LOGINمرّ أسبوع كامل على اللقاء الأول. سارة كانت تعتقد أن الأمر انتهى عند حدود العمل. راشد أرسل النسخة المعدلة من العرض في اليوم التالي كما وعد، وشكرته برد مهني قصير، ثم انشغلت بمشاريع أخرى. لكن في اليوم الرابع، وصلها بريد جديد منه في الساعة التاسعة مساءً:
«سارة، بعد إذنكِ، عندي سؤال بسيط خارج إطار المشروع. هل تفضلين القهوة أكثر من الشاي؟ لاحظتُ في الاجتماع أنكِ كنتِ تشربين القهوة، وأنا عادةً أفضل الشاي. مجرد فضول. راشد» سارة كانت جالسة بجانب سرير أمها في ذلك الوقت. الأم نائمة، وجهاز الأكسجين يصدر صوتاً منتظماً هادئاً. قرأت الرسالة مرتين، ثم ابتسمت رغم التعب. ردت بعد دقائق: «نعم، القهوة أولاً دائماً. الشاي يأتي في المرتبة الثانية بفارق كبير. وأنتَ لماذا تفضل الشاي؟» جاء الرد بعد اثنتي عشرة دقيقة: «لأن والدي كان يشربه كل مساء، وصرتُ أرتبط بالطعم بالهدوء. لكن يمكنني أن أتعلم حب القهوة إذا كانت تستحق.» سارة نظرت إلى الشاشة طويلاً. لم تكن معتادة على هذا النوع من الرسائل من العملاء. عادةً تكون الرسائل جافة، مباشرة، تنتهي عند حدود العمل. أما هذه فكانت مختلفة. أجابت: «التعلم يحتاج وقتاً وصبراً. القهوة ليست سهلة الإرضاء.» رد راشد: «أنا معتاد على الأشياء التي تحتاج صبراً.» منذ تلك الليلة، بدأت الرسائل تتوالى. في البداية كانت قصيرة، ثم صارت أطول. كانا يتحدثان عن العمل أولاً: تعديلات على العرض، ملاحظات جديدة، أسئلة تقنية. ثم شيئاً فشيئاً انزلقت المحادثات إلى مناطق أخرى. راشد روى لها كيف كان يعمل في محل والده الصغير لبيع الأجهزة الإلكترونية وهو في السابعة عشرة بعد وفاة والده المفاجئة. سارة روت له كيف كانت تدرس في الجامعة ليلاً وتعمل في النهار بعد أن مرض والدها وتوفي بعد عامين من الصراع مع المرض. في إحدى الليالي، كتب راشد في الساعة الواحدة والنصف صباحاً: «هل أنتِ مستيقظة؟» ردت سارة وهي تضع الكمادة الباردة على جبين أمها: «نعم. لماذا أنت مستيقظ في هذا الوقت؟» أجاب: «كنت أراجع تقارير، ثم وجدت نفسي أفكر في شيء. هل تؤمنين بالصدفة يا سارة؟» فكرت قليلاً قبل أن ترد: «أؤمن أن بعض الأشياء تبدو صدفة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة كانت تنتظر اللحظة المناسبة. وأنتَ؟» كتب راشد بعد دقيقة من الصمت: «أنا أيضاً. كنت أعتقد أن كل شيء في حياتي نتيجة تخطيط وجهد فقط. لكن منذ أسبوع بدأت أشك في هذا الاعتقاد.» سارة شعرت بحرارة خفيفة في صدرها. لم ترد فوراً. وضعت الهاتف جانباً، وراقبت تنفس أمها لدقائق، ثم عادت وكتبت: «الشك أحياناً يكون بداية شيء أجمل.» في اليوم التالي، أرسل راشد رسالة في الظهيرة: «هل يمكنني أن أدعوكِ لتناول القهوة؟ خارج إطار العمل تماماً. يوم الجمعة القادم مثلاً؟» سارة قرأت الرسالة وهي في مكتبها. شعرت بقلبها يتسارع بطريقة لم تختبرها منذ سنوات. نظرت حولها لتتأكد أن لا أحد يراقبها، ثم أغلقت عينيها لحظة. كانت تعرف أن الإجابة بنعم ستفتح باباً قد لا تستطيع إغلاقه لاحقاً. لكنها كتبت رغم ذلك: «نعم. الجمعة مناسبة.» رد راشد خلال دقائق: «ممتاز. سأرسل لكِ المكان والوقت غداً. شكراً لأنكِ وافقتِ.» في تلك الليلة، جلست سارة أمام المرآة في غرفتها الصغيرة. نظرت إلى وجهها طويلاً. كانت ترى التعب تحت عينيها، والخطوط الرفيعة التي بدأت تظهر من قلة النوم. تساءلت: ماذا يرى راشد فيها؟ هل يرى المرأة المنظمة الناجحة فقط، أم يرى شيئاً آخر خلف هذه الطبقة؟ فتحت الدرج وأخرجت علبة صغيرة فيها سلسلة ذهبية قديمة كانت هدية من والدها في آخر عيد ميلاد له. وضعتها حول عنقها، ثم لمستها بأصابعها. همست لنفسها: «لا تتسرعي يا سارة… لا تتسرعي.» لكن قلبها كان قد بدأ يسبق عقلها بالفعل. في صباح الجمعة، استيقظت سارة أبكر من المعتاد. اختارت فستاناً بلون الزيتون الهادئ، وتركت شعرها منسدلاً على كتفيها بدلاً من الكعكة المعتادة. وقفت أمام المرآة أكثر من مرة، تعدل طية هنا وطرّة هناك. قبل أن تخرج، دخلت غرفة أمها وقبّلت جبينها. الأم فتحت عينيها بصعوبة وابتسمت ابتسامة ضعيفة: — رائحتكِ مختلفة اليوم… هل لديكِ موعد؟ سارة شعرت بحمرة خفيفة في خديها: — موعد عمل فقط يا أمي. الأم أمسكت يدها بضعف وقالت: — اذهبي يا بنتي… وابتسمي أكثر. وجهكِ جميل حين تبتسمين. سارة خرجت من المنزل وقلبها يخفق بقوة. في السيارة، وضعت يديها على المقود وتنفست بعمق. كانت تعرف أن هذا اللقاء ليس كأي لقاء سابق. كانت تعرف أن راشد العتيبي لم يعد مجرد عميل. وكان راشد في الجهة الأخرى من المدينة يقف أمام خزانته، يختار قميصاً أزرق فاتحاً بدلاً من البدلة الرسمية، ويتساءل هو الآخر إن كان قد تسرّع، أم أن شيئاً بداخله كان ينتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل. لم يكن أي منهما يعرف بعد أن هذه القهوة ستكون البداية الحقيقية لكل شيء.**٩٩**الصبح كان أثقل صباح عدى على راشد من أسابيع. نام ساعة واحدة بالكتير، وكل شوية كان بيصحى على صوت سارة وهي بتقول «باقي يومين» و«الأيام محسوبة». قام من السرير بحذر عشان مايصحّيش سارة، بس لين كانت صاحية وجالسة في سريرها بتتمرجح.— بابا… بابا انت صاحي؟ تعال العب معايا!راشد دخل أوضتها وقعد على طرف السرير.— صباح الخير يا أميرة. إنتي ليه مش نايمة؟— عشان عايزة بابا، ردت لين وهي بتمد إيديها. بابا وشك تعبان أوي. نام جنبي شوية.راشد ضمها لصدره وباس شعرها.— بابا هينام معاكِ بالليل. دلوقتي لازم ننزل نفطر ونروح الشغل.نزلوا المطبخ. الست الكبيرة شافته من بعيد وقالت وهي بتسخن اللبن:— صباح الخير يا ولدي. ربنا يستر. وشك بيقول إن الليل كان طويل أوي.— طويل يا أمي، رد راشد وهو بيحط لين على الكرسي. بس هيعدي.سارة نزلت بعد دقايق. مكانتش بتبتسم. بصت له نظرة ثابتة وقالت:— صباح الخير. نهاردة اليوم اللي قبل الأخير.راشد حسّ إن الجملة ضربته في بطنه. رد وهو بيبص في عينيها:— أنا عارف. ومش ناسي.خلال الفطار محدش اتكلم كتير. لين كانت بتحاول تضحك وتطعم أبوها، بس الجو كان تقيل لدرجة إن ضحكتها كانت بتطلع و
