لم يكد يعلو صخب قضايا المجتمع في ذهني مثلما فعل بحثي عن كيف تناول الأدب العربي قضية وأد البنات، وغالبًا ما وجدتها تتسلل إلى النصوص بطرق مؤلمة وملتوية.
في الروايات القديمة يمكن رؤية الموضوع يتداخل مع الأساطير والحكايات الشعبية أكثر من كونه توثيقًا حرفيًا، فالتعامل كان غالبًا بالتورية أو عبر رموز مثل الطفلة المختفية أو البيت الذي يحمل سرًا. بينما في الأدب الحديث صار هناك تحول واضح نحو المواجهة المباشرة؛ روى كتاب ونصوص قصصًا عن إناث أهملتهن الأسر أو دفنت آمالهن، وعن جبروت الأعراف التي تفضّل الذكر على الأنثى.
قراءة هذه النصوص جعلتني أدرك أن الأدب لا يقتصر على سرد الفظائع، بل يشتغل على بناء حسّ إنساني يجعل القارئ يعيد النظر في أسباب الظاهرة ونتائجها. بعض الأعمال تركز على أثرها في نفس المرأة والطفلة الباقية، وبعضها يحاول أن يعرض الشبكات الاقتصادية والنفسية التي تتيح استمرار الممارسة.
خلاصة ما أحمله من هذه القراءة أن الأدب العربي، رغم تباين الصراحة بين نص وآخر، قد اعتنى بهذه القضية سواء بصفتها لوحة من صور القهر الاجتماعي أو بوصفها قضية أخلاقية تستدعي تغييرًا حقيقيًا.
أذكر نقاشًا احتدم معي ذات مساء حول كيف نظرت الكتب القديمة والحداثيون إلى ظاهرة وأد البنات: في المصادر الإسلامية المبكرة ترد إشارات واضحة إلى إدانة هذه الممارسة، وقد استدلى النقاد على ذلك كنقطة تحول أخلاقية واجتماعية في السرد التاريخي. بعض المفسرين والمؤرخين قرأوا هذه النصوص كدليل على محاولة المجتمعات المبكرة إعادة ترتيب قيمها تجاه الجنس والولادة، بينما تناولها آخرون كظاهرة اجتماعية مرتبطة بالفقر والحرب والهيكل القبلي.
من زاوية أدبية وتحليلية، استخدمت المجازات المتعلقة بـوأد البنات في الشعر والأسطورة للتعبير عن إسكات الأصوات والهوية المقهورة؛ نقاد الأدب المعاصرين قرأوا هذه الصورة كاستعارة عن قمع النساء وغيابهن من السرد العام. في المقابل، أنجز باحثون اجتماعيون وديموغرافيون دراسات كمية تبحث في نسب الجنس عند الولادة والتطورات الطبية، ورصدوا أن أشكالًا حديثة مثل تحديد جنس الجنين استبدلت بأشكال قديمة من التفضيل الذكوري.
ما يثيرني شخصيًا أن التحليلات النقدية لا تتفق دائمًا: ثمة من يركّز على النصوص الدينية والتاريخية، وآخرون على البنية الاقتصادية أو السياسات الاستعمارية التي عطّلت المجتمعات، وهذا التنوع يحافظ على حيوية البحث ويجعل الموضوع غنيًا للنقاش.
ما الذي يجعلني أشك أحيانًا في دقة مراجع التاريخ عند شرح ظاهرة وأد البنات؟ أقرأ المصادر القديمة وأحاول أن أغوص في اللغة التي كُتبت بها السجلات، وأجد أن الكثير منها كُتب بأيديٍ ليس هدفها التوثيق الموضوعي بل تأكيد قواعد اجتماعية أو قانونية. بعض النصوص تُقدّم الحادثة كعقوبة أو كتصريح ديني، بينما السجلات الإدارية تذكر أرقامًا فقط دون سياق؛ وهذا يخلق فراغًا كبيرًا بين ما حدث فعلاً وكيف فُهم في زمن لاحق.
الآثار وعلم العظام ساعداني كثيرًا على إعادة تركيب الصورة: العظام تكشف نسبًا غير متكافئة في دفن الأطفال في بعض المواقع، لكن تفسير السبب يبقى معقّدًا — هل هو هجرة، أم مجاعة، أم تفضيل جنسي؟ وعلى الجانب الآخر، حسابات علماء السكان تُظهر أن الوصاية الاقتصادية والأحكام الاجتماعية تلعب دورًا كبيرًا في زيادة حالات التخلص من الإناث في فترات أزمات.
أميل لأن أقرأ التاريخ على أنه فسيفساء من أصوات متضاربة، وليس سردًا واحدًا ثابتًا؛ لذا لا أقبل بسهولة اتهامات عامة ولا أحكم بسرعة، بل أبحث دائمًا عن تلاقي الأدلة المادية مع الشهادات الأدبية والقانونية، مع وضع التحيّزات الاستعمارية والذكورية في الاعتبار. هذا يجعلني أكثر حذرًا حين أقول إن مراجع التاريخ تشرح الظاهرة بدقة تامة، لكنها تضيء جوانب مهمة إن قورنت بعين نقدية.
