنبرة قاتلة: "من الآن فصاعدًا يا أرييلا كوستا، أنتِ ملكي؛ لأستخدمكِ، لأتلاعب بكِ، ولأفعل بكِ ما يحلو لي."
وقعت الكلمات عليّ كالصاعقة.
"جسدكِ لي، وعقلكِ لي، وروحكِ لي."
ثم ابتسم بسخرية وعيناه الداكنتان مثبتتان في عينيّ: "أنا أمتلككِ."
ماذا لو استيقظ الشخص الذي تحبه ذات يوم... ولم يعد يتذكرك؟
كان آرثر وليزلي يعيشان قصة حب ظن الجميع أنها خُلقت لتدوم إلى الأبد... قصة بدأت بصدفة بسيطة، وتحولت مع السنوات إلى وطنٍ يسكنه قلباهما.
لكن في لحظة واحدة، يتغير كل شيء.
حادث غامض يسلب آرثر بعض ذكرياته، فيستيقظ ليجد نفسه غريبًا عن المرأة التي أحبته أكثر من نفسها، بينما تجد ليزلي نفسها واقفة أمام الرجل الذي منحته قلبها ذات يوم... لكنه لم يعد يتذكر أنها كانت كل حياته.
لتتحول من المرأة الأقرب إلى قلبه إلى مجرد صديقة مقربة في نظره. وبينما تحاول جاهدة جمع شتات الرجل الذي أحبته، تجد نفسها في مواجهة نسخة مختلفة منه؛ نسخة قاسية، مشوشة، وعالقة بين الماضي والحاضر.
رغم الألم والخذلان، ترفض ليزلي الاستسلام. تخفي دموعها خلف ابتسامتها، وتواصل الوقوف إلى جانبه بينما يحارب أشباح ذكرياته المفقودة. لكن عندما تبدأ أسرار الماضي بالظهور، وتعود وجوه ظنت أنها اختفت إلى الأبد، تصبح الحقيقة أكثر خطورة مما توقعه الجميع.
ورغم قسوته، وغضبه، والمسافة التي صنعها بينهما، لم تتراجع ليزلي خطوة واحدة. بقيت إلى جانبه، تحمل أوجاعه فوق أوجاعها، وتخفي دموعها خلف ابتسامة متعبة، على أمل أن يتذكر يومًا أنه لم يكن يرى السعادة إلا بعينيها.
لكن ماذا لو كان قلبه يتذكرها قبل عقله؟
وماذا لو كانت مشاعره تجاهها أقوى من الذكريات التي فقدها؟
بين لحظات القرب والابتعاد، وبين الحب الذي يرفض الموت والذكريات التي ترفض العودة، يخوض آرثر وليزلي رحلة مؤلمة ومليئة بالمشاعر، رحلة سيكتشفان خلالها أن الحب الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى ذاكرة ليتذكر طريقه.
فكلما حاول القدر إبعادهما عن بعضهما، كان قلباهما يجدان طريق العودة من جديد.
رحلة حب صمد أمام النسيان، وعن امرأة اختارت البقاء حين كان الرحيل أسهل، وعن رجل أضاع ذكرياته... لكنه لم يستطع أن يضيع قلبه الذي ظل ينبض باسمها حتى وهو لا يعلم السبب.
لأن بعض الأشخاص لا يسكنون الذاكرة فقط... بل يسكنون القلب.
قبل يوم واحد من الزفاف، قال لي زوجي يوسف الساعدي فجأة:
"سيتم تأجيل الزفاف لمدة أسبوع، يجب أن أسافر في رحلة عمل".
نظرت إلى مظهر يوسف البارد، ولم يسعني إلا أن أتذكر الرسالة التي أرسلتها مساعدته الليلة الماضية.
"المدير يوسف يريد أن يسافر معي في رحلة حول العالم قبل الزواج، أختي لينا أنت بالتأكيد لن تمانعين، أليس كذلك؟!"
وافقت على طلب يوسف، وألغيت الزفاف بصمت.
في اليوم التالي، تعانق يوسف الساعدي وكوثر الكعبي بشغف تحت برج مجد.
