Share

الفصل 41

last update publish date: 2026-09-20 03:30:08

تجمّد الزمان في الغرفة المظلمة، وساد صمتٌ أثقل من سكون المقابر، تتخلله أنفاس ليان المتسارعة والمصحوبة بهسيس ذعرٍ مكتوم ، كانت أصابع كايان الباردة تحت ذقنها تشبه طوقاً من الفولاذ الناعم، يرفع وجهها الشاحب برفقٍ آمِر نحو الأعلى، مُرغماً إياها على النظر في المساحة المظلمة التي تعلوها، حيث لم تكن ترى من ملامحه سوى وميض حدقتيه المظلمتين اللتين تشعان بقسوة وثباتٍ لا يتزعزع،

كانت برودة أطرافه تتسلل إلى بقعة ذقنها الناعمة، تباينت بشكل حاد مع حرارة أنفاسها المشتعلة بالخوف ، حاولت ليان أن تتراجع بأ
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 45

    انساب ضوء الصباح البارد عبر الشق الضيق للستائر الحريرية المغلقة، ليرسم خطاً فضياً باهتاً على أرضية الغرفة الخشبية ، كانت ليان تستلقي على طرف السرير الفاخر بكامل ثيابها السوداء التي لم تبدلها منذ الليلة الماضية، وعيناها معلقتان بالسقف الفخار في جمود تائم،لم تغمض لها عين طوال ساعات الليل الطويلة؛ فكلما أوشكت على الطفو في غيبوبة النوم، داهمها طيف ذلك التماس المحموم على بشرتها، وسرت في عروقها رائحة التبغ والعطر الخشبي الداكن التي أبت أن تتلاشى من أركان الغرفة ، كان أثر إبهامه الشديد فوق شفتها السفلى ينبض بحرارة مكتومة، وكأنه وشم قسري انغرس في أعمق طبقات جسدها ليدمر محاولات ثباتها،نهضت ببطء شديد، وشعرها الأسود المنسدل ينحدر على كتفيها بعشوائية ، وقفت أمام المرآة الطويلة، تتأمل حمرة عنقها الشاحب وعينيها المجهدتين اللتين تحيطان بهما هالات دكنة شفافة ، رفعت كفها المرتجف ولمست مجرى فكها؛ المكان الذي احتجز فيه كايان أنفاسها ليعيد تذكيرها بإنكاره المكابر وغيرتها المشتعلة،«لن أنتظر حتى يمزقني هذا التفكير» همست لنفسها بصوت خفيض ونبرة مشحونة بالحقد والكبرياء الجريح «يظن أنه بكلماته

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 44

    وقفت ليان فجأة، مستندة بكفيها المرتجفتين على حافة الطاولة الخشبية، مما أحدث حفيفاً خفيفاً حاداً لفت انتباه حارسها المباشر القريب منها ، كانت الدماء تغلي في عروقها بكثافة، وقلبها ينبض بضربات متلاحقة وشديدة القسوة، كأنه يوشك على الاختناق والتوقف في صدرها،ارتسمت على وجهها علامات اضطراب حاد حاولت جاهدة تشكيلها في قالب من الغضب المشتعل والتجاهل الصارم ، لم تسحب نظارتها الشمسية، بل جمعت أمتعتها وحقيبة تسوقها بيدين تبذلان جهداً خرافياً لكي لا ترتجفا أمام الناظرين ، كانت تشعر بأن كل عين في هذا المقهى، بل في الساحة بأكملها، ترقب انكسارها المستتر وخيبة أملها القاتلة التي حاولت دفنها تحت طبقات المظهر الجذاب والكبرياء الزائف ،تحرك الحارس المباشر فوراً من طاولته وخطا نحوها باهتمام، متسائلاً بنبرة خفيضة ومستفسرة:«آنسة ليان ، هل هناك أي خطب؟ هل تريدين المغادرة الآن؟»لم تنظر إليه، بل ثبتت عينيها على الامتداد المؤدي لخارج الساحة، متجنبة بالكامل النظر نحو الطاولة المجاورة التي يجلس عليها كايان مع تلك المرأة ، أجابت بصوت متماسك بصعوبة، يحمل نبرة آمرية جافة وباردة:«نعم ، احضر السيارة فوراً ، لم أعد

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 43

    بدأت الحياة تدبّ من جديد في أروقة القصر بصورة أقرب إلى الطبيعية، وكأن تلك الليالي العصيبة كانت مجرد كابوس عابر طوته الأيام ، تعافى شاهين تدريجياً واستعاد عافيته بالكامل، ليعود إلى الوقوف على قدميه بجسده القوي ونبرته الواثقة التي أضفت نوعاً من الأمان والبهجة الدفينة على أرجاء المكان ، كان وجود شاهين وعودته لممارسة مهامه اليومية ومتابعة التفاصيل تحوّلاً مفصلياً أتاح لليان أن تتنفس الصعداء، وتشعر بأن العاصفة التي كادت تعصف بحياتهم قد انحسرت أخيراً ،ومع استقرار حالة شاهين وزوال الخطر المباشر، بدأت ليان تستعيد تدريجياً نمط حياتها السابقة ، لم تعد تلك الفتاة المحتجزة بين أربعة جدران خلف أبواب مصفحة وستائر مغلقة؛ بل أصبحت تخرج للشارع، تتجول في أسواق المدينة المزدحمة، وتزور المقاهي الراقية لتستمتع بفنجان قهوتها في الهواء الطلق،بالطبع، لم تكن الحركة خالية تماماً من الحذر؛ إذ كان يرافقها دائماً طاقم حراسة مدرب بعناية، يتوزع عناصرُه بفطنة وذكاء على مسافات غير ملفتة ، سيارتان داكنتان تتبعانيها بهدوء، وحراس يرتدون ثياباً مدنية يقفون على مقربة منها في كل مكان تقصده، ليضمنوا سلامتها دون

