Masukرواية نفسية مظلمة تكشف كيف يمكن للخوف والكذب أن يدمّرا الأرواح ببطء. تجد كندا نفسها مجبرة على الزواج من محدين، الرجل الأعمى الطيب، بعد أن تخلى عنها حبيبها الأول. لكن داخل البيت القديم، وبين نظرات يزن الصامتة، تبدأ مشاعر محرّمة بالنمو حتى تتحول إلى خيانة تهدم عائلة كاملة. حب، ذنب، موت، وأسرار تختنق خلف الجدران… في “الخيانة العمياء”، لا أحد يخرج بريئًا، فبعض القلوب ترى الحقيقة متأخرة جدًا
Lihat lebih banyakكانت القرية صغيرة إلى حدّ أن أي سرّ فيها يعيش أكثر من صاحبه.
البيوت الطينية المتلاصقة، الأزقة الضيقة، رائحة الحطب في الشتاء، وأصوات النسوة التي لا تهدأ أبدًا… كل شيء هناك كان يعرف كل شيء. لكن أكثر ما كانت القرية تعرفه هو كندا. لم تكن مجرد فتاة جميلة، بل كانت الجمال نفسه. حين تمرّ في السوق تخفت الأصوات قليلًا، ويلتفت الرجال إليها دون شعور، بينما تتظاهر النساء بعدم الاهتمام. حتى أمها كانت أحيانًا تنظر إليها بخوف، لا بإعجاب. فالجمال في القرى ليس نعمة دائمًا… أحيانًا يكون لعنة. في تلك الليلة الشتوية، وقفت كندا خلف سور بيتهم تنتظر غياث. كان البرد قاسيًا، والريح تعصف بأغصان التين اليابسة قرب الطريق الترابي، لكنها لم تشعر بشيء سوى القلق الذي كان يضغط صدرها. تأخر كثيرًا. نظرت حولها بتوتر، ثم سمعت وقع خطواته أخيرًا. خرج من بين الظلام مبتسمًا، كعادته، وكأن الدنيا لا تحمل همًا واحدًا. اقترب منها وهمس: — اشتقتِ لي؟ حاولت أن تبدو غاضبة، لكنها لم تستطع. قالت بصوت خافت: — خفت أن يراك أحد. ضحك بهدوء: — ومن يجرؤ أن يقترب منكِ أصلًا؟ لم تجب. كانت تنظر إلى عينيه فقط… وتصدق كل شيء يقوله. أمسك يدها وسار بها بعيدًا عن الطريق، نحو الأرض الزراعية خلف البيوت. قالت وهي تتردد: — غياث… متى ستتحدث مع أبي؟ تنهد وكأنه ضجر من السؤال: — قريبًا يا كندا، لماذا كل هذا الخوف؟ سكتت قليلًا ثم قالت: — لأنني أحبك أكثر مما ينبغي. توقف عن السير، نظر إليها طويلًا، ثم اقترب حتى شعرت بأنفاسه. — وأنا أيضًا. كانت تحتاج لهذه الكلمات أكثر من حاجتها للهواء. في تلك الليلة، سلمته قلبها بالكامل… دون أن تعرف أن بعض الرجال يأخذون الحب كما يأخذون الأشياء المؤقتة، ثم يرحلون. مرّت الأسابيع بسرعة، لكن شيئًا ما في غياث بدأ يتغير. في البداية أقنعَت نفسها أن الأمر مجرد انشغال، ثم بدأت تلاحظ أنه لم يعد يطلب لقاءها كما كان يفعل سابقًا. صار يجيب ببرود. يتأخر. يختفي أيامًا كاملة. وفي كل مرة تسأله: — هل حدث شيء؟ كان يقول: — لا تبالغي يا كندا. لكن قلبها كان يشعر بما يحاول عقلها إنكاره. في أحد الأيام، رأته صدفة في السوق. كان يضحك مع رجل غريب يرتدي ثيابًا فاخرة. وما إن لمحها حتى اختفت ابتسامته للحظة، ثم أشاح بنظره وكأنه لم يرها. شعرت بشيء ينكسر داخلها. عادت إلى البيت يومها وهي تحاول إقناع نفسها أن الأمر عادي، لكن القلق ظلّ ينهشها طوال الليل. وبعد ثلاثة أيام فقط، جاءت الصدمة. كانت أمها تتحدث مع إحدى الجارات حين سمعت الاسم. غياث. تجمدت مكانها. قالت المرأة بحماس: — مبارك لهم… ابنة التاجر وافقت أخيرًا. لم تفهم كندا في البداية. لكن أمها نظرت إليها بسرعة، وكأنها خافت أن تسقط. سألت كندا بصوت مرتجف: — من… من تزوج؟ ساد الصمت لثوانٍ. ثم قالت الجارة دون انتباه: — غياث طبعًا، ألم تسمعي؟ شعرت كندا كأن أحدهم دفع سكينًا بطيئًا في صدرها. لم تبكِ. لم تصرخ. فقط دخلت غرفتها وأغلقت الباب. جلست على الأرض لساعات طويلة تحدق بالجدار، بينما صوت الجملة يكرر نفسه داخل رأسها: “غياث سيتزوج غيرك.” وفي تلك الليلة، للمرة الأولى، شعرت بالخوف الحقيقي. ليس من فقدانه… بل من نفسها. لم تعد كندا تنام جيدًا. كل ليلة كانت تستيقظ مذعورة، وكأن القرية كلها تعرف سرّها. صارت تخاف من نظرات الناس، من همسات النساء، حتى من صوت الباب إذا طرقه أحد. كانت تشعر أن الفضيحة تقترب منها ببطء. أما غياث… فلم يحاول حتى تبرير ما فعله. اختفى تمامًا. وفي إحدى الليالي، لم تحتمل أكثر. خرجت من البيت سرًا واتجهت نحو المكان الذي كانا يلتقيان فيه دائمًا. كانت تعرف أنه لن يأتي… لكنها ذهبت رغم ذلك. وحين وصلت، وجدته هناك فعلًا. كان يقف وحده قرب شجرة الزيتون القديمة. اقتربت منه بسرعة، وصوتها يرتجف: — لماذا فعلت هذا بي؟ تنهد بضيق: — كندا… لا أريد مشاكل. نظرت إليه بصدمة. — مشاكل؟! بعد كل شيء؟ أشاح بوجهه عنها وقال ببرود: — أنتِ تعرفين أن وضعي لا يسمح. شعرت بالإهانة تشتعل داخلها. — لكنك وعدتني. — كنتِ تعلمين أن الأمر صعب. — وهل كان حبي لك صعبًا أيضًا؟ صمت. وكان ذلك الصمت أقسى من أي جواب. اقتربت منه والدموع تملأ عينيها: — ماذا سأفعل الآن؟ نظر حوله بتوتر ثم قال بسرعة: — انسي الأمر يا كندا… وتزوجي أي رجل يتقدم لك. حدقت فيه غير مصدقة. كيف يستطيع أن يقولها بهذه السهولة؟ كيف يمكن لرجل أخذ قلب امرأة أن يتحدث وكأنه لم يفعل شيئًا؟ ابتعد عنها دون كلمة أخرى. وترَكها وحدها في الظلام.في مركز الشرطة، جلست كندا وحدها داخل الغرفة الباردة.كانت عيناها متورمتين من البكاء، ويداها لا تتوقفان عن الارتجاف.سألها الضابط بهدوء:— هل كنتِ على علاقة بيزن؟أغمضت عينيها بقوة.حاولت الإنكار للحظة…لكنها كانت متعبة جدًا.متعبة من الكذب.من الخوف.من الذنب.همست أخيرًا:— نعم.كتب الضابط شيئًا في أوراقه، ثم سأل:— منذ متى بدأت العلاقة؟بدأ صوتها يختنق وهي تتحدث.حكت كل شيء تقريبًا.عن وحدتها…عن ضعفها…عن حبها ليزن…وعن خوفها المستمر من انكشاف الحقيقة.لكنها لم تستطع حتى وهي تعترف أن تكره يزن.وهذا ما زاد ألمها.أما محدين، فكان في غرفة أخرى يجيب بصوت ميت على الأسئلة نفسها.قال للضابط:— لم أكن أرى شيئًا… لكنني كنت أشعر أن هناك ظلامًا حولي طوال الوقت.ولأول مرة منذ سنوات، بكى محدين أمام الغرباء دون أن يحاول إخفاء دموعه.ما إن خرج الخبر رسميًا حتى انفجرت القرية بالكلام.لم يعد أحد يتحدث عن شيء آخر.النساء يرددن اسم كندا باحتقار.والرجال يتحدثون عن “الخيانة” وكأنها جريمة هزّت القرية كلها.حتى بيت أهلها أصبح محاصرًا بالعار.أبوها لم يعد يخرج كثيرًا، وأمها كانت تبكي بصمت كل ليلة.أما كن