ذهبت بمفردي إلى المستشفى لإجهاض الطفل.
في اليوم الثالث، كان يوسف الساعدي وكوثر الكعبي صريحين أمام نافذة برج خلفاء المطلة على الأرض.
أخبرت والدة يوسف، أنني لن أراه بعد الآن.
في ذكرى زواجنا، نشرت أول حب لزوجي صورة بالموجات فوق الصوتية للجنين على حسابها على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأرفقت الصورة بتعليق تقول فيه:
"شكرا للرجال الذي رافقني طوال عشرة أعوام، وشكرا له على هديته، الطفل الذي تحقق بفضله."
أصبح كل شيء مظلما أمامي، وعلقت قائلة "ألم تعرفين أنه متزوج ومع ذلك كنتِ تقيمين علاقة معه؟"
زوجي اتصل على الفور ووبخني.
"لا تفكري بطريقة قذرة! أنا فقط قدمت لها الحيوانات المنوية لعمل التلقيح الصناعي، لأساعدها في تحقيق رغبتها في أن تكون أما عزباء."
"وأيضا، لقد حملت في المرة الأولى بينما حاولت ثلاث مرات ولم تحققي أي تقدم، بطنك ليس له فائدة!"
قبل ثلاثة أيام، أخبرني أنه سيذهب إلى الخارج لأمور العمل، ولم يرد على مكالماتي أو أي رسائل مني.
ظننت أنه مشغول، ولكن لم أكن أعلم أنه كان يرافق شخصا آخر لإجراء فحص الحمل.
بعد نصف ساعة، نشرت مريم مرة أخرى صورة للطعام الفاخر.
"مللت من الطعام الغربي في الخارج، ولكن بلال طهى لي بنفسي كل الأطباق التي أحبها!"
نظرت إلى شهادة الحمل التي حصلت عليها للتو، وامتلأ قلبي بالفرح الذي تجمد ليصبح مثل الجليد.
أحببت لمدة ثماني سنوات، وبعد الزواج تحملت الكثير من المعاناة لمدة ست سنوات.
هذه المرة، قررت أن أتركه تماما.
أُصيبت فتاة أحلام خطيبي بمرضٍ عضال، فطرحت طلبًا:
أن أُسلّمها حفل الزفاف الذي كنتُ قد أعددته، بل وتطلب مني أن أكون شاهدة على زواجهما.
رأيتها ترتدي فستان الزفاف الذي خيطته بيدي، وتزيّنت بالمجوهرات التي اخترتها بعناية، وهي تمسك بذراع خطيبي، تمشي نحو ممر الزفاف الذي كان من المفترض أن يكون لي — ونظرًا لكونها تحتضر، فقد تحملتُ كل هذا.
لكنها تمادت، وبدأت تطمع في سوار اليشم الأبيض الذي ورثته عن أمي الراحلة، وهذا تجاوز لكل الحدود!
في المزاد العلني، وقف ذلك الخائن إلى جانبها يحميها، يرفع السعر بلا توقف حتى وصل ثمن السوار إلى عشرين مليون دولار.
كنتُ قد أُرهِقت ماليًا بسبب عائلتي الجشعة، ولم أعد أملك القوة، فاضطررت لمشاهدة الإرث العائلي يقع في يد حثالة لا يستحقونه، وفجأة دوّى صوت باردٌ أنيق: "ثلاثون مليون دولار."
أُصيب الحضور بالذهول.
لقد كان وريث عائلة البردي الهادئة والغامضة، السيد سُهيل، يعلنها بصوتٍ عالٍ: "أُقدّم هذه القطعة للآنسة جيهان."
استعدتُ سوار اليشم، وذهبتُ لأشكره: "السيد سُهيل، سأبذل جهدي لأعيد لك الثلاثين مليون دولار في أقرب وقت."
رفع حاجبيه وسأل بهدوء: "جيهان، أما زلتِ لا تذكرينني؟"
أنا:؟
طوال حياتي…
كنتُ الابنة التي يتمنى الجميع لو أنها لم تولد.
العار الذي أخفته عائلته.
الفتاة التي لم ترث ذئبًا، ولم تمتلك موهبة، ولم تحصل حتى على نظرة حنان واحدة من والدها.
