أستطيع أن أروي الصورة بوضوح: الحصار الذي شنّه إبراهيم باشا على الدرعية لم يكن حصارًا استمر لسنوات طويلة، بل كان جزءًا من حملة عسكرية امتدت عدة سنوات. بدأت عمليات محمد علي وبنيه ضد الدولة السعودية الأولى منذ حوالي 1811، لكن معركة الدرعية نفسها ووقائع انسدادها تمت في 1818، والحصار على العاصمة لم يكن أكثر من عدة أشهر على الأكثر.
أذكر أن الفرق المهم هنا هو التمييز بين مدة الحملة ككل ومدة حصار الدرعية بالتحديد. القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا وصلت إلى قلب نجد وخاضت معارك متفرقة وعمليات تطهير أدت إلى محاصرة الدرعية في ربيع وصيف 1818، وانتهى الأمر بسقوط المدينة واستسلامها في سبتمبر 1818. بالتالي، لا، لم يستمر الحصار على الدرعية لأكثر من ثلاث سنوات؛ الحملة كلها امتدت سنوات، لكن الحصار الفعلي كان لجزء قصير من عام 1818، لعدة أشهر فقط.
أحب التدقيق في التواريخ، وأرى أن التفاصيل هنا مهمة: الحملة المصرية تحت قيادة إبراهيم باشا جزءٌ من حملة محمد علي ضد الدولة السعودية الأولى بدأت عمليا منذ 1811، لكن حصار 'الدرعية' وقع في 1818. المصادر التاريخية المتوفرة تشير إلى أن الحصار استمر لوقت قصير نسبياً، ثم سقطت الدرعية في سبتمبر 1818.
كمهتم بالتاريخ، أتابع أنجزات وإخفاقات الحملات العسكرية؛ الفرق بين حملة استمرت سنوات وموقع محاصر لعدة أشهر قد يضيع لدى القارئ العادي، لذا أوضح أن ما حدث فعلاً أن الحملة اندلعت على مدى سنوات ولكن حصار الدرعية لم يتعدَّ بضعة أشهر في عام 1818. بعد السقوط أُرسل عبدالله بن سعود إلى إسطنبول حيث حُكم عليه لاحقًا، مما يؤكد أن النهاية كانت حاسمة وسريعة بعد هذا الحصار المختصر.
أصغي إلى سرد الأحداث ببساطة: لا، إبراهيم باشا لم يحاصر الدرعية أكثر من ثلاث سنوات. ما حدث هو أن الحملة العُثمانية-المصرية ضد الدولة السعودية الأولى تَمَدَّت على مدار سنوات منذ 1811، لكن حصار الدرعية عينه وقع في 1818 وبقي لعدة أشهر حتى سقوطها.
أحيانًا يختلط على الناس طول الحرب بطول حصار معين، فأحب تبيان هذه الفروق. النهاية جاءت بعد حصار قصير نسبياً، وليست فترة امتدت لثلاث سنوات أو أكثر، وهذا يغير فهمنا لأحداث تلك المرحلة وإلى أي مدى كانت الحملة حاسمة ومركزة في نهايتها.
أحتفظ بذاكرة سردية عن هذه الحملة: ما يُروى في الكتب أنه بينما استغرق النظام العثماني-المصري عدة سنوات لهزيمة الحركة السعودية والإصلاحية في شبه الجزيرة، فإن حصار الدرعية نفسه لم يكن طويلًا حتى هذا الحد.
أرى أن الخلط شائع بين طول الحملة (حوالي سبع سنوات من الاشتباكات المتقطعة منذ 1811 وحتى سقوط الدرعية عام 1818) وطول الحصار على المدينة. إبراهيم باشا وصل إلى محيط الدرعية في 1818 وفرض الحصار الفعلي لعدة أشهر قبل اقتحامها واستسلام زعيمها عبدالله بن سعود. لذلك إذا سؤالك يطلب التأكد إن كان الحصار استمر أكثر من ثلاث سنوات، فالإجابة واضحة: لا، الحصار لم يتجاوز بضعة أشهر، بينما الصراع الشامل استغرق سنواتٍ أطول.
