Home / الرومانسية / «ظلّك في قلبي» / الفصل الثاني الرسائل التي فتحت الباب

Share

الفصل الثاني الرسائل التي فتحت الباب

last update publish date: 2026-07-31 20:24:00

مرّ أسبوع كامل على اللقاء الأول. سارة كانت تعتقد أن الأمر انتهى عند حدود العمل. راشد أرسل النسخة المعدلة من العرض في اليوم التالي كما وعد، وشكرته برد مهني قصير، ثم انشغلت بمشاريع أخرى. لكن في اليوم الرابع، وصلها بريد جديد منه في الساعة التاسعة مساءً:

«سارة،

بعد إذنكِ، عندي سؤال بسيط خارج إطار المشروع. هل تفضلين القهوة أكثر من الشاي؟ لاحظتُ في الاجتماع أنكِ كنتِ تشربين القهوة، وأنا عادةً أفضل الشاي. مجرد فضول.

راشد»

سارة كانت جالسة بجانب سرير أمها في ذلك الوقت. الأم نائمة، وجهاز الأكسجين يصدر صوتاً منتظماً هادئاً. قرأت الرسالة مرتين، ثم ابتسمت رغم التعب. ردت بعد دقائق:

«نعم، القهوة أولاً دائماً. الشاي يأتي في المرتبة الثانية بفارق كبير. وأنتَ لماذا تفضل الشاي؟»

جاء الرد بعد اثنتي عشرة دقيقة:

«لأن والدي كان يشربه كل مساء، وصرتُ أرتبط بالطعم بالهدوء. لكن يمكنني أن أتعلم حب القهوة إذا كانت تستحق.»

سارة نظرت إلى الشاشة طويلاً. لم تكن معتادة على هذا النوع من الرسائل من العملاء. عادةً تكون الرسائل جافة، مباشرة، تنتهي عند حدود العمل. أما هذه فكانت مختلفة. أجابت:

«التعلم يحتاج وقتاً وصبراً. القهوة ليست سهلة الإرضاء.»

رد راشد:

«أنا معتاد على الأشياء التي تحتاج صبراً.»

منذ تلك الليلة، بدأت الرسائل تتوالى. في البداية كانت قصيرة، ثم صارت أطول. كانا يتحدثان عن العمل أولاً: تعديلات على العرض، ملاحظات جديدة، أسئلة تقنية. ثم شيئاً فشيئاً انزلقت المحادثات إلى مناطق أخرى. راشد روى لها كيف كان يعمل في محل والده الصغير لبيع الأجهزة الإلكترونية وهو في السابعة عشرة بعد وفاة والده المفاجئة. سارة روت له كيف كانت تدرس في الجامعة ليلاً وتعمل في النهار بعد أن مرض والدها وتوفي بعد عامين من الصراع مع المرض.

في إحدى الليالي، كتب راشد في الساعة الواحدة والنصف صباحاً:

«هل أنتِ مستيقظة؟»

ردت سارة وهي تضع الكمادة الباردة على جبين أمها:

«نعم. لماذا أنت مستيقظ في هذا الوقت؟»

أجاب:

«كنت أراجع تقارير، ثم وجدت نفسي أفكر في شيء. هل تؤمنين بالصدفة يا سارة؟»

فكرت قليلاً قبل أن ترد:

«أؤمن أن بعض الأشياء تبدو صدفة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة كانت تنتظر اللحظة المناسبة. وأنتَ؟»

كتب راشد بعد دقيقة من الصمت:

«أنا أيضاً. كنت أعتقد أن كل شيء في حياتي نتيجة تخطيط وجهد فقط. لكن منذ أسبوع بدأت أشك في هذا الاعتقاد.»

سارة شعرت بحرارة خفيفة في صدرها. لم ترد فوراً. وضعت الهاتف جانباً، وراقبت تنفس أمها لدقائق، ثم عادت وكتبت:

«الشك أحياناً يكون بداية شيء أجمل.»

في اليوم التالي، أرسل راشد رسالة في الظهيرة:

«هل يمكنني أن أدعوكِ لتناول القهوة؟ خارج إطار العمل تماماً. يوم الجمعة القادم مثلاً؟»

سارة قرأت الرسالة وهي في مكتبها. شعرت بقلبها يتسارع بطريقة لم تختبرها منذ سنوات. نظرت حولها لتتأكد أن لا أحد يراقبها، ثم أغلقت عينيها لحظة. كانت تعرف أن الإجابة بنعم ستفتح باباً قد لا تستطيع إغلاقه لاحقاً. لكنها كتبت رغم ذلك:

«نعم. الجمعة مناسبة.»

