في زحام عائلة لا تشبهها، ترعرعت «شانتيل» على الهامش. ماتت أمها، فاحتضنتها جدتها بحب لا يعرف الانكسار. أمّا أبوها «جيرار»، فسلّمه الموج لامرأة أخرى تدعى «روندا»، جعلت منه ظلًّا تابعًا، ورفعت ابنتها «ميغان» فوق رأسه، أميرة مدللة لا ترى في «شانتيل» سوى غريبة.
تعلّمت «شانتيل» مبكرًا أن الصمت ملاذ، وأن البقاء يحتاج أجنحة لا تراها العيون.
وعندما سقطت جدتها مريضة، ودقّ الطبّ جرس النهاية، وجدت «شانتيل» نفسها وحيدة، لا حائط يسندها، لا مال، لا سند. حينها، أتاها العرض من حيث لا تحتسب: مليون يورو، مقابل مئة ليلة. لا تعرف هوية الرجل، لا ترى وجهه، لا تسمع صوته. فقط قناع أسود، وصمت كثيف، وعطر لا يشبه أي عطر عرفته من قبل.
كان يأتي في الظلام، ويرحل كالسراب، ولا يترك لها إلا الرصيد ينمو في الحساب... والعطر يسكن الذاكرة.
في الليلة الثانية عشرة، لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها صدمة لن تُمحى.
بعد أيام، دعاها أبوها إلى عشاء عائلي، مرغمًا. هناك، على مائدة واحدة، جلست «ميغان» إلى جانب خطيبها. رفعت «شانتيل» رأسها، لترى «كولن ويلكرسون»، الرئيس التنفيذي البارد للمجموعة التي تعمل فيها، الرجل الذي كان يمرّ من أمام مكتبها الصغير كأنها هواء.
لكنها هذه المرة لم ترَ هواء. رأت وجهًا. وشعرت بأنفاسها تتقطع.
لا، ليس لأنه رئيسها، ولا لأنه خطيب أختها.
بل لأن عطره... ذلك العطر.
ذلك العطر الذي ظلّ عالقًا في غرفتها المظلمة طوال اثنتي عشرة ليلة.
رفع عينيه نحوها، لحظة عابرة.
ابتسمت «ميغان»: «هذا أخي كولن... خطيبي.»
ارتجفت «شانتيل». في رأسها صوت واحد:
بقي ثمان وثمانون ليلة.
عزيز كان لسه قافل باب أوضته وبيتنفس ببطء عشان يطرد ريحة ياسمينة من دماغه،
لما سمع صوت الباب بتاعها بيتحرك سنتي واحد.
المفتاح اللي سابه تحت الباب... اتحرّك.
وقف مكانه.
مش عارف هو خايف تطلع، ولا خايف ما تطلعش.
الباب اتفتح على وسعه، وهي واقفة قدامه بالترنج الأبيض، شعرها لسه مندي،
وعنيها فيها نفس نظرة "أنا مش بنام وأنت سهران برّه".
ـ مش قلتلك نامي؟
قالها وهو بيحاول يمسك نفسه، بس صوته طلع أهدى من اللازم.
ـ وانت مش قلتلي هتفضل جمبي لحد ما أنام؟
ردت وهي بتقرب خطوة،
ـ وأنت هنا... وأنا هناك. ده اسمه جمبي؟
سكت.
الجدال معاها في اللحظة دي خسارة محسومة.
شال الأكياس من إيده وحطها على الأرض، وفتح لها دراعه من غير كلام.
هي فهمت الإشارة، ودخلت فيها كأنها بترجع لمكانها الطبيعي.
ـ لو هتبوظي هدوء الليل، يبقى على الأقل متبوظيهوش بعيد عني.
همس وهو بيحضنها، وصوت قلبه أسرع من صوتها.
ضحكت ضحكة خفيفة في صدره:
ـ يعني أنا السبب؟
ـ إنتي السبب في كل حاجة حلوة وبايظة بتحصلي من يوم ما عرفتك.