2026-01-30 14:27:47
3
View All Answers
Scan code to download App
Related Books
سجينة جبريل
Miska rose
0
370
في قريةٍ معزولة بين الجبال، تُتَّهم “مسك” — الفتاة اليتيمة — ظلمًا بقتل أخ جبريل، إثر اتهامٍ زائف من زوجته الأولى.
يأمر جبريل، القائد الصارم، بسجنها والتحقيق معها، مقتنعًا في البداية بإدانتها، فتواجه مسك قسوة الاتهام و الظلم و التعذيب وهي لا تملك سوى الصمت والخوف للدفاع عن نفسها.
ومع استمرار التحقيقات وظهور تناقضات في الروايات، يبدأ الشك يتسلل إلى جبريل، ليكتشف أن الحقيقة أعقد مما ظن، وأن مسك ليست سوى ضحية لظلمٍ أكبر وصراع خفي داخل العائلة.
“سجينة جبريل” رواية عن الاتهام الباطل، وسقوط البراءة تحت ثقل السلطة والانتقام، وعن صراعٍ مرير بين القسوة والحقيقة حين يتأخر إدراكها.
"هل أنت متأكدة تمامًا من رغبتك في شراء جرعة قطع الرابط؟ بمجرد تناولها، ستبدأ في حل رابطك مع رفيقك تدريجيًا خلال خمسة عشر يومًا.
بعد ذلك، سيتم قطع الاتصال بشكل دائم. لا يمكن عكسه، ولا مجال للندم."
أومأت برأسي دون تردد.
"اسمك؟" سألَت وهي تستعد لتسجيل البيع.
"سيرا ماكنايت."
الساحرة هي هان تجمدت، هنا نعم اتسع مع الاعتراف.
كان الجميع في بلادنا يعرف أن داميان بلاكوود، ملك ألفا للمنطقة الشمالية، كان له رفيقة أوميغا كان قد أخلص لها وطار وراءها لسنوات حتى ربطتهم ذئابهم أخيرًا.
اسمها كان سيرا ماكنايت.
دون تردد، شربت جرعة قطع الرابط في حركة واحدة سريعة.
فتحت هاتفي، وحجزت تذكرة ذهاب فقط إلى أوروبا، مغادرة في تمام خمسة عشر يومًا.
هذه المرة، لن يجدني ألكسندر أبدًا بعد الآن.
خلف أسوار أوزبروك
في القرن الثامن عشر، حيث تولد النساء بلا خيارات، لم يكن جمال "ليان" النادر سوى لعنة طاردتها في أزقة مدينة "أوزبروك" المظلمة. بين فقر مدقع وأب سكير ومستعد لبيعها لأحد الخمارات كسلعة رخيصة، لم يكن أمام ليان سوى خيار واحد: غريزة البقاء. كانت تختبئ في عتمة الغبار كلما حاول والدها مساومة جسدها، متمسكة بكبريائها وسط عالم ينهش الضعفاء.
لكن القدر يمنحها طوق نجاة غير متوقع في ليلة ممطرة، عندما تشهد جريمة سرقة في زقاق خلفي. الضحية؟ "يزيد الكيلاني"، الشاب الأرستقراطي الوسيم وسليل العائلة الأكثر نفوذاً في المدينة. أما السارق؟ فهو جارها الخبيث "سالم"، الذي يطمع في جسدها منذ سنوات.
بذكاء حاد وشجاعة يائسة، تحيك ليان خطة جنونية؛ تخدع السارق، تسترد المحفظة . تنجح اللعبة، ويقودها يزيد اللطيف خلف الأسوار الحديدية الشاهقة لـ "قصر آشبورن" لتأمين عمل ومأوى لها.