بعد موت أمي…
أصبحتُ خادمة في منزلي.
أراقب أختي تنال الحب الذي لم أعرفه يومًا.
وأتعلم كيف أبتلع الإهانة بصمت.
في عالمٍ يُقاس فيه الجميع بقوة ذئابهم…
كنتُ الأضعف.
أو هكذا ظنوا.
حتى جاء اليوم الذي قرروا فيه التخلص مني.
أرسلوني إلى الغابة الخطيرة وحدي…
كما لو أن موتي لن يترك فراغًا في حياة أحد.
لكن بدلًا من الموت…
وجدتُه.
أو ربما…
هو من وجدني أولًا.
في تلك الليلة، كان أشبه بكابوس خرج من الظلام.
عينان متوحشتان.
رائحة دم.
وصوت زئير جعل جسدي يرتجف خوفًا.
ظننت أنني سأموت.
لكن الشيء الذي حدث بعد ذلك…
كان أغرب من الموت نفسه.
لأول مرة…
هدأ الوحش.
ولأول مرة…
نظر إليّ كما لو أنني الشيء الوحيد القادر على إنقاذه.
كان يجب أن أهرب.
وكان يجب أن أنساه.
لكنني لم أكن أعلم…
أن الرجل الذي التقيته تلك الليلة…
هو نفسه الشخص الذي يخشاه الجميع.
الرجل الذي تُروى عنه الشائعات همسًا.
والذي يقولون إن كل امرأة اقتربت منه…
اختفت.
ثم في يومٍ ما…
وصل طلب زواج إلى منزلنا.
ومن بين جميع النساء…
اختارني أنا.
أنا…
الفتاة التي لم يخترها أحد يومًا.
لكن بعض الأقدار لا تأتي كهدية.
بعضها…
يأتي على هيئة لعنة.
حين أفكر في أعمال sayed kashua، أقف عند رواية واحدة تبدو أكثر حدة وتأثيرًا لدى القرّاء والنقاد معًا: 'Dancing Arabs'. هذه الرواية تُعتبر عند الكثيرين الأفضل لأنها تجمع بين الصدق الساخر والوجع الهادئ بطريقة نادرة، وتعرض تجربة شاب فلسطيني يعيش كجزء من الأقلية العربية داخل المجتمع الإسرائيلي، مع كل تناقضات الهوية والانتماء واللغة التي ترافق هذا الواقع.
القوة في 'Dancing Arabs' ليست فقط في الحبكة وإنما في الصوت السردي: لغة قاسية ساخرة في بعض اللحظات، وحسّ مرهف في لحظات أخرى، تجعل القارئ يضحك ثم يشعر بثقل القضايا التي يعالجها الكاتب. الرواية تعمل كقصة تكوّن (coming-of-age) لكنها تتجاوز هذا القالب لتطرح أسئلة وجودية عن المكان الذي ينتمي إليه الإنسان، عن المدرسة والمجتمع والعلاقات اليومية التي تشكل إحساسنا بالذات. كما أن حقيقة أن الكاتب يكتب بالعبرية وتناولَه لتجربة العرب داخل إسرائيل تضيف طبقة إضافية من التعقيد والإيحاء.
لو سألتني لماذا يرشّحها كثيرون كـ'الأفضل' فأعود إلى ثلاثة أسباب: الأول الأسلوب — جرأة وسخرية ووضوح لا يفقدان الرهافة؛ الثاني الموضوع — تعامل مباشر مع الهوية والمهابة والتهميش، ما يجعلها نافذة على واقع أقل ما يقال عنه أنه مُهم ومؤلم؛ والثالث الانتشار والتأثير — اقتبست الرواية لتصبح مصدرًا لفيلم صدر تحت عنوان 'A Borrowed Identity'، واسم الكاتب ارتبط كذلك بسلاسل من المقالات والبرامج الساخرة مثل 'Arab Labor' التي عمّقت حضور صوته في الفضاء العام.