**٩٨**الصبح كان تقيل أوي على راشد. نام ساعة ونص بالكتير، وصورة سارة وهي بتقول «الأيام محسوبة» مش راحة من دماغه. قام بهدوء، بس لين حسّت بيه وفتحت عينيها على طول.— بابا… بابا قوم… عايزة ألعب معاك!راشد قعد على طرف السرير ومسح وشه بإيده.— صباح الخير يا قمر. إنتي صاحية ليه بدري كده كل يوم؟— عشان بابا، ردت لين وهي ممدودة إيديها. بابا اضحك… وشك زعلان.راشد حاول يضحك ضحكة خفيفة ورفعها من السرير.— خلاص ضحكت. يلا ننزل نفطر قبل ما ماما تزعل مننا.نزلوا المطبخ. الست الكبيرة كانت قاعدة ومستنية القهوة كالعادة. أول ما شافت راشد قالت:— صباح الخير يا ابني. وشك أصفر أكتر من امبارح. إنت بتنام خالص ولا بتسهر على الشغل؟— الشغل يا أمي، رد راشد وهو بيحط لين على الكرسي. الدنيا ضغط.سارة نزلت بعد دقايق وهي لسة نعسانة. بصت له نظرة طويلة قبل ما تقول:— صباح الخير. نمت كام ساعة النهاردة؟— ساعتين تقريبًا، رد راشد وهو بيبوسها على خدها بوسة سريعة. الراس مش راضية تهدى.خلال الفطار الجو كان ساكت ومثقّل. لين بتحاول تطعم أبوها وتضحك، بس الكبار مش قادرين يركزوا معاها. سارة كانت بتاكل ببطء وبتبص في صحنها أكتر ما
**٩٧**الصبح راشد صحى ومش حاسس إنه نام خالص. سارة كانت لسة في السرير، بس عينيها كانت مفتوحة بتحدّق في السقف. لما حسّت إنه قام، قالت من غير ما تبص له:— صباح الخير. النهاردة من الأيام المحسوبة.راشد وقف مكانه ثانية قبل ما يرد:— صباح الخير. أنا عارف.نزل المطبخ ولين كانت صاحية بتلعب باللعبة بتاعتها على الأرض. أول ما شافته جريت عليه.— بابا… بابا احملني!راشد شالها وباسها، بس البوسة كانت تقيلة عليه المرة دي. الست الكبيرة بصت له وقالت:— يا ابني إنت والست بقيتوا شبه بعض في التعب. ربنا يعدّي الأيام دي على خير.— آمين يا أمي، رد راشد.سارة نزلت بعد شوية. قعدت على الترابيزة من غير ما تقول كتير. خلال الفطار الجو كان ساكت أوي. لين بتحاول تكلم، بس الكبار مش مركزين. لما راشد قام يتجهز، سارة قالت له عند الباب:— راشد… الأيام مش كتير. أنا مش بهدّد، بس بوضح. لو مفيش كلام واضح قريب، أنا هبدأ أتصرف بطريقتي.— هتكلمكِ، رد راشد وهو بيبوسها بوسة سريعة على خدها. اديني بس الفرصة.خرج وهو حاسس إن كل خطوة بتاخده بعيد عن البيت بتقرّبه من الحافة. في العربية بعت للينا:«صباح الخير. سارة فكرتني إن الأيام محسوب
**٩٦**الصبح كان تقيل أوي على راشد أكتر من أي يوم فات. نام ساعتين بالكتير، وصورة سارة وهي بتقول «حاسة إن في ست تانية» مش راحلة من قدام عينيه. قام بهدوء، بس لين حسّت بيه وفتحت عينيها على طول.— بابا… بابا انت زعلان؟راشد اتفجّأ من السؤال وقعد على طرف السرير بتاعها.— لأ يا قمر، مش زعلان. ليه بتسألي كده؟— عشان وشك وحش شوية، ردت لين وهي بتمد إيدها تلمس خده. بابا اضحك.راشد ضحك ضحكة مجبورة وباس إيدها.— خلاص ضحكت. قوم ننزل نفطر.في المطبخ سارة كانت جاهزة، والست الكبيرة قاعدة. سارة بصت له أول ما دخّل وقالت:— صباح الخير. نمت كام ساعة؟