دخلت ليان القصر بنية واحدة: إغواء الشاب الأصغر "يزيد" لتضمن بقاءها في هذا النعيم. لكن خلف تلك الأبواب الفخمة، يصطدم طموحها بالصخرة الصماء؛ "فارس الكيلاني"، الأخ الأكبر والجاف. رجل قاسي، عنيد، ونظراته الثاقبة تخترق ألاعيبها منذ اللحظة الأولى.
تجد ليان نفسها محاصرة في لعبة قط وفأر شرسة مع الأخ الأكبر. فماذا يحدث عندما تتحول خطة الإغواء إلى معركة كبرياء محتدمة؟ وهل يمكن لقلب ليان المتمرد أن يصمد أمام قسوة فارس الكيلاني، أم أن أسوار آشبورن ستصبح سجنها الأبدي؟
رواية مليئة بالخديعة، التوتر، والمشاعر المحرمة.. حيث لا تكمن الخطورة في الأسوار، بل في القلوب التي تقطن خلفها.
"أنتِ لا تفهمين اللعبة بعد، يا حلوتي... الغزال لا يتفاوض مع الصياد وهو بين مخالبه."
سقطت الأوراق من يدي المرتجفة لتتناثر على الأرضية الرخامية الباردة، بينما تراجعتُ للخلف حتى اصطدم ظهري بالزجاج السميك للمكتب، كاشفاً عن أضواء المدينة التي بدت باهتة أمام ظلام عينيه.
خطوة... فخطوة... كان آرثر فاندربيلت يتقدم نحوي بجسده الفارع الذي يفيض بالخطورة والجاذبية الساحقة. يمسك بين أصابعه الطويلة تلك الوثيقة اللعينة... عقد متعتي لـ 365 يوماً.
"لقد وقّعتِ بكامل إرادتكِ، ميرا،" همس بصوت رجولي أجش، وهو يحاصرني بين ذراعيه القويتين، لتلفح أنفاسه الدافئة شفتيّ المرتجفتين. امتدت يده لتقبض على فكي بقوة جعلت دقات قلبي تتسارع بجنون، وتابع وعيناه الرماديتان تشعان ببريق مظلم: "لمدة سنة كاملة، جسدكِ، أنفاسكِ، وطاعتكِ المطلقة ملكٌ لي. سأعلمكِ كيف تبكين شوقاً، وكيف تتوسلين رحمتي."
حاولتُ دفع صدره الصلب كالجدار، لكنه انحنى ودفن وجهه في عنقي، يمزق بفمه الحاقد والساحر كل حصوني، لتتحول صرختي إلى آهة عاجزة تحت تأثير لمساته الجريئة التي لم أختبرها من قبل.
كنتُ أظن أنني أبيع جسدي لإنقاذ عائلتي... لكنني لم أكن أعلم أنني أقع في شباك الرجل الذي دمر حياتنا عمداً. رجل يقسم على الانتقام، وجسدٌ يخون صاحبه ليعلن الاستسلام لـ "الشيطان".
ظنت أوريليا أن أكبر مشكلة في حياتها هي قيود والدها وإخوتها الذين لم يسمحوا لأي رجل بالاقتراب منها. كانت تعيش داخل عالم صغير، تظنه خانقًا... لكنه كان أكثر أمانًا مما تخيلت.
في يوم عادي، فتحت باب الغرفة لأخ صديقتها. لم يكن اللقاء سوى لحظات عابرة، لكنها كانت كافية لتغيّر كل شيء. منذ ذلك اليوم، بدأت تشعر أن هناك من يراقبها و لكنها تجاهلت الأمر و ياليتها لم تفعل.
حتى جاء اليوم الذي وجدت نفسها داخل غرفة مغلقة، بينما قيود سحرية تُحكم إغلاقها حول جسدها.
