로그인الفصل 53: المدن السبع
لم تنم نور تلك الليلة. كانت جالسة وحدها في غرفة المكتبة، والكتاب الأبيض أمامها فوق الطاولة. الكتاب الذي كتبت فيه للمرة الأولى شيئًا لم يكتبه أحد قبلها. نختار. كانت الكلمة ما تزال واضحة على الصفحة. لكنها لم تعد تشعر بالانتصار. منذ عادت من المدينة الثانية، لم تستطع أن تتخلص من الصوت الذي سمعته في الرسالة. صوت والدها. "نور... لا تثقي في جدك." كان بإمكانها أن تتجاهل تحذيرًا عابرًا. لكن المشكلة أن الرجل الذي حذرها هو نفسه الرجل الذي اكتشفت أنه ليس كما ظنت. والأخطر من ذلك أن آخر صورة رأتها قبل مغادرة المدينة الثانية كانت لوالدها واقفًا أمام سبع مدن. سبع مدن. لم تكن مدينة واحدة. ولم تكن المدينة الثانية هي النهاية. كانت مجرد باب. رفعت نور رأسها عندما سمعت خطوات خلفها. لم تستدر. قالت: "إياد." جاء صوته: "كنت عارف إنك صاحيه." ابتسمت ابتسامة صغيرة. "وأنت؟" "أنا كمان." جلس أمامها. ظل للحظات ينظر إلى الكتاب. ثم قال: "إنتِ مصدقة اللي شوفناه؟" "أي جزء؟" "إن فيه سبع مدن." نور أغلقت الكتاب. "أيوه." "وإن أبوك عايش." "أيوه." "وإن جدك ممكن يكون هو أصل كل اللي حصل." سكتت. ثم قالت: "مش عارفة." إياد: "إيه اللي مش عارفة؟" "مين أصدق." "أبوك ولا جدك؟" "ولا نفسي." --- ظل إياد صامتًا. ثم قال: "في حاجة لازم تعرفيها." رفعت عينيها إليه. "إيه؟" "لما كنا في المدينة الثانية..." تردد. "إيه؟" "أنا شفت حاجة ما قلتهاش." تغير وجه نور. "إيه هي؟" "قبل ما المدينة تنهار." "نعم؟" "شفت أبي." نور لم تتكلم. قال: "مش أبويا اللي مات." "مين؟" "أبي الحقيقي." "إنت قلت إن أبوك مات." "اللي مات كان النسخة اللي عشت معاها." نور: "وأبوك الحقيقي؟" "كان واقف في واحدة من المدن السبع." توقفت أنفاسها. "هل كلمك؟" "لا." "شافك؟" "أيوه." "وقال إيه؟" إياد نظر إليها. "قال جملة واحدة." "إيه؟" "قال: لا تجعلها تصل إلى المدينة السابعة." نور: "مين؟" "أنتِ." --- في اللحظة نفسها سمعا صوتًا من خلفهما. "كان لازم تقول لها من أول لحظة." استدارا. كان نوح واقفًا عند باب المكتبة. قال إياد: "إنت كنت سامع؟" "من وقت ما دخلت." نور: "وأنت تعرف عن المدينة السابعة؟" نوح لم يجب. اقترب ببطء. وضع يده على ظهر الكرسي. ثم قال: "أعرف أكثر مما تتخيلين." نور: "إذن اتكلم." نوح: "مش هنا." "ليه؟" "لأن المكان ده لم يعد آمنًا." إياد: "دار الحكمة؟" نوح: "نعم." نور: "إزاي؟" نظر إلى السقف. "منذ أن فتحتِ المدينة الثانية، أصبحت دار الحكمة مرتبطة بها." نور: "يعني؟" "أي شيء يحدث في المدن السبع يمكن أن يحدث هنا." ثم سمعوا صوت ارتطام. سقط كتاب من أحد الرفوف. انفتح وحده. كانت صفحاته بيضاء. ثم ظهرت عليها كلمة: أربعون دقيقة. نظر