أذكر اللحظة التي فتحت فيها صفحة من 'ثلاثية القاهرة' وشعرت أنني أمام مدينة تنطق بحكايات بشرية لا تختفي مع الصفحات؛ هذا الإحساس هو مفتاح شهرة
نجيب محفوظ العالمية بالنسبة لي. ما جذبني أولاً ليس فقط الحكاية نفسها، بل طريقة سرده: تفاصيل الحياة اليومية في القاهرة التي تتحول إلى مرآة لكل إنسان يبحث عن مكانه في العالم. الموضوعات التي تناولها—الطبقية، الحب، الدين، الحرية،
الصراع مع التقاليد—هي موضوعات عالمية، لذلك القارئ من أي زاوية في العالم يجد فيها أجزاءً من تجربته الخاصة.
أعتقد أن أسلوب محفوظ لعب دورًا كبيرًا. هو مزج بين الواقعية الاجتماعية والعمق الفلسفي أحيانًا، مع لغة واضحة قادرة على رسم مشاهد بصرية قوية دون التكلف. تقنيًا، استخدم السرد بطرق متعددة:
الراوي العليم، التيار الداخلي للأفكار، وحتى رموز دينية وتاريخية تظهر كطبقات عدة في العمل. هذا التنوع الأسلوبي جعل رواياته قابلة للتحليل الأدبي على نطاق واسع، وبالتالي جذبت الباحثين والترجمان والدراسات الأكاديمية. لا أنسى دور الترجمة الجيدة—مترجمون مثل Denys Johnson-Davies فتحوا أبواب العالم لقارئ غير عربي، وصقّلوا جمال اللغة والمعنى بدون أن يفقد النص روحه.
هناك عامل خارجي لا يمكن تجاهله: جائزة نوبل في الأدب. فوز محفوظ عام 1988 أعطى الأدب العربي متنفسًا دوليًا وثقةً لدى دور النشر لتمويل ترجمات ونشر وترويج أوسع. كما أن تحويل كثير من رواياته لأفلام ومسلسلات محلية جعل صور شخصياته ومواقعه مألوفة حتى لغير القارئ، ومن ثم جذبت الانتباه العالمي إلى الأعمال الأصلية. كذلك، النزاعات والجدل المحيط ببعض أعماله أضافت نوعًا من الفضول: الكتاب الذي يثير الجدل يصبح مادة دسمة للباحثين و
الصحافة.
بالنهاية، أرى أن مزيج الأصالة المحلية والمواضيع العالمية، إلى جانب براعة السرد والتوقيت الثقافي (ما بعد الاستعمار وصعود النقد العالمي للأدب غير الغربي) صنع شهرة نجيب محفوظ على المستوى العالمي. بالنسبة لي، قراءة 'ثلاثية القاهرة' أو 'زقاق المدق' تبقى تجربة تغذّي الحس الإنساني والفضول عن تاريخ ومصائر الناس، وهذا وحده سبب كافٍ لأن تستمر أعماله في التنفس بين الأجيال.