رد راشد خلال دقائق:

«ممتاز. سأرسل لكِ المكان والوقت غداً. شكراً لأنكِ وافقتِ.»

في تلك الليلة، جلست سارة أمام المرآة في غرفتها الصغيرة. نظرت إلى وجهها طويلاً. كانت ترى التعب تحت عينيها، والخطوط الرفيعة التي بدأت تظهر من قلة النوم. تساءلت: ماذا يرى راشد فيها؟ هل يرى المرأة المنظمة الناجحة فقط، أم يرى شيئاً آخر خلف هذه الطبقة؟

فتحت الدرج وأخرجت علبة صغيرة فيها سلسلة ذهبية قديمة كانت هدية من والدها في آخر عيد ميلاد له. وضعتها حول عنقها، ثم لمستها بأصابعها. همست لنفسها:

«لا تتسرعي يا سارة… لا تتسرعي.»

لكن قلبها كان قد بدأ يسبق عقلها بالفعل.

في صباح الجمعة، استيقظت سارة أبكر من المعتاد. اختارت فستاناً بلون الزيتون الهادئ، وتركت شعرها منسدلاً على كتفيها بدلاً من الكعكة المعتادة. وقفت أمام المرآة أكثر من مرة، تعدل طية هنا وطرّة هناك. قبل أن تخرج، دخلت غرفة أمها وقبّلت جبينها.

الأم فتحت عينيها بصعوبة وابتسمت ابتسامة ضعيفة:

— رائحتكِ مختلفة اليوم… هل لديكِ موعد؟

سارة شعرت بحمرة خفيفة في خديها:

— موعد عمل فقط يا أمي.

الأم أمسكت يدها بضعف وقالت:

— اذهبي يا بنتي… وابتسمي أكثر. وجهكِ جميل حين تبتسمين.

سارة خرجت من المنزل وقلبها يخفق بقوة. في السيارة، وضعت يديها على المقود وتنفست بعمق. كانت تعرف أن هذا اللقاء ليس كأي لقاء سابق. كانت تعرف أن راشد العتيبي لم يعد مجرد عميل.

وكان راشد في الجهة الأخرى من المدينة يقف أمام خزانته، يختار قميصاً أزرق فاتحاً بدلاً من البدلة الرسمية، ويتساءل هو الآخر إن كان قد تسرّع، أم أن شيئاً بداخله كان ينتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل.

لم يكن أي منهما يعرف بعد أن هذه القهوة ستكون البداية الحقيقية لكل شيء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • «ظلّك في قلبي»   57

    **٥٧**مع اقتراب لين من إتمام شهرها العاشر، صار البيت كله في حالة تأهب هادئة ومستمرة. كل يوم كان يحمل احتمالاً جديداً لخطوة مستقلة، وكل مساء كان يتحول إلى جلسة تدريب صبورة على سجادة الصالة الواسعة. لين صارت تقف بمفردها لفترات أطول، وتنتقل من قطعة أثاث إلى أخرى وهي ممسكة، وتحاول أن تفلت يديها للحظة قبل أن تترنح وتجلس. السقطات كانت كثيرة، والضحكات بعدها أكثر، والدموع نادرة وسريعة الزوال.في صباح يوم الخميس، استيقظ راشد على صوت مختلف هذه المرة. لم يكن بكاءً ولا ثرثرة عادية، بل صوت حركة ونَفَس سريع. دخل غرفة ابنته فوجدها واقفة في سريرها ممسكة بالسياج، تهز جسمها صعوداً وهبوطاً كأنها تريد أن تقفز منه. عندما رأته فتحت فمها وضحك ت ضحكة عالية مدّت بعدها يديها الاثنتين. حملها راشد وطاف بها في الغرفة وهو يقبل خدها قائلاً:— صباح الخير يا أميرة الخطوات. اليوم حسّيت إن في شيء مختلف في عيونكِ.نزل بها إلى المطبخ حيث كانت سارة تجهز الفطور مع أم فهد. الأم الكبرى كانت جالسة في مكانها المفضل قرب النافذة تنتظر حفيدتها ككل صباح. عندما وضعت سارة لين في كرسيها الخاص، مدت الطفلة يدها نحو جدتها وأصدرت صوتاً