الثلاثة إلى بعضهم. قال نوح: "بدأوا." --- دخل آدم الطفل مسرعًا. كان وجهه شاحبًا. "ماما." نهضت نور. "إيه؟" "لازم نمشي." "ليه؟" "قبل ما ييجوا." "مين؟" "الناس اللي لابسين أبيض." تقدم إياد. "شفتهم؟" آدم أومأ. "فين؟" "في الحلم." نور: "ماذا رأيت؟" الطفل: "رأيت سبع مدن." "وبعدين؟" "رأيت واحدة منهم تحترق." "أي واحدة؟" رفع الطفل يده. وأشار إلى الكتاب. كانت كلمة أربعون دقيقة قد اختفت. وحل محلها رقم: 7 قال: "المدينة السابعة." --- لم يكن أمامهم وقت للنقاش. جمع إياد الأسلحة التي تركوها في الخزانة القديمة. نوح أخذ حقيبته. نور حملت الكتاب. إيزيس ظهرت من الدرج. كانت تحمل خريطة. قالت: "كنت أنتظركم." نور: "كنتِ عارفة." "نعم." "عن السبع مدن؟" "نعم." "من البداية؟" إيزيس نظرت إليها. "ليس كلها." "كم تعرفين؟" "أعرف ست مدن." "والسابعة؟" هزت رأسها. "لا أحد يعرف مكانها." نوح: "كذبة." إيزيس التفتت إليه. "ماذا قلت؟" "قلت إنك تكذبين." إياد: "نوح." "هي تعرف." نور: "تعرفي إيه؟" نوح: "مكان المدينة السابعة." إيزيس: "أنت لا تفهم." "أنا أفهم أكثر مما ينبغي." ثم نظر إلى نور. "المدينة السابعة ليست مكانًا." نور: "إذن؟" قال: "إنها شخص." --- سكت الجميع. قالت نور: "شخص؟" نوح أومأ. "المدينة السابعة ليست مبنى ولا مدينة." "هي إنسان." إيزيس: "كفاية." نوح: "لا." "نوح." "أنتِ خبأتِ الحقيقة عشرين سنة." إيزيس: "كنت أحميها." "كنتِ تحمين نفسك." نور: "مين الشخص؟" لم تجب إيزيس. نور تقدمت إليها. "أمي." "نور..." "مين المدينة السابعة؟" إيزيس أغمضت عينيها. ثم قالت: "أنتِ." --- لم تتحرك نور. كأن الكلمات لم تصل إليها. إياد: "ماذا؟" إيزيس: "نور هي المدينة السابعة." ضحك نوح بمرارة. "وأخيرًا." نور: "لا." إيزيس: "نعم." "أنا مش مدينة." "لأنك لم تستيقظي بعد." "استيقظ من إيه؟" "من ذاكرتك الأخيرة." نور: "أي ذاكرة؟" إيزيس: "الذاكرة التي تركها والدك بداخلك." --- بدأت نور تشعر بحرارة في رأسها. الكتاب بين يديها ارتجف. فتحت صفحاته. ظهرت صورة. كانت هي. لكنها أكبر سنًا. تقف أمام مدينة ضخمة. وخلفها ست مدن أخرى. وفي يدها مفتاح أسود. قالت نور: "دي مش أنا." إيزيس: "بل أنت." "مستحيل." "أنتِ لم تكوني حاملة المدينة فقط." "إذن؟" "أنتِ كنتِ المدينة نفسها." بدأت الذكريات تضرب رأسها. ممرات. أبواب. صوت طفل. إياد. أبوها. جدها. ثم رأت نفسها واقفة أمام سبعة أبواب. على كل باب رقم. واحد. اثنان. ثلاثة. أربعة. خمسة. ستة. ثم باب بلا رقم. وعليه اسمها. نور. --- صرخت. سقط الكتاب من يدها. أمسكها إياد. "نور!" لكنها لم تكن تسمعه. كانت داخل الذكرى. رأت أباها يقف أمامها. كان أصغر. قال: "لو فتحتِ الباب السابع، لن تعودي إنسانة." قالت