وقفت على أطراف صوابعها، قربت من ودنه وهمست:
ـ طيب... نبوظها سوا؟
ابتسم ابتسامة اللي فهم اللعبة، وقفل الباب برجله...
وساب الهدوء يغار برّه.
فاستيقظ عزيز فجاة و هو بينادي باسمها و نظر حوله و جد نفسه في غرفته و ادرك بانه كان يحلم ، حلم اقرب للحقيقة
او اقرب لما بتمني ..
ان يقترب ..!
"رئيس تنفيذي متسلط، بارد وقاسي من الخارج، وماكر من الداخل، ووريثة متمردة لا تُروّض، إنها علاقة حب أولى مليئة بالدلال لكليهما"
"البطل الأول يخفي حب طويل الأمد من طرف واحد ليتحول لعلاقة حقيقيَّة لاحقًا، بينما يندم البطل الثاني بعد فوات الأوان ويحاول استعادة البطلة"
في إحدى الحفلات، سمعت روان الشمري فهد العدلي يقول: "روان فعلًا جميلة جدًا، لكني تقربت منها في البداية فقط لأنها تشبه سلوى إلى حد ما، وطوال تلك السنوات كنت أبحث فيها عن أثر لسلوى." في تلك اللحظة، أدركت روان أنها لم تكن سوى بديلة.
في تلك الليلة، امسكت بهاتفها واتصلت برقم لم تتصل به منذ زمن طويل.
"مرحبًا، أبي...أوافق على العودة للمنزل والزواج من أجل مصلحة العائلة."
لاحقًا في إحدى المناسبات الاجتماعية، رأى فهد العدلي ذلك الوجه الذي لم يفارق خياله يومًا، وعندما عرف حقيقة هوية روان الشمري... فقد صوابه...
في اليوم الذي رفضت فيه روان الشمري الزواج المدبر وهربت من المنزل، كان حمدي الدرويش يقف أمام النافذة، يهز كأس النبيذ الأحمر برفق، وعيناه تغمرهما مشاعر غامضة، قائلاً في نفسه: "سيأتي يوم تعودين فيه إليّ مطيعة يا رورو."
كانت الشائعات في مدينة سرابيوم تقول إن وريث العائلة، حمدي درويش، بارد، متحفّظ، ولا يقترب من النساء، وقد صدقت روان هذه الأقاويل بقوة...
لكنها اكتشفت لاحقًا كم كان ذلك الرجل مجنونًا وراء قناع التهذيب والبرود الظاهري.
ديلان هو أسوأ نجم في تاريخ صناعة الموسيقي، موهبته لا تُنكر لكن غضبه المدمر، ومواعيده الفاضحة التي يتخلى عنها، ولسانه الساخر، جعلوا كل مدير أعمال يهرب منه، يستمر في كسر كل شيء حوله لأنه منذ سنوات مات شخص بداخله بعد انتحار حبيببته المفاجئ، ولم تعد الموسيقى وحدها كافية لإحيائه.
إيما لم تكن تحلم بأن تكون مديرة أعمال، كانت تحلم بأن تصبح كاتبة أغاني لكن الحياة كانت لها رأي آخر عندما تقبل وظيفة في أكبر وكالة ترفيهية في إسبانيا، كان كل ما يهمها هو الراتب إنها بحاجة للمال وليس لديها ما تخسره حتى هي لا تعرف أن العقد سيربطها لمدة عام كامل بـ ديلان، الرجل الذي يعرفه الجميع باسم "الفتى السيئ".
عام كامل في منزل أسوأ رجل في البلاد إما أن تصلحه أو تحترق معه.
" آه... لم أعد أحتمل..."
في الليلة المتأخرة، كأنني أُجبرت على أداء تمارين يوغا قسرية، تُشكِّل جسدي في أوضاعٍ مستحيلة.