"لا يهمني إن أحببتِني... يكفيني أنكِ لن تكوني لأحد غيري." قال بصوت هادئ، وهو يزيح خصلةً من شعرها خلف أذنها.
"ابتعد عني! كان عليّ أن أبقى بعيدة عنك كما قال والدي..."
تجمدت ابتسامته.
لوهلة، اشتدت قبضته حتى ارتجف معصمها، وظهر في عينيه شيء مرعب لم تره من قبل.
لكنه أغلق عينيه، وأطلق زفيرًا بطيئًا. وعندما فتحهما من جديد، عاد ذلك الهدوء المخيف إلى ملامحه.
"فقط... دعني أعود إلى المنزل، وسنستمر بالالتقاء كالمعتاد... حسنًا؟" قالت وهي تحاول إخفاء ارتجاف صوتها.
اقترب منها وهمس:
"لن تعودي إلى أي مكان. لقد انتهى ذلك الجزء من حياتك... ابقي هنا، وسأتكفل بكل شيء."
فتحت له الباب مرة واحدة... ولم تدرك أنها كانت تفتح الباب لشيطان متملك .
هذا ما فكرت به أوريليا وهي تجلس أمام نافذة مرتفعة، مقيدة، ولا ترى أي طريق للهرب.
في عالم كورفونا الخفي، قاعدة لا تُكتب ولا تُقال، ولكن لا يجرؤ أحد على الجهل بها.
إذا أبقى الدون امرأة جديدة إلى جواره ثلاثة أشهر متصلة، كان على الدونا أن تنزع بيدها خاتم الختم، رمز سلطانها ومقامها، وأن تضعه في إصبع تلك المرأة أمام أعين العائلة كلها.
فلما أعلن زوجي لوكا، دون عائلة بيلّيني، أنه سيصطحب ميا وحدها في رحلة عمل تمتد ثلاثة أشهر، لبث عالم كورفونا السفلي ينتظر مني عاصفة لا تبقي ولا تذر.
كنت قد قضيت مع لوكا بيلّيني سبع سنوات.
تبعته في كل طريق، وأبيت أن أفارق ظله. وكنت أستيقظ أحيانًا في جوف الليل، فأمد يدي لأتحسس وجوده، كأن وجوده وحده هو البرهان على أنني آمنة.
كانوا جميعًا يعرفون ذلك التعلق الذي صار حديثهم، وكانوا يراهنون أنني لن أتركه، ولن أقدر على الفكاك منه.
ولكن ميا حين مدت يدها إليّ، وصوتها يفيض بعذوبة مصطنعة، لم أذرف من عيني دمعة واحدة.
نزعت في هدوء خاتم الختم المنقوش عليه شعار العائلة، ثم أدخلته في بنصرها.
وكان لوكا متكئًا على مقعده الجلدي عند صدر المائدة، يدير الويسكي في كأسه، وفي عينيه الزرقاوين الباردتين لمعان الشعور بالرضا. قال: "عرفتِ مقامك أخيرًا يا إيلارا".
نظرت إلى إصبعي العاري، ولم أجبه بكلمة.
ما لم يكن لوكا يعلمه أنني استعدت ذاكرة السنوات السبع التي نسيتها قبل شهر واحد.
لم أكن يتيمة تسكن الشوارع كما ظن، بل كنت الأميرة المفقودة من عائلة روسّي، أقوى عائلات العالم القديم.
وبعد ثلاثة أيام، سيدخل موكب أخي المسلح إلى كورفونا، ليعيدني إلى بيتي.
لا شيء يجعل الأحداث التاريخية تبدو أعقد من قراءة خط الزمن دون تفاصيل؛ لما قرأت قصّة حصار الدرعية أدركت أن كثيرين يخلطون بين مدة الحملة ككل ومدة الحصار الفعلي على العاصمة. لم يكن إبراهيم باشا يحاصر الدرعية بلا انقطاع لأكثر من عامين؛ ما حدث هو حملة عسكرية امتدت سنوات (بين 1811 و1818) تضمنت مواجهات واستعراضًا للقوة وحصارات متكررة وتطهيرًا للقبائل المحيطة قبل الوصول إلى قلب الدولة السعودية الأولى.