له: "وماذا سأصبح؟" أجاب: "كل شيء." ثم ظهر الجد. قال: "اتركها." الأب: "لن أفعل." الجد: "هي اختارت." الأب: "هي طفلة." الجد: "لكنها المدينة." ثم رأتها نور. نسخة أصغر منها. تضع يدها على الباب السابع. وقبل أن تفتحه... ظهر إياد. لكنه كان أكبر. قال لها: "لا تفعلي." نور في الذكرى: "أنت وعدتني." إياد: "وعدتك أن أحميك." "إذن دعني أفتح." "لا." "لماذا؟" "لأنني أعرف ماذا سيحدث." ثم أمسك يدها. وقالت: "إذا لم أفتح الباب، سيموت الجميع." إياد: "وإذا فتحتهِ، ستموتين أنتِ." --- عادت نور إلى الحاضر. كانت على الأرض. إياد بجوارها. وجهه مليء بالخوف. قال: "رجعتي." نور: "أنت كنت هناك." "أيوه." "في ذاكرتي." "أيوه." "كنت تعرف." "كنت أعرف جزءًا." "وما قلتليش." "كنت أحاول أحميك." نور: "كل الناس بتحميني بالكذب." ثم وقفت. "كفاية." نظر إليها إياد. "نور..." "مش عايزة حد يحميني تاني." ثم التفتت إلى إيزيس. "أريد الحقيقة." إيزيس: "لن تعجبك." "مش فارقة." "والدك هو من صنع المدينة السابعة." نور: "كيف؟" "استخدم ذاكرتك." "لكنني كنت طفلة." "لهذا السبب." نوح: "كان يريد خلق مدينة تستطيع التفكير." نور: "فجعلني أنا عقلها." "نعم." --- إياد: "إذن لماذا تحاول المدينة قتلك؟" إيزيس: "لأنها لم تعد تحتاجها." نور: "ماذا؟" "المدينة تعلمت." "تعلمت ماذا؟" "أنها تستطيع أن تصبح مستقلة." نوح: "وهذا ما حدث." إيزيس أومأت. "المدينة السابعة لم تعد داخل نور." "بل خرجت منها." نور: "وأين هي؟" إيزيس: "في المدينة الثانية." نور فهمت. "المرأة التي قابلناها." "نعم." "كانت المدينة السابعة." "نعم." نور: "لكنها ماتت." إيزيس: "لا." "ماذا؟" "هي عادت إلى أصلها." نور: "إليّ." إيزيس أومأت. --- ساد الصمت. ثم قال آدم الطفل: "يعني هي جوه ماما؟" إيزيس: "جزء منها." الطفل: "وهتطلع؟" إيزيس: "إذا استيقظت." نور: "وأنا أقدر أمنعها؟" إيزيس: "يمكن." "كيف؟" "بأن تصل إلى المدينة الأولى قبل أن تصل هي." نوح: "لكن المدينة الأولى انهارت." إيزيس: "المدينة التي رأيناها انهارت." "هناك مدينة أولى أخرى." نور: "أخرى؟" "المدينة الأصلية." إياد: "وأين؟" إيزيس: "تحت المدينة." --- لم يفهم أحد. قالت: "المدن السبع ليست فوق الأرض." نوح: "إذن؟" "كل مدينة تحت الأخرى." نور: "مثل طبقات." "نعم." "والمدينة الأولى؟" "أعمقها." إياد: "والسابعة؟" إيزيس نظرت إلى نور. "أنت." --- خرجوا من دار الحكمة. لكن هذه المرة لم يسيروا في الشوارع. قادهم نوح إلى شارع جانبي قديم. كان هناك مبنى مهجور. فوقه لوحة صدئة: محطة مصر القديمة. دخلوا. كانت المحطة خالية. في منتصفها درج ينزل إلى الأسفل. قالت نور: "إلى أين؟" نوح: "إلى المدينة الأولى." إياد: "إحنا مش كنا فيها؟" "كنا