أقترح على من لم يقرأها أن يبدأ بـ'Dancing Arabs' لأنها تُعطيك المدخل الأفضل لفهم أجواء كتابات sayed kashua: المزج بين الكوميديا والمرارة، والذكاء في رسم مشاهد يومية تتحول إلى مآلات أخلاقية واجتماعية. بعد قراءتها قد ترغب في متابعة نصوصه القصصية أو أعماله الأخرى في التلفزيون والصحافة لأنك ستكون قد تعرفت على نبرة خاصة لا تُنسى. بالنسبة لي، ما يبقى بعد القراءة ليس فقط حبكة أو شخصية، بل إحساس طفيف بالمرارة والحنين والضحك المتقطع على ذاتي كمشاهد لعالم يحاول أن يشرح وجوده لنفسه وللآخرين.
الذاكرة الأدبية عندي تحمل صورًا من أوائل العقد الأول من الألفية، وأتذكر أنني اكتشفت صوته حين نشر أول أعماله الشهيرة في تلك الفترة؛ كتب سيد كاشوا أول قصصه المنشورة عام 2002. قبل هذا التاريخ كان يكتب ويجرب لغته العبرية داخليًا، لكن عام 2002 هو العام الذي خرجت فيه أعماله إلى جمهور أوسع، وبدأت تسمع صداها في الأدب والإعلام بالعبرية والعربية على حد سواء.
ما جعل هذا الانتشار ملفتًا أن كتاباته لم تكن مجرد سرد؛ كانت مرآة مائلة للتوترات الاجتماعية والهوية، وهو ما تجلّى بقوة في كتابه الذي لفت الأنظار 'Dancing Arabs'، الذي عرّف القارئ غير العربي بصوت فلسطيني شاب يحاول التكيّف مع جامعه بلغة وثقافة مختلفة. بالنسبة لي، ذلك الوقت كان لحظة تحول: لم يعد كاتب عربِي/إسرائيلي مجرد اسم في زاوية صحفية، بل صار راوٍ يملك قدرة على تحويل تجارب يومية إلى حوارات ثقافية أوسع.
من منظور قرائي، 2002 لم تكن مجرد سنة نشر؛ كانت بداية خروج صوت جديد إلى الضوء، صوت يكتب بالعبرية عن مشاعر وتناقضات الحياة الفلسطينية داخل إسرائيل، مع حس فكاهي ومرارة متبادلة. منذ ذلك الحين، سارت مسيرة كاشوا بين الرواية والسيناريو والعمود الصحفي، لكن إذا أردنا تحديد نقطة الانطلاق لأول قصصه المنشورة فعلاً، فإن عام 2002 هو العلامة التي أعود إليها دومًا، لأنّها السنة التي بدأ فيها جمهوره الحقيقي يتكوّن وتتحول كتاباته إلى قضية عامة تستحق النقاش.
أميل إلى التفكير بأن النقّاد وصفوا أسلوب Sayed Kashua بالمبتكر لأن ما يفعله لا يشبه ما اعتدناه في الأدب والتلفزيون؛ هو يخلط النقد الاجتماعي بالفكاهة السوداء، ويكتب بالعربية والعبرية بطريقة تجعل القارئ يشعر أنه أمام صوت مزدوج ومرآة متشققة في آن واحد.
أستطيع أن أضرب أمثلة واضحة: في روايته 'Second Person Singular' يستخدم Kashua السرد بصيغة المخاطب لتفكيك الهوية والذّات بطريقة جريئة غير مألوفة، وفي 'Let It Be Morning' و'دancing Arabs' (الترجمة الإنجليزية المعروفة) يتداخل السرد الواقعي مع لحظات سريالية صغيرة تُبرز تناقضات الحياة اليومية للفلسطينيين داخل المجتمع الإسرائيلي. أما مسلسله التلفزيوني 'Arab Labor' فقد أتى كطفرة لأنه طرح موضوعات ثقافية وسياسية حسّاسة بلغة كوميدية ساخرة على شاشة ماسحة للجمهور العام، وهو أمر قلّما تجرأ عليه مقدمو برامج درامية عربية أو عبرية قبل ذلك.