أشرح هذا لأن هناك أسباباً عملية لاستمرار العمليات طويلاً: تضاريس نجد القاسية وامتدادها، الحاجة إلى تأمين خطوط إمداد طويلة عبر الصحراء، ومقاومة من قبائل محلية استخدمت تكتيكات حرب العصابات. إبراهيم لم يرد فقط اقتحام الدرعية بسرعة، بل أراد تحييد الحصون والواحات المحيطة حتى تنقطع عنها المؤن والنجدة، وهذا يتطلب وقتًا وصبرًا وتنسيقًا لوجيستيًا كبيرًا.
كانت هناك أيضًا أسباب سياسية: محمد علي وإبراهيم كان عليهما أن يضمنا أن سقوط الدرعية سيقضي فعلاً على مصدر النفوذ الديني والسياسي للوهابية، لذلك لم يكن كافياً السيطرة على العاصمة وحدها، بل كان لزامًا القضاء على أي جيوب مقاومة وإرسال رسالة رادعة لباقي القبائل والمناطق.
أمضي وقتًا أعود فيه إلى دفاتر الأرشيف كلما طرحت هذه الفكرة، وأعتقد أن الأدلة لا تدعم فرضية حصارٍ دام أكثر من ثلاث سنوات. من سجلات الأرشيف العثماني في إسطنبول (التي تحتوي على الفرمانات والتقارير المرسلة إلى الباشاية) تظهر رسائل وأوامر متفرقة تتعلق بحملة إبراهيم باشا على شبه الجزيرة العربية بين 1811 و1818، لكن الإشارات المركزة إلى حصار الدرعية تأتي في تراكيب زمنية تقصر على أشهر محددة في عام 1818.
على صعيد آخر، محفوظات الدواوين المصرية والرسائل العملية لقادة الحملة تتضمن تقارير لوجستية، قوائم تموين وبيانات أعوان الجيش، وهذه الوثائق تُظهر حركة جيشٍ نشطة خلال سنوات الحملة وليس تثبيتًا لحصار واحد طويل ممتد لأكثر من ثلاث سنوات على نفس الحصن. تقارير القناصل البريطانيين في المشرق والمستندات في الأرشيف الوطني البريطاني تتفق مع هذا السياق: الحملة المركزية التي أنهت وجود الدولة السعودية الأولى تَركَّزت في ربيع وصيف 1818، ثم تلتها إجراءات تفتيش واعتقالات وإرسال أسرى.
باختصار، عندما أراجع الأرشيفات الأساسية (العثماني، المصري، والبريطاني)، أحصل على سلسلة زمنية للحملة تمتد سنوات كحركة عسكرية متواصلة، لكن لا دليل أرشيفي موثوق على حصار منفرد للدرعية استمر لأكثر من ثلاث سنوات.
في حديثي عن أكثر الحروب التي لفتت انتباهي، دائمًا أعود لسؤال مدة حصار الدرعية لأن الناس يخلطون بين طول الحملة وطول الحصار نفسه.
أنا أقرأ وأقارن روايات المؤرخين العرب والغربيين، والنتيجة المُجْمَعة واضحة: الحملة العثمانية-المصرية ضد الدولة السعودية الأولى امتدت عبر سنوات من المواجهات المتقطعة (بداية التصادمات والعمليات العسكرية منذ حوالي عام 1811)، لكن الحصار الفعلي لمدينة الدرعية بقي محصورًا في عام 1818 ولم يستمر خمس سنوات متصلة. عمليًا، وصل إبراهيم باشا إلى قلب نجد وبدأ محاصرة الدرعية خلال ربيع وصيف 1818، وبعد أشهر من القصف والتفاوض استسلمت المدينة في أواخر ذلك العام.