وقف يزن للحظات صامتًا.ثم قال بصوت مكسور:— إن كان هذا يريحك… سأرحل.اتجه نحو الباب ببطء.لكن كندا اندفعت نحوه وهي تبكي.— لا تذهب!وما إن قالتها حتى ساد صمت مرعب داخل البيت.كانت الجملة كافية لتحطم آخر شيء داخل محدين.استدار نحو مصدر صوتها ببطء شديد.ثم قال بصوت خافت مخيف:— إذًا… تحبينه فعلًا.أغلقت كندا فمها فورًا، وكأنها أدركت متأخرة ما قالته.أما يزن، فاقترب بسرعة:— أخي، كفى—لكن محدين اندفع نحوه فجأة.بدأ العراك بينهما بعنف.حاول يزن منعه دون إيذائه، بينما كان محدين يضربه بجنون، كأنه يفرغ كل الخيانة والألم دفعة واحدة.صرخت كندا وهي تحاول إبعادهما:— توقفا!لكن كل شيء خرج عن السيطرة.وخلال العراك، تعثر يزن بالطاولة المكسورة وسقط بقوة.ثم…ارتطم رأسه بحافة حجرية حادة قرب الجدار.ساد صمت مفاجئ.توقف محدين فورًا.أما كندا، فنظرت إلى يزن الملقى على الأرض بعينين متسعتين من الرعب.اقتربت منه بسرعة.— يزن… يزن!لكن الدم بدأ ينتشر ببطء تحت رأسه.وكان جسده بلا حركة.جلس محدين على الأرض كأن روحه خرجت منه.أما كندا، فكانت تهزّ جسد يزن وهي تبكي بانهيار.— افتح عينيك… أرجوك!لكن يزن لم يتحرك
في تلك الليلة، طلب يزن من كندا أن تخرج معه إلى الحقول خلف البيت.كان القمر شاحبًا، والهواء باردًا.وقفت أمامه بصمت، بينما بدا هو متوترًا بشكل لم تره عليه من قبل.قال أخيرًا:— يجب أن ننهي كل شيء.شعرت كندا بأن قلبها انقبض.— ماذا؟مرر يده في شعره بعصبية.— نحن دمّرنا أمي… وسندمر محدين أيضًا.بدأت الدموع تتجمع في عينيها.— وهل تظن أنني لا أعرف ذلك؟اقترب منها وقال بصوت متعب:— إذًا لماذا نستمر؟لم تجد جوابًا.لأنها كانت تحبه…رغم كل شيء.أما هو، فكان يبدو كإنسان يختنق داخل نفسه.قال أخيرًا:— سأغادر القرية.رفعت رأسها بصدمة.— ماذا؟— هذا أفضل حل.شعرت بالخوف فورًا.— و… وأنا؟نظر إليها طويلًا، ثم قال بحزن:— لو بقيتِ معي سنحرق كل شيء حولنا.سقطت دمعة من عينيها بصمت.لأول مرة، شعرت أن خسارته قد تكون أقسى من ذنبها نفسه.انتشر خبر نية يزن مغادرة القرية بسرعة بين الناس.بدأت النساء يتهامسن:— لماذا سيترك البيت بعد موت أمه مباشرة؟— هل حدث شيء بينه وبين أخيه؟وكانت كندا تسمع تلك الهمسات بخوف متزايد.أصبحت تشعر أن الجميع يراقبها.حتى نظرات الجارات البسيطة صارت تبدو لها اتهامًا.وفي أحد الأي
بعد المواجهة، دخلت اعتدال غرفتها وأغلقت الباب.أما كندا، فانهارت بالبكاء في زاوية الممر.ويزن وقف بلا حركة، كأن روحه خرجت منه.قالت كندا وهي تبكي:— انتهى كل شيء…مرر يزن يده على وجهه بتعب شديد.— كنت أعرف أن هذا سيحدث.وفجأة، سمعا صوت ارتطام قوي داخل غرفة اعتدال.ركضا نحو الباب بسرعة.فتح يزن الباب بعنف…فوجدا اعتدال ملقاة على الأرض.شهقت كندا بخوف:— يا الله!ركع يزن قرب أمه بسرعة.— أمي! أمي!لكن اعتدال كانت تتنفس بصعوبة شديدة، ويدها تضغط على صدرها بعنف.بدأ الذعر يسيطر عليهما.صرخت كندا:— نادِ محدين! بسرعة!خرج يزن راكضًا كالمجنون نحو المسجد.أما كندا، فجلست قرب اعتدال المرتجفة، تبكي وهي تمسك يدها.فتحت اعتدال عينيها بصعوبة ونظرت إليها.كانت نظرة موجوعة…مليئة بالخذلان.ثم همست بصوت ضعيف:— خرّبتِ… بيتي…وأغمضت عينيها.وصل محدين مع يزن بعد دقائق، بينما كان بعض رجال القرية خلفهما.كان محدين مرتبكًا بشدة.— ماذا حدث؟! ماذا بها؟!لكن لا أحد أجابه فورًا.حملها الرجال بسرعة إلى السيارة القديمة وانطلقوا بها نحو المدينة.جلست كندا في البيت وحدها، ترتجف بالكامل.أما يزن، فكان يجلس خارج ا