النقّاد الذين وصفوا أسلوبه بالمبتكر عادةً يشيرون إلى عدة عناصر تقنية وفنية: الاستخدام المُتوازن للهزل والمرارة، المزج بين اللغات واللهجات، اللعب بالزمن والسرد، والتحوّل بين الضحك والبكاء داخل مشهد واحد. شخصياً، أرى أن قدرتِه على كتابة تجربة «الآخر» بالعبرية — لغة الأغلبية — كانت نوعًا من الابتكار الثقافي في حدّ ذاتها؛ لأن هذا التوجّه قلب توقعات الجمهور وأرغم القرّاء على مواجهة الانقسام والتهكم على الذات في آنٍ واحد. على الجانب الدولي، التراجم الإنجليزية والرصد النقدي في الصحافة الأجنبية ركّزت على هذه العوامل واعتبرته صوتًا جديدًا ومهمًا يغذّي النقاش حول الهوية، التعددية والاندماج.
مع ذلك، لا يمكن أن نغفل وجود نقّاد انتقدوا سياسته الأدبية والاجتماعية: بعض القرّاء والنقّاد الفلسطينيين شعروا أن أسلوبه قريب من التكيّف مع الجمهور الإسرائيلي وأنه يقدم صورة قد تُسهِم في تبسيط أو تهميش قضايا على حساب تصوير واقع معقّد. كذلك، هناك من رأى في اتكاله على السخرية الذاتية و«الضحك على الذات» نوعًا من التفريط في الموقف السياسي. هذه الانتقادات تُظهر أن وصف الأسلوب بـ'مبتكر' ليس إجماعًا مطلقًا، بل نقد متعدّد الأصوات.
في موقفي، الابتكار عند Kashua لا يقتصر على حيله السردية فحسب، بل في جرأته على التواجد في فضاء لغوي وسياسي معقّد وفتح نافذة جديدة للحديث عن الهوية بوسائل أدبية وتلفزيونية معًا. وهذا ما يجعل النقّاد—أغلبهم—يستخدمون وصف 'مبتكر' عند التناول العام لأعماله، حتى ولو صاحبت هذا التقدير تحفظات ونقاشات مهمة حول دلالات هذا الابتكار وآثاره الاجتماعية.
أحب أن أبدأ بالحديث عن كيف أن مشوار سيد قشوع مليان مفاجآت وتكريمات؛ الرجل لم يكن مجرد كاتب أو سيناريست عادي، بل ظاهرة ثقافية أثارت إعجاب النقاد والجمهور على حد سواء. خلال مسيرته حصل على مجموعة من الجوائز والتكريمات التي تعكس تداخل الكتابة الأدبية مع العمل التلفزيوني والصحفي، وبصراحة كل جائزة كانت بمثابة إقرار بتأثيره الفريد على المشهد الإسرائيلي-العربي والعبري على حد سواء.
من الجهة الأدبية، نُسبت إلى سيد قشوع جوائز أدبية مهمة تكريماً لإبداعه في الكتابة بالعبرية رغم كونه عربياً فلسطينياً داخل إسرائيل. من بين هذه التكريمات كانت جوائز وطنية للأدب العَبْري تُمنح للكتاب المتميزين، مثل جوائز الشباب والأدب التي تُعنى بالاكتشافات الأدبية، إضافة إلى حصوله على دعم وتقدير من مؤسسات أدبية إسرائيلية معروفة والتي تمنح منحاً وجوائز للكتاب. رواياته مثل 'Dancing Arabs' و'Let It Be Morning' (التي حققت صدى واسعاً وترجمت إلى عدة لغات) كانت سبباً مباشراً في حصوله على تقدير نقدي وترشيحات لجوائز أدبية داخلية وخارجية، ما عزز مكانته بين الأسماء الأدبية المعاصرة.
على صعيد التلفزيون، نجاحه الأكبر الجماهيري جاء عبر سلسلة 'Arab Labor' ('עבודה ערבית') التي كتبها وأنتجها، والتي حققت شعبية كبيرة ونالت إشادة نقدية في إسرائيل وخارجها. العمل فاز بتكريمات من جهات تلفزيونية وأكاديمية في إسرائيل تقديراً للكتابة الساخرة والاجتماعية التي قدمها؛ الجوائز شملت اعترافات من أكاديميات التلفزيون المحلية وربما جوائز عن التمثيل والإنتاج أو الكتابة في مهرجانات وجوائز تلفزيونية. التأثير الفني والاجتماعي للعمل جعل منه مرشحاً دائماً لتكريمات الإعلام والدراما.