ومنذ زمنٍ لم أتذوّق ذلك الإحساس، فانفجرت في داخلي حرارةٌ كانت محبوسة في أعماقي.
حتى عضّ أذني برفقٍ، وهمس بصوتٍ دافئ: "هل يعجبك هذا؟"
"ن...نعم..."
في هذه الرواية تنسج لنا دكار مجدولين رواية ذات طابع أدبي كلاسيكي يغور في أعمق تجاويف الانكسار البشري، حيث لا تسرد القصة أحداثاً بقدر ما تشرح حالة "البرزخ" التي تعيشها الروح حين تعجز عن الموت وتفقد القدرة على الحياة. تبدأ الرحلة في عيادة الطبيب مايكل، ذلك المكان الذي يتسع بفخامته لملايين الجثث ، حيث تجلس إليزابيث كتمثال شمعي، تراقب ذبابة يائسة تصطدم بزجاج النافذة، في مشهد يختزل عبثية محاولات "البقاء" في عالم مغلق. الصمت في هذه الرواية ليس فراغاً، بل هو بطل طاغٍ، كيان ملموس يملأ الفراغ بين مقعد إليزابيث ومكتب الطبيب، ضباب كثيف يخنق الكلمات قبل أن تولد. ومن خلال دفتر صغير مهترئ الحواف، تعلن إليزابيث " وفاتها" التي خطها الحزن ، معلنةً انطفاء الرغبة والأمل في آن واحد. الرواية تنبش في جروح الماضي الغائرة، وتحديداً في ذكرى "الجدار الصامت"؛ ذلك الأب الذي حوّل نجاحات ابنته الطفولية إلى مسامير دقت في قلبها ببروده القاتل، حتى غدا حضوره قوة ضاغطة على صدرها . وفي المقابل، يبرز حنان الأم كوجع إضافي، نصل من الذنب يمزق إليزابيث لأنها تعجز عن رد الطمأنينة التي تستحقها والدتها. تتأثث الرواية بمفردات الوجع؛ فالحزن هنا ليس زائراً، بل هو "الأثاث" الذي يفرش زوايا الروح، والرفيق الذي لم يغدر بها يوماً. إليزابيث هي العنقاء التي لا تحترق لتولد من جديد ، بل هي العنقاء التي تحترق ببطء، مستسلمةً "لملمس الوقت " الذي يحصي انكساراتها. الكتابة هنا ليست وسيلة للتحرر، بل هي "قيد" إضافي يمنع البطلة من التظاهر بأن الأمور بخير ، وهي اعتراف بأن "الأنا" القديمة التي كانت تضحك قد أصبحت ساذجة . في كل سطر، تنتظر إليزابيث غدر الشمس الأخير، اليوم الذي تشرق فيه من الغرب لتعلن نهاية الوجود الرتيب، بينما تستمر في تمثيل دور الأحياء بإتقان مروع، تاركةً خلفها في كل جلسة علاجية مسماراً جديداً يُدق في جدار ذلك الصمت اللعين الذي يبتلع هويتها ووجودها بالكامل محولا إياها لضحية اخرى
ترى كيف ستسطيع عنقائنا الصمود في وجه الأحزان
صوت الأخطل ظل يتردد في ذهني كلما غصت في شعر العصر الأموي، وأجد أن أثره على أدب النظم هناك واضح لكن مركب.
ألاحظ أنه لم يغيّر قواعد القصيدة الكلاسيكية من أساسها، لكنه صنّع نمطًا للمديح السياسي والقبلي بوضوح: لغة أنيقة، تشبيهات متجددة، وحرص على التوازن بين الفخر والدبلوماسية. كثير من قصائده صيغت لتُقرأ في حلقات البلاط، ولذلك أحس أنها سوت طريقًا لصياغة نظمٍ أكثر صقلاً، حيث لا يكتفي الشاعر بالهجاء المباشر بل يسوّق المدح كأداة تأثير.