— تلاتة بالكتير، رد راشد وهو بيحط لين على الكرسي. الراس مش راضية تنام.— عشان اللي قلته امبارح؟ سألته سارة بهدوء قدام أمها.الست الكبيرة رفعت عينيها بس ما تدخلتش. راشد رد وهو بيبص في الأرض:— لأ. الشغل بس. خلاص نبطل نخوض في الموضوع ده قدام لين.سارة سكتت، بس عينيها كانت بتقول إن الكلام مش مخلص. خلال الفطار الجو كان متوتر. لين بتحاول تطعم أبوها، وسارة بتاكل من غير ما تتكلم كتير. لما راشد قام يتجهز، سارة تبعته للباب تاني.— راشد، قالت بصوت واطي أوي. أنا مش هفض
**٩٥**الصبح راشد صحى ومش قادر يفتح عينه كويس. جسمه لسة تقيل من امبارح، ودماغه لسة ريحة لينا فيها. سارة كانت لسة نايمة، بس لين كانت صاحية وبتنط في السرير.— بابا… بابا قوم… عايزة ألعب!راشد قام بحذر ومشي لأوضتها.— صباح الخير يا مشاغبة، قال وهو شايلها. إنتي صاحية ليه بدري كده؟— عشان ألعب مع بابا، ردت لين وهي بتضحك.نزل بيها المطبخ. الست الكبيرة شافته وقالت:— صباح الخير. وشك لسة تعبان يا ولدي. إنت نايم خالص الأيام دي؟— نايم يا أمي، بس الشغل ماسبش حاجة، رد راشد وهو بيحط لين على الكرسي.سارة نزلت وراها وهي بتتمطط.— صباح الخير. لين صحيتك بدري؟— أيوه، رد راشد وهو بيبوسها على خدها بوسة سريعة. هفطر وأمشي بدري شوية النهارده.خلال الفطار سارة كانت بتبص له أكتر من مرة. في الآخر قالت بصوت هادي:— راشد… أنا مش هطول عليك. بس إنت من أسبوعين بقيت غريب. بوستك سريعة، كلامك قليل، وبتتأخر أكتر. لو في حاجة… حتى لو حاجة وحشة… قول لي.راشد بص في صحنُه بعدين رفع راسه وقال:— سارة أنا تحت ضغط شغل مش طبيعي. المشروع معقد والناس جديدة. مش عايز أحملّكِ هم زيادة وإنتِ شايلة لين لوحدكِ معظم الوقت.— أنا مش شا
**٩٤**الصبح راشد صحى ودماغه تقيلة أوي، وجسمه لسة حاسس بريحة لينا من امبارح. سارة كانت نايمة على جنبها، وإيدها ممدودة مكانه اللي كان نايم فيه. قام بهدوء ونزل المطبخ، بس المرة دي حسّ إن حتى القهوة مش هتعدل مزاجه.فتح الموبايل لقى رسالة من لينا من ساعة:«صباح الخير. نمت؟ أنا صاحية من بدري ومش قادرة أبطل تفكير فيك. النهارده تقدر تيجي؟»راشد رد وهو واقف قدام البوتاجاز:«صباح الخير. لسة مفكر فيك برضه. هشوف أخلص بدري وأقولك.»سارة نزلت وراها وهي لسة نعسانة، ولين ماسكة في رجلها.— صباح الخير، قالت سارة وهي بتبص له. إنت صاحي من ساعة ولا إيه؟— صاحي بدري شوية، رد راشد وهو بيحط القهوة. الشغل مش سايبني أنام.— طيب روح بدري وارجع بدري لو تقدر، قالت سارة. لين بتسأل عنك كتير الأيام دي.راشد شال لين وباسها بوسة طويلة، بعدين بص لسارة وقال:— هحاول. بوسيني قبل ما أمشي.سارة باسته على شفايفه بوسة سريعة، بس راشد حسّ إن البوسة دي مختلفة عن بوس لينا. خرج وهو حاسس بالذنب بيعلق في صدره.في العربية بعت للينا:«هخلص الشغل بدري إن شاء الله. ابعتي الوقت.»لينا ردت:«الشقة جاهزة من دلوقتي. استحملني شوية بس.»لما