إلى جانب الجوائز الرسمية، تلقى سيد قشوع شهادات تقدير ودعوات لتكريمات وأمسيات ثقافية دولية، كما رُشحت أعماله لجوائز ترجمة ونشر دولية بعدما وصل صدى رواياته إلى القراء خارج نطاق اللغة العبرية والعربية. والأمر المهم هو أن تقدير النقاد والجمهور كان في كثير من الأحيان بمثابة جائزة غير رسمية: ترجمات كتبه، تحول بعض أعماله إلى مسرحيات أو قضايا نقاشية في الجامعات، واقتباسات تُستخدم في نقاشات حول الهوية والانتماء، كلها دلائل على تأثيره التكريمي.
من ناحية شخصية، أعتقد أن قوّة سيد قشوع تكمن في مزجه بين السخرية والوجع، وبين الفكاهة والسياسة، وهذا ما جعل الجوائز والتكريمات تأتِ له ليس فقط لأن كتابته جيدة، بل لأنها حاجة ثقافية واجتماعية في وقت معين. لو أردت خلاصة مبسطة، فهي أن قشوع حاز على مزيج من جوائز أدبية وتلفزيونية وتقديرات نقدية ومحلية ودولية، إضافة إلى تكريمات وشهادات تقدير متعددة—وكل ذلك يؤكد أنه كاتب ومبدع أثّر وترك بصمة لا تُمحى، سواء من خلال رواياته أو سلسلة 'Arab Labor' أو كتاباته الصحفية.
فضوليتي عن مصير الكتاب الذين أحببت أعمالهم دفعتني أجمع بعض التفاصيل عن مكان إقامة سايد كاشوا الآن، لأن قصته ليست فقط عن أدب بل عن قرار حياة جذري. سايد كاشوا، الكاتب والصحفي الذي اشتهر بصوته الصريح والساخر والجرئ تجاه الهوية العربية داخل إسرائيل، لم يعد يقيم في البلاد التي ولدت فيها كتاباته. بعد سنوات من العمل في الساحة الإسرائيلية ونجاحه في خلق مسلسل مثل 'Arab Labor' الذي لفت الانتباه إلى تناقضات المجتمع، اتخذ قرار الهجرة مع عائلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف عقد 2010. القرار كان نتيجة تراكم إحساسه بالغربة والضغط الاجتماعي والسياسي، وخرج من سوريا النصوص إلى فضاء جديد بعيدا عن ضوضاء النقاشات المحلية.
منذ انتقاله، واصل سايد كاشوا الكتابة والنشر لكن من منظور مختلف؛ كتب مقالات عن الحياة في المنفى والهوية والتناقضات التي يعيشها إنسان عربي-إسرائيلي خارج الوطن. كثير من قراءه تابعوا تحركاته عبر الصحف والمقالات الاحترافية، وكان واضحاً أنه استقر في الولايات المتحدة مع عائلته، حيث وجد مساحة أوسع للتفكير والعمل بعيداً عن الضغوط اليومية التي كانت تحد من حريته التعبيرية هناك. وجوده في أمريكا لم يقطع علاقته بالقراء في إسرائيل أو العالم العربي، بل أعطاه زاوية جديدة لمعالجة موضوعاته المفضلة: التماهي والاغتراب والسخرية من هوية مطعّمة بصراعات كثيرة.
من جهة إنسانية وأدبية، الانتقال أثر بوضوح على كتاباته ونبرة خطابها؛ هناك حس بالحنين وبالمرارة أحياناً، لكن أيضاً صفاء جديد مكنه من مراجعة الذات والمجتمع عن بعد. هذا النوع من الحياة، بين مكان ولغة وجمهور، جعل منه مثلاً حيّاً على كيف تتغير العيون التي تراقب الواقع عندما تبتعد عنه جسدياً. والواقع أن الحديث عن مكان إقامة سايد كاشوا اليوم ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار أن البعض من الكتّاب يعيشون في تنقل دائم، وقد يعودون أو يغيرون مقارهم حسب الظروف، لكن الإجابة الدقيقة المختصرة هي أنه يعيش حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن غادر إسرائيل مع عائلته خلال منتصف العقد الماضي.