كما أن منافساته مع جرير والفرزدق غذّت بيئة فنية دفعت الشعراء لتطوير أساليب الرد والرد المضاد، فانشطرت قواعد النظم بين هجاء ومديح بمقاييس تقارب مسرحًا لغويًا. بالنسبة إليّ، الأخطل كان حضوره عمليًا في صناعة النمط الأموي أكثر من كونه مبتكرًا لنحوٍ جديد في الشعر، وأثره يشعر به أكثر في طبائع النصوص المحفوظة من ذاك العصر.
هذا سؤال مهم لأن 'الأخطل' شخصية لها حضور أدبي غني لكنه ليس دائماً ظاهرًا في السينما التجارية.
أحب تتبع كيف يتحول شعراء العصر العباسي والأموي إلى مواد تمثيلية؛ بالنسبة إلى 'الأخطل التغلبي'، المواجهة الحقيقية مع الشاشة كانت أكثر تحفظًا. نادرًا ما تجد فيلماً روائيًا سينمائيًا مخصصًا لحياة الأخطل وحده مثلما يحدث مع بعض الشخصيات التاريخية الأكثر شهرة، لكن وجوده يبرز كثيرًا في برامج ثقافية وأمسيات شعرية مصوّرة، وفي حلقات وثائقية عامة عن أدب العصر الأموي أو عن حركة المدن الشعرية. شاهدت بنفسي تسجيلات أمسيات حيث يتلو رواد الشعر مقاطع من 'ديوان الأخطل'، وهذه التسجيلات في كثير من الأحيان تُعرض ضمن برامج تليفزيونية وثقافية أو تُرفع على منصات الفيديو.
فيما يتعلق بالأفلام الوثائقية، إذا بحثت عن إنتاجات تتناول تاريخ الشعر العربي أو فصول الأدب الأموي فستجد مخرجين وصحفيين وثقافيين يذكرون الأخطل إلى جانب فرزُدق وجرير وغيرهم، لأن شخصيته في البلاط الأموي وحياته كمديح وسخرية من الخصوم توفر مادة جيدة للتعليق التاريخي والأدبي. القنوات الوثائقية والبرامج الثقافية العربية أنتجت حلقات متفرقة عن شعراء الأمويين، وغالبًا ما تعتمد هذه الحلقات على قراءات نصية وتعليقات أكاديمية بدل السرد الدرامي الطويل. أما على الإنترنت فهناك محاضرات جامعية وندوات مسجّلة تشرح شعره وسياقه التاريخي، وهي طريقة ممتازة للتعرّف عليه بصوت باحثين متخصصين.
أما عن الدراما والمسرح والإذاعة، فالأمر مختلف قليلًا: التراث المسرحي والإذاعي العربي في منتصف القرن العشرين كان يقدّم مسرحيات إذاعية وتلفزيونية عن شخصيات تاريخية وشعراء، وبالتالي تظهر شخصيات مثل الأخطل في مشاهد تمثيلية داخل نصوص أوسع عن البلاط الأموي أو عن نزاعات الشعراء. كذلك، تعرفت على مبادرات مسرحية معاصرة تحوّل نصوصًا شعرية إلى عروض مسرحية تجريبية، وفي بعض هذه الأعمال تُستخدم قصائد من 'ديوان الأخطل' كجزء من الحوار والنص الموسيقي. وبالطبع هناك تسجيلات موسيقية ونغمات تقليدية استُخدمت فيها أبيات من شعره، مما يمنحه نوعًا من الحياة الدرامية لدى المستمعين.