أرى أن اللبس يأتي من روايات محلية تضع كل سنوات النضال والمقاومة في خانة «حصار طويل»، بينما المؤرخون العسكريون والوثائق العثمانية تُظهر أن العمليات الكبرى على المركز انتهت خلال أشهرٍ محددة في 1818، رغم أن تبعات السقوط والعمليات الأمنية عقبها استغرقت وقتًا أطول.
قراءة المصادر جعلتني أرى أن فكرة الحصار الممتد لأكثر من 18 شهراً على الدرعية لا تقف على سند وثائقي قوي. عندما اطلعت على مراسلات الجيش المصري والدوائر العثمانية والكتابات المحلية، يظهر نمط مختلف: الحملة التي قادها إبراهيم باشا كانت جزءًا من عملية طويلة بدأت منذ سنوات، لكن الحصار المباشر على الدرعية نفسه أخذ أسابيع إلى عدة أشهر، وانتهى بسقوط المدينة في سبتمبر 1818. الوثائق الرسمية تتضمن تقارير عن تحركات القوات وتواريخ محددة للاستيلاء على معاقل مختلفة، ولا تعطي وصفاً لحصار متواصل يتعدى عام ونصف.
الخلط يحدث لأن المؤرخين أحيانًا يجمعون فترات الحملة كلها (من أولى الحملات ضد الدولة السعودية الأولى منذ حوالي 1811) ويعرضونها كفترة حصار واحدة. كذلك، السجلات المحلية مثل ما دوّنه بعض المؤرخين النجديين والأوروبيين المعاصرين تميل إلى تسليط الضوء على الأحداث الكبرى دون تفصيل دقيق للفواصل الزمنية بين العمليات، فتبدي الوضع أطول مما كان عليه فعلاً. خلاصة ما أراه: لا يوجد دليل موثوق يؤكد حصار مستمر للدرعية يتعدى 18 شهراً.
تخيّلتُ نفسي واقفًا على سورٍ من طينٍ متشقّق، أراقب الدخان يتصاعد فوق أسقف الدرعية، وأفكّر كيف كان سيكون تأثير حصار يزيد على شهرين.
في الخيال العسكري الذي أتبنّاه هنا، يكون الضغط اللوجستي أول المتغيّرات: مع مرور الأسابيع تتراكم مشاكل الإمداد لدى جيش إبراهيم باشا — طعام، ماء، ذخيرة — خاصة إذا تعرّض قوافل الإمداد لمضايقات البدو أو لعواصف رملية. هذا يؤدي إلى بطء العمليات، زيادة النفور بين الصفوف، وارتفاع حالات المرض. أما الجانب النفسي، فلا يستهان به؛ الجنود يصبحون أكثر حذراً وربما يميلون للتفاوض بدلاً من الهجوم المباشر، ما يفتح مجالاً للتميّز في القيادة وللاستنزاف النفسي.
من ناحية المدافعين، حصار طويل يمنحهم فرصة لتنظيم دفاعات أعمق، حفر مخابئ، وتخطيط لمداهمات ليلية تؤذي خطوط العدو. لكن الذكر هنا لا يُغيّب الحقيقة الموجعة: نفاد الطعام وانتشار الأمراض قد يحسم المعركة لصالح المهاجم إن استمر الحصار دون تدخل خارجي. في النهاية، تمديد الحصار لأكثر من شهرين يصبح سلاحاً ذا حدين؛ قد يهدر طاقات إبراهيم ويُعطِر فرص المقاومة المحلية، لكنه قد يذلّ صمود المدينة عبر الجوع والوباء. أنا أتصوّر النهاية متعبة وشحيحة من كلا الطرفين، مع أثر طويل في المنطقة.