أحب أن أبدأ بحديث عن الجذور لأن فهم تاريخ الترجمة عندنا يشرح كثيرًا من سمعة الأسماء اليوم. في القرن التاسع عشر، برز اسم رفاعة الطهطاوي كأحد الرواد الذين جلبوا أفكار العصر الأوروبي إلى العربية عبر ترجمات ونصوص تفسر العلوم والعادات الغربية، وهذا بجانب دوره في تأسيس خطاب جديد للنهضة الأدبية والفكرية.
من ثم تأتي موجة المثقفين الذين جمعوا بين الترجمة والنقد والفلسفة: أسماء مثل عبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود وجورج طرابيشي لهم بصمات واضحة في نقل الفلسفة الغربية والأدب النقدي للعربية. هؤلاء لم يقتصروا على نقل النص، بل أعادوا صوغ المصطلح العربي وبنوا أدوات فكرية جديدة مطلوبة لقراءة تلك النصوص.
على مسار آخر، كان هناك مترجمون أكثر قربًا من القارئ العام، ممن جعلوا الأدب العالمي في متناول المكتبات الشعبية؛ أنيس منصور مثال على من قدم ترجمات وكتابات شعبيّة وصلت لجمهور واسع. اليوم نرى أسماء معاصرة تتخصص في الرواية والخيال العلمي والسينمائي، لكن روح هؤلاء الرواد ما زالت حاضرة في الطريقة التي نقرأ بها الأدب العالمي بالعربية. بالنسبة لي، متابعة أسماء المترجمين والاطلاع على خلفياتهم يساعد دائمًا على اختيار النسخة الأنسب للقراءة.
أحب أن أبدأ بقصة صغيرة عن كيف بدأت رحلتي مع المترجمات: اشتريت وما زلت أحتفظ بسلسلة 'Penguin Classics' لأنها طريقة رائعة للتعرف على النصوص العالمية دون الشعور بالضياع. أنا أميل إلى النسخ المعيارية والمصنفة لأنها تأتي بمقدمة قصيرة وشروح تساعد القارئ الجديد على السياق، وهذا فرق كبير عندما تقرأ عملاً من ثقافة مختلفة. أنصح بأن تبدأ بمجلدات مختصرة أو نصوص مختارة — مثلاً مجموعات القصص القصيرة والأجزاء المختصرة من الروايات الكلاسيكية — لأن ذلك يبني الثقة ويعرّفك على أصوات مختلفة بسرعة.
كما أحب أن أوصي بمزيج من السلاسل: 'Penguin Classics' و'Oxford World's Classics' و'Everyman's Library' تقدم طبعات جيدة الترجمة وملاحظات توضيحية. لو كنت تفضّل الطبعات العربية من دور موثوقة فابحث عن ترجمات مصحوبة بتعليقات وبيانات تاريخية صغيرة؛ هذه الطبعات تجعل القفزة إلى الأعمال الأكثر كثافة كـ'الجريمة والعقاب' أو 'مئة عام من العزلة' أقل رهبة.
نصيحة عملية أعطيتها لصديق: ابدأ بثلاثة أنواع مختلفة خلال الشهر الأول — مجموعة قصص قصيرة من قارة، رواية قصيرة من قارة أخرى وقطعة خفيفة من الأدب المعاصر — لتكتشف ما يلامس ذوقك. أختم دائماً بتذكير أن الترجمة مهمة كالنص نفسه؛ إذا لم تعجبك ترجمة جرّب أخرى قبل أن تتخلى عن العمل. في النهاية القراءة عالم كبير وممتع، وكل كتاب موفّر بترجمة جيدة يشبه باب صغير يدعوك للدخول.