إذا كان شغفك بالأدب يجعل البحث عن صور وتمثيلات الأخطل ممتعًا، أنصح بالبحث عن عبارة 'الأخطل التغلبي' و'ديوان الأخطل' على منصات الفيديو والجامعات الرقمية، وتفقد أرشيف الإذاعات والمهرجانات الشعرية؛ كثيرًا ما تكون هناك لقطات نادرة لأمسيات أو دراسات مصوّرة. شخصيًا أجد أن حضور الأخطل الأدبي أقوى بكثير في القراءة الحية والتحليل النقدي من أن يكون نجماً لفيلم روائي، وهذا يضيف له نوعًا من الغموض الجذاب الذي يدفعك للاستماع إلى أبياته ومحاولة تخيل الساحة التي كان يتحدث فيها.
سؤال رائع يفتح نافذة على تاريخ طويل من الحفظ الشفهي والنسخ اليدوية، وهو فعلاً موضوع يحمّسني كلما فكرت كيف وصلت إلينا أبيات من قرون بعيدة. لا توجد أي مخطوطات أصلية خطها الأخطل بنفسه محفوظة اليوم — وهذا ليس مفاجئًا، لأن الأعراف الكتابية والتقنيات الحافظة في بيئته لم تُنتج عادة مخطوطات ذات بقاء مباشر بهذا الشكل. الأخطل التغلبي عاش في العصر الأموي (القرن السابع الميلادي تقريبًا)، وعندئذ كان الشعر ينتقل غالبًا شفهيًا أو يُدون في أمد لاحق على أوراق كانت قابلة للتلف بسهولة، لذا صعوبة بقاء أي مخطوطة أصلية لاثنين، ثلاثة عشر قرنًا أمراً متوقعًا.
طريقة حفظ شعر الأخطل التي نعرفها اليوم تعتمد في الأساس على رواة ونساخ ومؤرخي الأدب الذين جمعوا الأبيات ودوّنوها عبر القرون التالية. بعد عصره جاء نحاة وبلاغيون ومؤلفون قاموا بتجميع دواوين الشعراء أو إدراج أبيات في كتبهم — فهذه المجموعات والنسخ اليدوية المتأخرة هي المصدر الذي وصلت منه نصوص الأخطل إلى عصرنا. النسخ المخطوطة المتبقية عادةً ما تعود إلى العصور الوسطى الإسلامية، أي نسخ كُتبت بعده بقرون، وليست مخطوطات أصلية بخط الشاعر نفسه. هذه المخطوطات موجودة موزعة في مكتبات ومجاميع مخطوطات في العالمين العربي والأوروبي، وقد حصل العلماء على نسخ متعددة قاموا بمقارنة قراءات النساخ لتصحيح النص وإصدار طبعات نقدية.
النتيجة العملية هي أن ما نقرؤه اليوم تحت اسم 'ديوان الأخطل' أو في مقاطع من المراجع الأدبية هو ثمرة سلسلة طويلة من النقل والتصحيح والاختلاف في القراءات. هذا يفسر اختلاف القراءات أو وجود أبيات منسوبة إليه خلافًا لبعض الطبعات؛ فالعامل البشري والاختلاف بين الرواة والنساخ يدخل بقوة في تشكيل النص النهائي. لكن رغم عدم وجود مخطوط أصلي بخطه، الإرث محفوظ بشكل كافٍ لنتمكن من دراسة لغته، موضوعاته، ومواقفه السياسية والشعرية — وهو أمر يجعلني دائمًا متأثرًا بمرونة الذاكرة الثقافية العربية.
في النهاية، من الممتع والخاطف أن تتخيل أبيات تُتلى منذ أكثر من ألف سنة وأنها وصلت إلينا عبر صوت الناس وكتابة العلماء والنسّاخ، لا عبر مخطوطة واحدة محفوظة كالقطعة الأثرية المنقوشة. لذلك عندما تتصفح اليوم طبعة نقدية أو مجموعة من أشعاره، تذكر أنها نتيجة رحلة طويلة من النقل والاهتمام، وهذا ما يمنح النص طابعًا حيًا ومتنقلاً عبر العصور، وليس وثيقة فردية جامدة.