في ذاكرتها." "والفرق؟" "الذاكرة كانت فوق." "والحقيقة تحت." --- نزلوا. درجة. ثم أخرى. ثم أخرى. كلما نزلوا، انخفضت الأصوات. اختفت حركة المدينة. اختفى الهواء. وبعد دقائق، وجدوا بابًا حجريًا. فوقه الرقم: 1 نور لمست الباب. فتح. خلفه ممر طويل. على الجدران سبع علامات. الأولى مدينة. الثانية ساعة. الثالثة عين. الرابعة قلب. الخامسة مرآة. السادسة مفتاح. السابعة وجه. قال إياد: "إيه معنى الرموز؟" نور: "مش عارفة." آدم الطفل: "أنا أعرف." نظروا إليه. قال: "دي مراحل الإنسان." نوح: "كيف؟" "المدينة." وأشار إلى الأولى. "الزمن." الثانية. "المعرفة." الثالثة. "الحب." الرابعة. "الذات." الخامسة. "الاختيار." السادسة. ثم أشار إلى السابعة. "والإنسان." نور: "يعني المدينة السابعة هي الإنسان." آدم: "أيوه." --- وصلوا إلى قاعة ضخمة. في منتصفها سبع دوائر. كل دائرة تحمل اسمًا. الماضي. الحاضر. المعرفة. الحب. الذات. الاختيار. المستقبل. قال نوح: "لا تلمسي شيئًا." لكن نور كانت قد اقتربت. وضعت يدها على دائرة المستقبل. انطفأت القاعة. ثم ظهر صوت. صوت والدها. "نور." قالت: "أبي." "إذا وصلتم إلى هنا، فهذا يعني أنني فشلت." "في ماذا؟" "في حمايتك." "من ماذا؟" "من نفسك." --- ظهرت صورة آدم. كان يقف في القاعة نفسها. لكن كان معه رجل آخر. الجد. قال الأب: "هو أراد استخدامك لصنع المدينة السابعة." الجد: "وأنت ساعدتني." "كنت أظن أنني أستطيع السيطرة عليها." "لكنك فشلت." "لأنها اختارت نور." "لا." الجد اقترب. "لأن نور اختارت المدينة." نور شهقت. قال الأب: "كان لازم أقتلها." إياد: "ماذا؟" نور: "اسمع." ظهر المشهد. الأب كان يحمل سكينًا. وكانت نور الطفلة أمامه. لكن لم يقتلها. بل وضع السكين في يده. قال: "سامحيني." ثم طعن نفسه. سقط. --- نور وضعت يدها على فمها. "أبي..." إيزيس بكت. قالت: "هو ضحى بنفسه." نور: "لماذا لم تخبريني؟" "لأنه طلب مني ألا أفعل." "ولماذا؟" "لأنه كان يعرف أن جدك سيستخدم موته ضدك." نوح: "وجدك لم يكن يريد المدينة." نور: "إذن ماذا كان يريد؟" إيزيس: "كان يريد أن يصبح خالدًا." --- ظهرت صورة الجد. كان يقف أمام دائرة ضخمة. داخلها آلاف الوجوه. قال: "الموت هو الخطأ الوحيد في الإنسان." ثم وضع يده على الدائرة. "سأصلحه." نور: "إنه مجنون." إيزيس: "لم يكن مجنونًا." "إذن؟" "كان مؤمنًا." نوح: "والفرق؟" إيزيس: "المجنون يعرف أنه مختلف." ثم نظرت إلى نور. "أما المؤمن بفكرته، فيعتقد أن العالم كله مخطئ." --- ظهر الجد في القاعة. لكن هذه المرة لم يكن ذكرى. كان موجودًا. واقفًا أمامهم. ابتسم. "تأخرتِ." نور لم تتحرك. قال إياد: "أنت." الجد: "أهلًا." نور: "أنت حي." "لم أمت." "لماذا؟" "لأنني وصلت إلى المدينة