أحب أن أفكر في هذه الخطوة كجزء من سرد أوسع: الكاتب لا يترك وطنه فقط، بل يأخذ معه ذاكرته ونكاته وألمه، ويعيد تركيبها في لغة جديدة للقراء الجدد والقدامى على حد سواء. وجوده في أمريكا لا يمحو جذوره، ولكنه يضيف لعمله طبقات جديدة تستحق المتابعة، وأنا شخصياً أجد أن متابعة تحوله هذا تضيف بعداً إنسانياً مهماً لفهم أعماله القادمة وتأملاته حول الهوية والانتماء.
ما أعاد إحياء الحديث عنه في الوسط العربي كان لقاءً تلفزيونيًا صريحًا ومطوّلًا أُجريَ معه بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة، وحينها عاد اسمه ليتصدر النقاشات والصحافة مرة أخرى. أتذكّر كيف انتشر ذلك الحوار بسرعة على صفحات التواصل، لأنه لم يكن حوارًا أكاديميًا أو ترويجًا لعمل جديد فحسب، بل كان اعترافًا علنيًا بمآلات الصراع مع الهوية واللغة والمكان، وهو ما لمس الكثيرين من الجمهور العربي وعاد فأثار فضولهم لقراءة أعماله القديمة والجديدة.
المقابلة التي أتحدث عنها تطرّقت إلى قضايا مركزية في مسيرته: لماذا يكتب بالعبرية، كيف تعامل مع النجاح من خلال مسلسل 'Arab Labor'، وما الذي دفعه في النهاية إلى الرحيل. كلامه كان صريحًا ومباشرًا لدرجة أنه خلق ردود فعل متناقضة—بين من رآه خائنًا ومحاولًا للاندماج، وبين من استعادوا فيه صوتًا نقديًا فريدًا يعبر عن تجربة معقدة. هذا الانقسام نفسه هو ما أعاد اسمه إلى التداول الإعلامي بشكل مكثف؛ المقالات والتقارير وإعادة نشر المقاطع من المقابلة أعادت إحياء الاهتمام بأعماله مثل 'Dancing Arabs' وأي نصوص ترجمتها أو نُشرت لاحقًا.
الشيء الجميل في تلك اللحظة أنه لم يعد الحديث مقتصرًا على الجمهور الإسرائيلي أو على القراء الناطقين بالعبرية؛ أصبحت القضايا التي طرحها موضوع نقاش عربي أوسع—الهوية، الانتماء، حرية التعبير، وطريقة التعامل مع النقد الجماهيري. كما ساهمت المقابلة في تشجيع الصحافة العربية على إعادة التعرّف إلى نصوصه وتحليلها من منظور مختلف، ما ولّد مقالات رأي وبودكاستات وحوارات تلفزيونية أخرى تناولت تجربته الأدبية والاجتماعية. وبالطبع وسائل التواصل لعبت دورًا حاسمًا في تضخيم أثر تلك المقابلة، لأن مقتطفات الفيديو كانت تُشاهد وتُعاد مشاركتها بلا توقف.
شخصيًا، أعتقد أن قوة تلك المقابلة لم تكن فقط في ما قاله، بل في توقيتها وشجاعته في البوح بما يشعر به أمام جمهور عربي واسع. جعلتني أعود إلى أعماله بنظرة جديدة وأتفهم أكثر التعقيدات التي يعيشها ككاتب عربي يكتب بالعبرية ويواجه ضغوطًا من اتجاهات مختلفة. لو أردت مشاهدة مقاطع من ذاك الحوار الآن فغالبًا ستجدها محفوظة على يوتيوب ومواقع الأخبار التي غطت الحدث آنذاك، وستلاحظ أن المشاعر المختلطة تجاهه هي جزء من سبب بقائه اسمًا مثيراً للاهتمام في المشهد الثقافي العربي.