  • «ظلّك في قلبي»   56

    **٥٦**مع بلوغ لين شهرها التاسع، دخل البيت مرحلة جديدة من الترقب اليومي. صارت تقف بمفردها لثوانٍ أطول، وتتمسك بكل حافة ممكنة، وتحاول أن تنقل قدمها إلى الأمام وهي ممسكة بالأثاث. كل مساء كان يتحول إلى جلسة تدريب صغيرة على أرضية الصالة، وكل نجاح بسيط كان يقابل بتصفيق هادئ وفرح كبير من الجميع.في أحد أيام الجمعة، استيقظت لين نشيطة أكثر من المعتاد. حملها راشد من سريرها فوجدها تشد شعرها وتضحك كأنها مستعدة ليوم طويل. نزل بها إلى المطبخ حيث كانت سارة وأم فهد تجهزان الفطور. مدت لين يديها نحو أمها فوراً، وعندما أخذتها سارة وضعتها في كرسيها الخاص وبدأت تطعمها، راحت الطفلة تمسك الملعقة بيدها وتحاول أن تشارك في إطعام نفسها رغم الفوضى التي تحدثها.بعد الإفطار جلس الجميع في الصالة. راشد فرش السجادة ووضع وسائد كثيرة حولها، ثم جلس على ركبتيه أمام ابنته ومد يديه لها. لين أمسكت بإصبعيه وحاولت أن تنهض. وقفت مرتجفة لثوانٍ ثم نقلت قدمها اليمنى خطوة صغيرة جداً قبل أن تسقط على مؤخرتها وتضحك. صفق راشد وسارة بهدوء، والأم رفعت يديها تكبر من الفرحة.— يلا يا لين… مرة ثانية، قال راشد وهو يعيد مد يديه.أعادت المحا

  • «ظلّك في قلبي»   55

    **٥٥**مع بلوغ لين شهرها الثامن، تحول البيت إلى مساحة مليئة بالحركة المستمرة. صارت تزحف بسرعة لافتة، وتتمسك بكل شيء لتساعد نفسها على الوقوف، وتسقط كثيراً ثم تعود إلى المحاولة دون أن تيأس. الضحكات صارت أعلى وأطول، والثرثرة تحولت إلى مقاطع صوتية متنوعة كأنها تجرب كل الاحتمالات قبل أن تنطق الكلمة الأولى.في أحد أيام الأحد الهادئة، استيقظ راشد مبكراً ووجد لين قد استيقظت قبله وهي تضرب جوانب السرير بيديها وتصدر أصواتاً عالية. حملها وذهب بها إلى المطبخ حتى لا يوقظ سارة التي كانت قد سهرت معها في الليلة السابقة. جلسها في كرسيها الخاص ووضع أمامها بعض قطع الفواكه اللينة وراح يطعمها ببطء وهو يتحدث إليها:— اليوم يومكِ أنتِ وبابا. أمك ترتاح شوي، وجدتك بعد، ونحن الاثنين نتصرف.لين كانت تمسك قطعة الموز بيدها الصغيرة وتحاول أن تدخلها كلها في فمها دفعة واحدة، فيضحك راشد ويمسح حول فمها ويحاول أن يعلمها الأكل بهدوء. بعد نصف ساعة جاءت سارة وقد ارتاحت قليلاً. عندما رأت المشهد وقفت عند الباب تبتسم دون أن تتكلم. راشد التفت إليها وقال بصوت خافت:— صبحتي. هذي كانت تحاول تاكل الموز مع القشر لو تركناها.ضحكت سا