السادسة." نوح: "مدينة الاختيار." أومأ. "هناك تركت جسدي." نور: "وأين جسدك؟" "لا أحتاجه." "إذن ماذا تريد؟" اقترب منها. "أريدك أن تكملي ما بدأته." نور: "لن أفعل." "ستفعلين." "لا." "لأنك لا تعرفين الحقيقة." نور: "عرفت بما يكفي." ضحك. "لا." ثم قال: "أنتِ لا تعرفين من صنعك." --- تجمدت نور. قال الجد: "والدك لم يصنعك." إيزيس: "كاذب." "بل الحقيقة." نور: "إذن من صنعني؟" الجد: "أنتِ." "أنا؟" "نعم." ثم أشار إلى الدائرة السابعة. "أنتِ صنعتِ نفسك." إياد: "إزاي؟" الجد: "من المستقبل." نور: "لا أفهم." "في المدينة السابعة، ستعودين إلى الماضي." "وستصنعين نور الطفلة." "ثم ستصبح نور الطفلة أنتِ." نوح: "حلقة زمنية." الجد: "بالضبط." نور: "إذن لا بداية." الجد: "ولا نهاية." --- أصبحت القاعة صامتة. قال الجد: "وهذا ما يجعل المدينة السابعة كاملة." نور: "لا." "لماذا؟" "لأنني كسرت الحلقة." ابتسامته اختفت. "ماذا فعلتِ؟" "في المدينة الثانية." "ماذا فعلتِ؟" "اخترت." "وهذا لا يكفي." "بل يكفي." اقتربت منه. "لأن الحلقة تعتمد على أنني أكرر نفسي." "وأنا لن أكرر نفسي." الجد: "أنتِ لا تستطيعين." "أستطيع." "لأنكِ جزء منها." "كنت." تغير وجهه. قال: "نور." "أنا لست المدينة السابعة." ثم رفعت يدها. "أنا من اختار أن يخرج منها." --- انفجرت الدائرة السابعة. صرخ الجد. تراجع. ظهرت أمامهم آلاف الصور. كل حياة عاشتها نور. كل نسخة. كل احتمال. ثم بدأت الصور تختفي. واحدة. تلو الأخرى. قال الجد: "لا!" نور: "أنت كنت تريد الخلود." "نعم." "لكن الخلود مش إنك تمنع الموت." "إذن ما هو؟" "إنك تترك شيئًا بعدك." نظر إليها. "ماذا ستتركين؟" نور نظرت إلى آدم. "ابني." ثم إلى إياد. "وحبي." ثم إلى نوح وإيزيس. "وذكرياتي." ثم قالت: "لكن مش مدينة." --- ظهر ضوء أبيض. بدأت القاعة تنهار. قال نوح: "لازم نخرج." إياد: "والجد؟" نور نظرت إليه. كان واقفًا وسط الأنقاض. قال: "لن ينتهي الأمر." نور: "أعرف." "المدن الأخرى ستستيقظ." "أعرف." "ستأتين إلي." "لا." "لماذا؟" "لأنني لن أطاردك." "إذن؟" "أنت اللي هتضطر ترجع." ابتسم الجد. "أنتِ بدأتِ تفهمين." ثم اختفى. --- خرجوا من الممر. لكنهم لم يعودوا إلى المحطة. وجدوا أنفسهم في مكان آخر. كان الشارع نفسه. لكن الناس كانوا يمشون ببطء. الساعات توقفت. السيارات ثابتة. حتى الطيور في السماء لم تتحرك. قال إياد: "إيه اللي حصل؟" نوح: "الزمن توقف." نور: "لماذا؟" نظر إلى ساعته. كانت عقاربها تشير إلى: 11:11 قال: "هذه علامة." إيزيس: "لا." نور: "إيه؟" إيزيس: "دي ليست علامة." ثم نظرت إلى السماء. "إنها بداية المدينة الثالثة." --- بدأت أصوات الساعات تدق من كل اتجاه. مرة. مرتين. ثلاثًا. ثم سبع مرات. فتح