أحتفظ بصورة لمشهد واحد من فيلم عربي رُسمت فيه مأساة فتاة على نحو حاد وبسيط في الوقت نفسه، وهذا يجعلني أقف عند السؤال: هل تعكس السينما العربية 'وأد البنات' بواقعية؟ أرى أن الإجابة ليست سوداء أو بيضاء.
أحياناً تأتي الأعمال بصراحةٍ وثورة تصويرٍ تجعل المعاناة تُعرض بلا تجميل، تُظهر الجذور الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية التي تدفع عائلات إلى اتخاذ قرارات قاسية، وتضع المسؤولية على نظام اجتماعي شامل بدل أن تلصق اللوم بالفرد فقط. في مشاهد كهذه أحس بأن السينما قامت بدورٍ توثيقي وتنويري حقيقي.
لكن من ناحية أخرى، كثير من الأعمال تقع في فخ الدراما المبالغ فيها أو الصور النمطية: تُستخدم معاناة الفتاة كأداة إثارة درامية دون أن تُعرض الحلول أو السياق الأوسع، أو تُصوّر المجتمعات الريفية ككارثية بلا فوارق داخلية. هذا النوع من العرض يخفف من فهم المشكلة ويحول الضحايا إلى شخصيات سلبية بلا عمق.
أؤمن أن السينما العربية تملك القدرة على تقديم رؤى أعمق وأكثر مراعاة للتفاصيل الثقافية والاقتصادية، خصوصاً إن شارك في صناعة الفيلم كتاب ومخرجات ووجوه من خلفيات مشابهة للمتضررات؛ حينها يتغير الطرح من تعاطف سطحي إلى تغيير فعلي في الوعي والحديث المجتمعي.
أميل إلى التفكير في الكتابات التي تتناول تجربة البنات والنساء كمرآة للمجتمع أكثر من كونها مجرد رواية أو قصة. أرى في نوال السعداوي اسمًا لا يمكن تجاهله؛ كتاباتها صريحة ومباشرة وتفتح حوارًا عن جسد المرأة وحقوقها ودورها الاجتماعي، وهي رمز في الأدب النسوي العربي. كذلك أحلام مستغانمي أسرتني بصوتها الشعري في السرد وبعمقها العاطفي، وخصوصًا لو قرأتِ 'ذاكرة الجسد' فستشعرين بتموجات الهوية والحنين.
غادة السمان وهانان الشيخ ولا شك ليلى العثمان وآسية جبار يكملون لوحة قوية: كل منهن تقدم زاوية مختلفة عن حياة البنات والشابات في مجتمعاتنا—من التمرد والبحث عن الحرية إلى التقاليد والأسرار. رضوى عاشور تضيف بعدًا تاريخيًا واجتماعيًا قويًا، وفدوى طوقان نجحت في التعبير الشعري عن الألم والأمل.
أحب هذه المجموعة لأنها لا تقدم وصفة جاهزة للحياة، بل تفتح نوافذ. أنصح من يريد التعرف بهذا المسار أن يبدأ بالقراءة ببطء، يختار كاتبًا واحدًا ويحاول الشعور مع الشخصيات قبل الانتقال لآخر؛ القراءة عندي رحلة، وهذه الأسماء منزلقات جيدة لها.
أثناء قراءتي للمشهد الأدبي العربي، أكثر رواية ترتبط بكلمة 'بنات' هي 'بنات الرياض'، وكتبتها الكاتبة السعودية رجاء الصانع. هذه الرواية ظهرت كصاعقة ثقافية لما نُشرت لأنها طرحت حياة أربع شابات من الطبقة المتعلمة في الرياض بصراحة نادرة آنذاك؛ السرد يأتي على شكل رسائل ومراسلات إلكترونية تكشف تفاصيل علاقاتهن العاطفية والاجتماعية والصراعات مع الأعراف والقيم.
الموضوع باختصار: تتبع الرواية قصص الحب والفشل والخيبة والتمرد لدى هذه الفتيات في بيئة محافظة، وتعرض صدام الطموح الشخصي مع القيود العائلية والمجتمعية. اللغة استخدمت أسلوبًا أقرب لعمود اجتماعي رقمي يشارك أسرار المدينة ويثير النقاش، لذلك أثارت العمل جدلاً واسعًا حول الحرية والأخلاق والخصوصية، وفتحت باب الحديث عن واقع المرأة السعودية بطريقة لم نكن نسمعها في الأدب الشعبي.
كمحب للقصص الواقعية والمشحونة بالعواطف، أعشق كيف أن الرواية دمّرت بعض الأساطير عن الحياة المثالية خلف الأبواب المغلقة، وجعلت القارئ يتساءل عن التوازن بين الحلم والتمسك بالتقاليد، وانتهيت منها وأنا أشعر بأني تعرفت على وجوه جديدة من المدينة نفسها.
قراءة مقابلات عدد من الكتّاب أعطتني إحساسًا أن الموضوع يُعامل بعدة طرق متباينة، وليس بنظرة واحدة ثابتة.