أتذكر جيدًا كيف جرّاني تصفح 'ديوان الأخطل' إلى سؤال المنشأ والمكان: هل عاش في البصرة؟ المصادر القديمة لا تضعه عادة كبصري أصيل أو مقيم طويل الأمد في البصرة. الأخطل التغلبي معروف بأنه من بيئة قبائلية مرتبطة بالمنطقة العراقية ــ خاصة الهيرة وما حولها ــ وظهر كثيرًا في بلاط الأمويين بدمشق، لذا أكثر الاقتباسات تضمه إلى تلك الدوائر. ومع ذلك، التنقّل بين المدن العراقية آنذاك كان شائعًا، فزياراته لكوفة أو البصرة ممكنة بلا شك، لكن هذا لا يكفي لأن نصفه بصريًا.
أما عن الطبيعة، فأنا أرى أنه صارمًا في دوره كمداح وهاجع؛ الطبيعة عنده ليست غاية بل وسيلة: صحراء، خيل، صيد، وسمات بيئية تُستخدم لتعزيز تصوير البطولة أو السخرية. بالتالي أتصور أن الأخطل كتب عن الطبيعة لكن ضمن سياق وظيفي شعري لا بوصفها موضوعًا مستقلًا كما يفعل شعراء آخرون.
الدراما الشعرية بين الأخطل وجرير والفرزدق تَحمّسني دائمًا؛ هي أقرب إلى مسرح شعري تُعرض فيه الولاءات والسباب على المسرح السياسي والاجتماعي.
أرى أن الأخطل دخل ساحة الهجاء بجدّ، لكنه لم يكن خصمًا وحيدًا لجرير والفرزدق كما لو كانوا ثلاثيًّا متكافئًا طوال الوقت. الأخطل كان يتميز بصوت مختلف — مسيحي من قبيلة لها حضور قوي، وراعي لمديح الأمويين، فأسلحته كانت هجاءًا مدفوعًا بتحالفات سياسية وأحيانًا دفاعًا عن حزب أو سلطان.
هكذا، المنافسة معه بدت أحيانًا قِصصًا جانبية إلى جانب الحروب الشهيرة بين جرير والفرزدق، لكن تأثيرها لا يقل في بعض اللحظات: عندما كان الأخطل يتجه لهجاء شخص، كان يملك قوة بلاغية تُحرج الخصم وتُبرز ولاءه للسلطة. بالنسبة لي، تلك التوليفة من السياسة، القِبلة الشعرية، ومستوى الحدة جعلت المشهد الأدبي آنذاك أكثر ثراءً وإثارة، وليس مجرد تبادل شتائم بلا معنى.
أجد أنه من الممتع تتبع علاقة الأخطل بالسلطة وكيف تجلّت في شعره، لأنًا بالفعل كتب قصائد مدح موجهة للخلفاء والأمراء الأمويين.
الأخطل التغلبي، المسيحي النسب والمشهور بحضوره في الحفلات الشعرية، لم يكن شاعرًا معزولًا عن السياسة؛ بل كان جزءًا من شبكة رعاية أمويّة استفادت من خبرته في المدح. ثمة دواوين ومقتطفات محفوظة بينها ما نعرفه اليوم باسم 'ديوان الأخطل' تحوي قصائد مدح أثنت على كرم وسّطوة ومناقب أمراء من الأسرة الأموية، ومنها مدائح لأشخاص كانوا في محيط الدولة الأموية مثل الوليد بن عبد الملك وما ينسب إلى عبد الملك بن مروان في بعض المراجع.
أرى أن مدائحه لم تكن مجرد تملّق أعمى، بل كانت مهارة لغوية وسياسية: تستخدم الصور البدوية التقليدية لتمتين مكانة الحاكم وتأكيد الولاء القبلي، وفي الوقت نفسه تكسب الشاعر معيشة وسمعة. قراءة هذه القصائد تمنحني نافذة على قيم العصر وطريقة عمل نظام الحماية والرعاية بين الشعراء والسلطة.