آدم عينيه. قال: "ماما." "نعم؟" "أنا شفتها." "مين؟" أشار إلى نهاية الشارع. كانت هناك فتاة تقف وحدها. شعرها طويل. ترتدي فستانًا أبيض. وتحمل ساعة قديمة. كانت تنظر إلى نور. ثم ابتسمت. قال آدم: "دي المدينة الثالثة." نور: "كيف عرفت؟" الطفل: "لأنها كانت أمي في الحلم." إياد: "أمك؟" الطفل أومأ. ثم قال: "وقالت لي..." توقف. نور: "ماذا قالت؟" نظر إليها. "إنها ستأخذ أبي." التفتت نور إلى إياد. في اللحظة نفسها... اختفى إياد من مكانه. صرخت: "إياد!" لكن لم يجبها أحد. كانت الفتاة قد اختفت أيضًا. وعلى الأرض لم يبقَ سوى الساعة. رفعتها نور. كان عقربها يتحرك إلى الخلف. ثم ظهرت على وجهها كلمات: "المدينة الثالثة: مدينة الزمن." وتحتها: "لديكِ ساعة واحدة لإنقاذ الرجل الذي تحبينه." رفعت نور عينيها. ولأول مرة منذ بدأت الحكاية... لم يكن لديها أي فكرة إلى أين تذهب. لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا. لن تترك إياد. حتى لو اضطرت إلى عبور كل المدن السبع. حتى لو كان عليها أن تواجه كل نسخة منها. حتى لو كان عليها أن تدخل آخر مدينة... المدينة التي لم تكن تعرف بعد أنها تحمل اسمًا آخر: مدينة النهاية. يتبع...الفصل 116: ما تحت قدم أبي الهول الثانيلم تكن نور تعرف لماذا شعرت بذلك الشعور الغريب وهي تقف أمام دار الحكمة في صباح اليوم التالي.كانت قد أغلقت آخر صفحة من الحكاية.أو هكذا ظنت.المكتبة صفر أُغلقت.القلم الأول انكسر.الأسرار التي طاردتهم سنوات طويلة انتهت.حتى عبدالرحمن، الرجل الذي عاش عمره يحمل فوق كتفيه أسرارًا أثقل من أن يحملها إنسان، بدا أخيرًا مستعدًا لأن يعيش بقية حياته دون أن يخاف من الماضي.لكن شيئًا واحدًا لم يكن قد عاد إلى مكانه.شيء ظل يلح في عقل نور منذ الليلة السابقة.تمثال أبي الهول الثاني.ذلك التمثال الذي ظهر اسمه في الخرائط القديمة، والذي ظل بعيدًا عن كل ما عرفوه حتى الآن.كانت قد رأته من قبل.لكنها لم تكن تعرف لماذا ظلّت صورته عالقة في ذاكرتها.وفي ذلك الصباح...دخل عبدالرحمن إلى دار الحكمة وفي يده ورقة قديمة.قال:"لازم نروح."رفعت نور رأسها."فين؟"وضع الورقة أمامها.كان عليها رسم قديم لأبي الهول.لكن أسفل الرسم ظهرت علامة لم ترها من قبل.قدم أبي الهول.وتحتها سهم.وتحت السهم كلمة واحدة:"الأصل."سألت نور:"إيه ده؟"عبدالرحمن:"لقيتها بين أوراق أمك."توقفت."أمي؟"