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 42

    ظلت هتافات رائد الهستيرية تتردد في أروقة الجناح كصدى بعيد، يمزق السكون الثقيل الذي خلفه غياب كايان المفاجئ ، كان المكان يغلي بالحركة؛ أقدام الحراس تطرق الأرضية الرخامية بإيقاع متسارع، وأضواء الكشافات اليدوية تقطع العتمة بصلابة، متقاطعة فوق الجدران والأسقف في محاولة يائسة للإمساك بطيف رجُل نجح في تحويل أكثر القلاع حراسة إلى مسرح مفتوح لنفوذه،في زاوية الغرفة، كانت ليان تجلس عند طرف السرير، ضامتة ركبتيها إلى صدرها بحركة دفاعية تلفها الهشاشة ، كانت ثيابها متجعدة، وشعرها الأسود المنثور على كتفيها يغطي جزءاً من وجهها الشاحب الذي غابت عنه الدماء ، لم تكن تشعر ببرودة الهواء المنبعث من الممر المفتوح، بل كانت الحرارة القاسية التي تركها كايان على بشرتها هي كل ما يسري في عروقها؛ حرارة أنفاسه التي تلفت أذنها، وضغطة أصابعه التي ما زالت تطبع أثراً غير مرئي، ولكنه عميق، على معصميها،وقف رائد أمامها مباشرة، كان جسده يرتجف بغضب مكتوم، ومسدسه التكتيكي ما زال مشدوداً في قبضته، نظر إليها بعينين تشتعلان بتركيبة حارقة من الشك والاهانة ، بالنسبة لرجل يعتقد أنه يمسك بزمام السيطرة ويفرض حمايته الكام

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 41

    تجمّد الزمان في الغرفة المظلمة، وساد صمتٌ أثقل من سكون المقابر، تتخلله أنفاس ليان المتسارعة والمصحوبة بهسيس ذعرٍ مكتوم ، كانت أصابع كايان الباردة تحت ذقنها تشبه طوقاً من الفولاذ الناعم، يرفع وجهها الشاحب برفقٍ آمِر نحو الأعلى، مُرغماً إياها على النظر في المساحة المظلمة التي تعلوها، حيث لم تكن ترى من ملامحه سوى وميض حدقتيه المظلمتين اللتين تشعان بقسوة وثباتٍ لا يتزعزع،كانت برودة أطرافه تتسلل إلى بقعة ذقنها الناعمة، تباينت بشكل حاد مع حرارة أنفاسها المشتعلة بالخوف ، حاولت ليان أن تتراجع بأسفل جسدها، أن تسحب رأسها إلى الخلف بعيداً عن قبضته، لكن يده الأخرى انزلقت بسرعة خاطفة وراء عنقها، وانغرست أصابعه الطويلة بين خصلات شعرها الأسود ، لتقبض عليه بقوة مدروسة، تمنعها من إبداء أي حركة أو التفاتة،همس كايان بصوت خفيض، أجش، يخرج من بين أسنانه بجوار أذنها مباشرة، متجاهلاً صراخ الحراس وضجيج الممرات النائية:«أتظنين أن البقعة التي تهربين إليها تصبح ملاذاً لمجرد أن لها أبواباً مصفحة؟ أم أنكِ اعتقدتِ أن الفتى الحربي قادرٌ على إبعاد ظلي عنكِ لمجرد أنه يرتدي حزاماً تكتيكياً ومسدساً؟»

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 40

    انزلق شيءٌ ما برفق شديد عبر الفتحة التهوية الصغيرة ، شيء خفيف للغاية، سقط على السجادة دون أن يحدث صوتاً يذكر،ظلت ليان مسمرة لدقائق، تراقب ذلك الجسم الغامض والقابع في العتمة ، عندما تأكدت من عدم وجود حركة أخرى، نزلت من السرير بخطوات مرتجفة، وأطراف أقدامها العارية تلامس الرخام البارد،انحنت ببطء شديد ورفعت الشيء الملقى،كان مغلفاً أسود صغيراً بغير عنوان، مصبوغاً بلون الليل، ولا يحمل أي قفل أو شريط،فتحت المغلف بأصابع ترتجف حد الانهيار،لم تجد داخل المغلف سوى ورقة سوداء سميكة، وُضع عليها رسمٌ دقيق باللون الأبيض،تأملت ليان الرسم تحت الشعاع الأحمر الخافت، فتجمدت الحروف في حلقها، وشهقت شهقة ذعر هزت أركان جسدها النحيل،كان الرسم عبارة عن مخطط تفصيلي هندسي للغرفة التي تجلس فيها الآن بالكامل ، تفاصيل النافذة، السرير، الزاوية التي تقف فيها، والكرسي الخشبي،وفي منتصف المخطط، تحديداً عند موقع المخدة التي كانت تستند عليها قبل لحظات ، كانت هناك نقطة حمراء دقيقة تومض بحبر حراري خفيف،وتحت المخطط، كُتبت عبارة واحدة بخط يدٍ متأنٍ، غامض، وجسور ، عبارة خالية من ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status