أحيانًا أجد الكتاب يروون تفاصيل بحث ميداني أو شهادات عائلية بصوت حميمي، يشرحون كيف وصلوا إلى قصص عن وأد البنات ويؤكدون أنهم تعاملوا مع المشاركين بحذر واحترام. في مقابلات أخرى يتجه الكلام إلى تاريخ الظاهرة وإلى السياق الاجتماعي والاقتصادي، ويُبرز الكاتب أن وأد البنات نتيجة مركّبة من الفقر، العادات، وضغوط النسب والوراثة الاجتماعية.
لكن ما لفت انتباهي هو التحفظ الذي يظهر لدى بعضهم؛ يختارون لغة تقنية ويبتعدون عن العرض الصادم كي لا يكرروا إيذاء الضحايا أو يحولوا حالات حقيقية إلى مادة استعراضية. هذه المقابلات أضافت بُعدًا إنسانيًا للعمل الأدبي أو البحثي لدي وأظهرت أن تناول قضية كهذه يتطلب توازناً بين السرد والموضوعية، ومعاملة الأشخاص المتأثرين بكرامة. في النهاية، تركتني هذه الحوارات مع فكرة أن الكلمات يجب أن تبني جسورًا للفهم لا أن تكرر أفرع العنف.
أجد اقتباسات 'بنات' مثل كنز صغير أعود إليه عندما أحتاج دفعة عاطفية؛ بعض الجمل بقيت عالقة في رأسي لسنوات. أحب أن أبدأ بالذي يشبه اعترافًا رقيقًا بالخسارة: «نحن لا نخسر الحب، نخسر انتظارنا أن يبقى كما كان»، هذه العبارة تفتح بابًا لفهم كيف تتغير العلاقات أكثر من تغيير الناس أنفسهم. هناك اقتباس آخر أستخدمه كثيرًا عندما أحتاج إلى تذكير بأهمية الحدود: «لا يُقاس احتياجك بقيمة من تحب، بل بقيمة نفسك بعد أن تحب»، هذه الجملة تضع حدودًا لابُد منها بين العطاء والاندثار.
من الاقتباسات التي تلازمني أيضًا: «الحنان ليس ضعفًا، بل هو مهارة تُكتسب»، وهنا تختفي كثير من الأحكام المسبقة عن الرقة والعاطفة. وفي لحظة مرحة من النص يقول أحدهم: «الضحكة التي تسرقها الأيام تبقى لك في صورة»، وهو نوع من سخرية لطيفة من عبثية الوقت. أصف هذه المقاطع دائمًا لأصدقائي كقِطع موسيقية صغيرة كل واحدة لها نغمتها؛ اقتباسات تُنقَش لأن القارئ يعيش فيها مواقفٍ يعرفها.
أحيانًا أقترح على من لم يقرأ 'بنات' أن يبدأ بتلك الجمل بدلاً من ملخص مطول؛ لأنها تعطي لمحة عن روح الرواية: حساسية لا تبتعد عن الحدة، وتسامح لا يعني تنازلًا. أعود لهذه الاقتباسات في رسائل بسيطة أرسلها لمن أحب كنوع من التواصل الصادق، وتعمل غالبًا أفضل من جزء من حديث طويل.
هذا السؤال يفتح بابًا كبيرًا عن اختلاف الطبعات وطريقة قياس طول أي رواية، وفعلاً 'بنات' قد تصدر بأحجام مختلفة بحسب المطابع والإصدارات. أنا في العادة لا أعطي رقمًا واحدًا لأن ما يُطبع في بلد ما قد يختلف جذريًا عن ما يُطبع في بلد آخر: الطبعة الورقية الصغيرة (mass-market paperback) عادةً تضغط الصفحات أكثر فتُنتج نحو 250–350 صفحة للرواية المتوسطة، بينما الطبعات الكبيرة أو ذات الخط الأكبر أو الطبعات الفاخرة قد تتجاوز 400 صفحة بسهولة.
لو اشتريت نسخة محددة من 'بنات' فقد تكون صفحاتها بين 200 و450 صفحة اعتمادًا على حجم الورق، حجم الخط، الهوامش، ومساحة الغلاف الداخلي المخصصة للملاحق أو الصور. شخصيًا، واجهت روايات تحمل نفس المحتوى لكن اصداراتها تباينت بفرق 50–100 صفحة بسبب التنسيق فقط، لذا لا أستغرب لو كانت هناك نسخة من 'بنات' بـ 320 صفحة ونسخة أخرى بنفس النص بـ 380 صفحة.
في النهاية، إن كنت تبحث عن رقم دقيق لنسختك، أفضل ما أفعله هو التحقق من صفحة حقوق النشر داخل الكتاب أو وصف المنتج على موقع الناشر أو متجر إلكتروني؛ هذه المصادر تظهر عدد الصفحات للطبعة المحددة وتقطع الجدل. هذا أسلوب عملي يريحني عندما أريد أن أصل لرقم أكيد بدل التخمين.