الفصل 115: الباب الأخيركانت يد نور فوق مقبض الباب.للحظة واحدة، عاد إليها كل شيء.المكتبة صفر.أمها.عبدالرحمن.النسخ.القلم الأول.إياد.والرجل الذي يقف خلف الباب بصوت أبيها.لكن هذه المرة لم تكن نور الطفلة التي تحتاج إلى من يخبرها أي طريق تسلك.كانت تعرف شيئًا واحدًا:لن تسمح لأي أحد أن يكتب قرارها بدلًا منها.نظرت إلى إياد.قال:"جاهزة؟"ابتسمت."لا."ضحك للمرة الأولى منذ ساعات."دي إجابة مطمئنة جدًا."قالت:"بس هفتح."وأدارت المقبض.---كان الرجل واقفًا أمام الباب.لم يكن والدها.كانت تعرف ذلك منذ اللحظة الأولى التي رأته فيها.رجل في منتصف الستينيات، يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.لكن التشابه كان مخيفًا.نفس العينين.نفس نبرة الصوت.نفس الوقفة.حتى الطريقة التي نظر بها إلى نور جعلت قلبها يتوقف للحظة.قال:"كنت أعرف أنك ستفتحين."نور:"وأنا كنت عارفة إنك مش أبي."ابتسم."ذكية."إياد وقف بجانبها."مين أنت؟"الرجل:"اسمي مراد."عبدالرحمن، الذي كان خلفهم، تجمد."مراد..."التفت الرجل إليه."مرت سنوات طويلة يا عبدالرحمن."نور نظرت إلى جدها."تعرفه؟"عبدالرحمن:"كان يعمل مع والدك."مراد صح
الفصل 114: أصل الحكايةكانت الكلمة الأخيرة لا تزال معلقة في الفراغ الأبيض."من أنتِ."لم تستطع نور أن تتحرك.كان القلم بين أصابعها يرتجف.أما أمها فكانت تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالدموع، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات طويلة.قالت نور أخيرًا:"أنا... أصل المكتبة؟"لم تجب أمها.قال عبدالرحمن:"ليس بالمعنى الذي تفكرين فيه."نور التفتت إليه."إذن فسر."تنهد."أنتِ لم تُخلقي من المكتبة.""لكن الرجل قال...""قال إنك أول محاولة."تدخل إياد:"في فرق."نور:"فرق إيه؟"قال إياد:"لو كانت المكتبة هي اللي صنعتك، كنتِ نسخة."ثم نظر إلى القلم."لكن لو أنتِ اللي صنعتِ الفكرة الأولى..."توقف.نور أكملت:"أكون الأصل."---ظهرت حولهم دوائر من الضوء.داخل كل دائرة صورة.طفلة.امرأة.رجل.مدينة.مكتبة.باب.ثم ظهرت صورة نور وهي طفلة، تجلس وحدها أمام كتاب مفتوح.لكن هذه المرة لم تكن الصورة من ذاكرة أمها.كانت أقدم.قالت نور:"دي أنا."الأم:"نعم.""كنت كام سنة؟""أربع سنوات."مريم:"وأنا فين؟""كنتِ نائمة."ظهرت الطفلة نور وهي تمد يدها إلى الصفحة.كان الكتاب فارغًا.لكن عندما لمسته...ظهر خط أسو
الفصل 113: الحياة التي لم تمتانفتح الباب الحجري ببطء.لم يصدر عنه صرير.ولا صوت احتكاك.كان ينفتح بصمت مخيف، كأن الجهة الأخرى لم تكن تنتظر أن يفتح أحد الباب، بل كانت تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتفتحه بنفسها.تراجع عبدالرحمن خطوة.أما نور فظلت واقفة مكانها.كانت تسمع صوت أمها من الداخل.هادئًا.قريبًا.حقيقيًا."نور..."مدت يدها نحو الباب.أمسك إياد بيدها."استني."نظرت إليه."سمعتها.""وأنا سمعتها.""دي أمي.""ممكن."رفعت عينيها إليه."ممكن؟"قال بهدوء:"بعد كل اللي شفناه... ما ينفعش نصدق الصوت لمجرد إننا نعرف صاحبه."من خلفهما قالت مريم:"هو عنده حق."نور نظرت إليها.كانت مريم تبكي."أنا نفسي أصدق إنها أمي."