  • «ظلّك في قلبي»   54

    **٥٤**مع بلوغ لين شهرها السابع، بدأت مرحلة جديدة مليئة بالحركة والصوت. صارت تزحف بسرعة أكبر وثقة أوضح، وصارت تتنقل من غرفة إلى غرفة داخل البيت حتى صار راشد وسارة يضعان حواجز صغيرة على الدرج ويغلقان بعض الأبواب احتياطاً. الضحكات صارت أعلى، والثرثرة أطول، ومحاولات الوقوف وهي ممسكة بالأثاث صارت جزءاً من كل مساء.في أحد أيام السبت المشمسة، استيقظت العائلة على صوت لين وهي تضرب السرير بيديها وتثرثر بصوت عالٍ كأنها تنادي الجميع. دخل راشد إليها أولاً فوجدها جالسة وقد شدت شعرها بنفسها حتى وقف في كل الاتجاهات. ضحك وحملها وهو يقول:— صباح الخير يا فوضى الصباح. تعالي ننظف الشعر قبل لا تشوفكِ أمك.في المطبخ كانت سارة تجهز الفطور وأم فهد تساعدها. عندما دخل راشد حاملاً لين، مدت الطفلة يديها نحو أمها فوراً. أخذتها سارة وقبلتها وهي تضحك:— كل يوم تقومين وأنتِ أكثر نشاطاً من اليوم اللي قبله. من وين جابتي هالطاقة كلها؟بعد الإفطار قرروا أن يقضوا معظم اليوم في البيت لأن الجو كان حاراً في الخارج. فرش راشد سجادة كبيرة في الصالة ووضع حولها كل الألعاب التي تحبها لين. جلس على الأرض معها ساعة كاملة يشجعها على

  • «ظلّك في قلبي»   53

    **٥٣**مع اقتراب لين من شهرها السادس، بدأت ملامح مرحلة جديدة تظهر بوضوح. صارت تجلس بمفردها لفترات أطول، وتلتقط الألعاب بثقة أكبر، وتحاول أن تزحف زحفاً غير منتظم يثير الضحك والقلق في الوقت نفسه. البيت الذي اعتاد على بكاء الرضيع وصوته الضعيف صار الآن يمتلئ بأصوات أعلى: ضحكات متتالية، وصرخات فرح قصيرة، وثرثرة طويلة كأنها تحكي قصة لا يفهمها أحد غير ها.في أحد الصباحات المبكرة استيقظ راشد على صوت لين وهي تثرثر في سريرها. دخل عليها فوجدها جالسة وسط الوسائد تحرك يديها وتتكلم لغتها الخاصة بصوت عالٍ وواضح. عندما رأته فتحت فمها على مصراعيه وضحكت ضحكة عالية مدّت بعدها يديها تطلب منه أن يحملها. حملها راشد وطاف بها في الغرفة وهو يقبل خدها ويشم رائحتها الصباحية النظيفة. قال لها وهو يضحك:— صباح الخير يا ملكة البيت. قومي نوقظ أمك قبل لا تنزعجين عليها.دخل بها على سارة التي كانت لا تزال مستلقية. وضع لين على السرير بجانبها، فما كان من الطفلة إلا أن زحفت نحو أمها ووضعت رأسها على صدرها. سارة احتضنتها وهي نصف نائمة وابتسمت قائلة:— صرتِ تجين توقظينني لحالكِ الحين؟ كبرتي بسرعة يا لين.بعد الإفطار قرروا أن

  • «ظلّك في قلبي»   52

    **٥٢**مع دخول لين شهرها الخامس، بدأت ملامح شخصيتها الصغيرة تظهر بوضوح أكبر. صارت تحب الجلوس مدعومة بالوسائد لوقت أطول، وتصدر أصواتاً عالية ومتنوعة كأنها تحاول أن تشارك في الحديث، وترفض أحياناً النوم إلا على صدر أحد والديها. البيت الذي كان هادئاً في سنواته الأولى صار الآن مليئاً بالأصوات الحية: ضحكات متكررة، وثرثرة طفولية، وبكاء قصير سرعان ما يتحول إلى هدوء حين تُحمل أو تُهز برفق.في أحد أيام الجمعة المشمسة، قررت العائلة كلها أن تقضي اليوم في الحديقة الخلفية للفيلا. راشد أعدّ المظلة الكبيرة، وفرش البطانية الواسعة، وأحضر الألعاب الملونة التي صارت لين تحبها. سارة جلست على الكرسي المريح وهي تحمل ابنتها، والأم إلى جانبها على كرسيها الخاص، ويزيد تمدد على العشب يتصفح هاتفه بين الحين والآخر. الشمس كانت لطيفة والهواء يحرّك أوراق الأشجار التي كبرت كثيراً منذ أن زرعها راشد وسارة قبل سنوات.لين كانت مستلقية على بطنها على البطانية تحاول رفع صدرها ورأسها بقوة، وتمد يديها نحو الألعاب الملونة. كلما نجحت في الإمساك بواحدة منها كانت تضحك ضحكة عالية تجعل الجميع يبتسمون. راشد استلقى على بطنه أمامها وصار

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status