ثم مسحت دموعها."بس لو كانت هي فعلًا... ليه جدي خايف؟"---عبدالرحمن لم يجب.كان ينظر إلى الباب.قال أخيرًا:"لأنني أعرف ما وراءه."نور:"قلت إنك ما دخلتش.""لم أقل ذلك."تجمدت."إنت دخلت؟"أومأ."مرة.""إمتى؟""منذ خمسة وأربعين عامًا."نور:"وليه ما قلتش؟"عبدالرحمن:"لأنني وعدت أمك.""بماذا؟""ألا أخبركم بما رأيت."اقتربت نور منه."وإيه اللي شوفته؟"رفع عينيه إليها."أمك."صمت.
الفصل 112: القلم الأوللم يتحرك أحد.كان ظل عبدالرحمن الشاب ما يزال ظاهرًا على الجدار، رغم أن الرجل نفسه لم يكن موجودًا داخل المكتبة.ظلّ طويل، مستقيم، وفي يده قلم أسود.القلم الذي ظنوا أنه كُسر.قالت نور:"عبدالرحمن..."إياد:"ده مش ظل طبيعي."مريم اقتربت من الجدار."أنا شفته قبل كده."نور:"فين؟""في ذكريات أمي."التفتت إليها."كان واقفًا خلف أبي."سكتت مريم لحظة.ثم قالت:"لكن وقتها كنت أظنه مجرد رجل يساعده."قال إياد:"واضح إن الموضوع أكبر."---بدأ الظل يتحرك.رفع القلم.وكتب على الجدار:"إذا أردتم معرفة البداية، عودوا إلى الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة."نور:"نرجع للمحطة؟"الظل لم يجب.كتب:"ليس المكان هو المهم."ثم:"اللحظة."ظهرت جملة أخرى:"كل شيء بدأ عندما ماتت أمكم."نور شعرت بثقل في صدرها."إحنا شفنا اللحظة دي."ظهر:"رأيتم نهايتها."ثم:"ولم تروا البداية."---بدأت المكتبة تختفي.الرفوف.الأبواب.الكتب.حتى الجدران.وبقيت نور ومريم وإياد وحدهم وسط ظلام كامل.قال إياد:"إمسكي إيدي."أمسكت يده.مريم أمسكت يد نور.ثم ظهر ضوء صغير أمامهم.كان كأنه نافذة.اقتربوا.فرأوا بيتًا
الفصل 111: الباب الذي يحمل اسم إيادكانت يد نور فوق المقبض.ثلاثة أصوات فقط كانت تتردد في رأسها.صوت مريم:"لا تفتحي."صوت إياد:"افتحي."وصوت أمها:"اختاري بنفسك."لكن أصعب ما في الأمر لم يكن معرفة أي صوت تصدق.بل معرفة أن كل صوت منها يمكن أن يكون حقيقيًا.أغمضت نور عينيها.سحبت يدها من المقبض.ثم قالت:"أنا مش هفتح."ساد الصمت.ابتسم يوسف من بعيد."أحسنتِ."نور التفتت إليه."إنت موجود؟"كان واقفًا بين رفوف المكتبة."لم أغادر.""فين إياد؟""أنتِ تعرفين.""لا.""بل تعرفين."اقتربت منه."رجّعه.""لا أستطيع.""إذن قول لي فين."أشار إلى آلاف الكتب."في واحد منها."نور:"أي واحد؟""أنتِ من ستعرف."---بدأت الرفوف تتحرك.الكتب انزلقت يمينًا ويسارًا.ظهر ممر طويل.في نهايته باب واحد.لم يكن مكتوبًا عليه اسم.قال يوسف:"هناك."نور بدأت تسير.خطوة.ثم أخرى.كلما اقتربت، سمعت أصواتًا.ضحكة إياد.صوته وهو يناديها.صوت أول لقاء بينهما.أول مرة قال لها:"أنا مصدقك."ثم صوت آخر.أبعد.أكثر ألمًا."لو اضطريت أختفي عشان تعيشي... هعملها."توقفت.قال يوسف:"هذه ليست ذكريات.""أمال إيه؟""احتمالات."--