Masukارتجفت الصورة على الشاشة للحظة، ثم استقرت على وجه آدم الآخر، نسخة الليلة السابقة منه، الشاحب، المتوتر، والمشبّع بغضب مكتوم لا يشبه بروده الحالي تمامًا، بل يبدو أسوأ لأنه أكثر صدقًا.
"إذا كانت سيلين ما زالت عندك، فهذا يعني أنها لم تعترف بالجزء الأسوأ بعد." انقطع نفس سيلين. أما آدم الجالس أمام الشاشة، فقد شدّ قبضته على طرف السرير دون أن يلتفت إليها. واصلت النسخة المسجلة حديثها: "لا تمنحها فرصة لترتب القصة لصالحها. اسألها مباشرة: هل كانت تعرف أن الحادث قد يكون بسببها؟" انطفأ شيء في وجه سيلين. تحولت الغرفة إلى مكان أضيق، أبرد، وأكثر قسوة. حتى صوت الأجهزة الخافت لم يعد مجرد ضجيج مستشفى، بل صار كأنه عدّاد يقترب من انفجار. ضغط آدم على إيقاف الفيديو فجأة. لم ينظر إليها مباشرة. قال فقط: "بسبك؟" حاولت أن تبتلع ريقها، لكن حلقها كان جافًا بشكل مؤلم. "ليس... بهذه الطريقة." رفع رأسه فورًا، ونظر إليها نظرة حادة كأن الجملة وحدها كافية لتؤكد له أنه أمام طبقة جديدة من المراوغة. "أنتِ تحبين هذه العبارة كثيرًا." "لأن الحقيقة ليست سطرًا واحدًا." "لكنها أيضًا ليست متاهة." وقفت سيلين في مكانها، وكأن قدميها عالقتان بين الهرب والبقاء. كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي منذ أن سمعت التسجيل الأول. عرفت أن النسخة السابقة من آدم لن تكتفي بتحذيره منها، بل ستفعل ما هو أسوأ: ستضعه في مواجهتها ومعها سلاح جاهز. قال بصوت أخفض، أخطر: "هل كنتِ تعرفين أن الحادث قد يحدث بسببي... أو بسببك... أو بسبب الشجار بيننا؟" أغمضت عينيها لثانية، ثم فتحتهما وقالت: "كنت أعرف أنك خرجت غاضبًا." "هذا ليس جوابًا." "وكنت أعرف أنك لم تكن في حالة جيدة." "ولا يزال ليس جوابًا." اقتربت خطوة، ثم توقفت عندما رأت القسوة في عينيه. "أنا لم أدفعك إلى السيارة، يا آدم." "هل من المفترض أن أشعر بالامتنان؟" شهقت بحدة. "هذا ليس عدلًا." "أنتِ لا تملكين رفاهية الحديث عن العدل." خرجت منها ضحكة قصيرة، مكسورة، أقرب إلى الوجع منها إلى السخرية. "أنت اليوم نسخة بغيضة جدًا منك." "وأنت نسخة خطيرة جدًا من شخص يفترض أنني وثقت به." ساد الصمت ثانية، لكن هذه المرة لم يكن صمتًا قابلًا للاحتمال. كان محمّلًا بخوفها، وغضبه، والتسجيلات، والمفكرة، وكل ما ضاع أمس ولم يعد يمكن استعادته. أخذت نفسًا عميقًا. "حسنًا. سأقولها بوضوح." ظل ساكنًا. "نعم. كنت أعرف أنك خرجت غاضبًا بسببي." تصلب فكّه. "ونعم، كنت أعرف أنك لم تكن بخير، وأنه كان يجب ألا تقود." "ومع ذلك تركتِني أذهب." أجابت فورًا، وكأنها كانت تعذب نفسها بهذه الجملة منذ الحادث: "لم أتركك، بل لحقت بك." هذه المرة، تغير شيء في نظرته. ليس لينًا. لكن انتباهًا أكثر تركيزًا. "لحقتِ بي؟" أومأت ببطء. "نزلت خلفك. كنت أناديك. لكنك كنت قد تحركت بالسيارة فعلًا. وبعد دقائق..." اختنق صوتها للحظة. "بعد دقائق وصلني الاتصال." لم يتكلم. اقتربت أكثر، رغم أنها كانت تشعر أن كل خطوة نحو سريره قد تكون خطوة نحو حائط. "لهذا قلت لك إن الذنب موجود. لأنني قلت أشياء لا تُقال لشخص خائف أصلًا. لأنني ظننت أنني أملك الوقت لنكمل الشجار لاحقًا. لأنني لم أتخيل أن لحظة الغضب تلك ستتحول إلى هذا كله." قال ببطء: "لكن الحادث لم يكن بسببك وحدك." رفعت عينيها إليه بسرعة. "هذا ما تقصدينه، صحيح؟" أكمل بنبرة تحليلية باردة. "أنكِ لا تنكرين ذنبك، لكنك لا تقبلين أن تكوني السبب." ابتسمت بمرارة. "يا لك من رجل رومانسي. حتى الاعترافات المأساوية تحللها كأنها تقرير شركة." "أجيبيني." "نعم." قالتها هذه المرة بلا التفاف. "أنا لا أقبل أن أكون السبب الكامل، لأنني لست كذلك. لكنني أيضًا لا أستطيع أن أتصرف وكأنني بريئة." خفض عينيه إلى الورقة في يده، ثم إلى الشاشة السوداء الصغيرة التي توقفت عليها صورته المسجلة. كأن النسخة السابقة منه تركت له قنبلة ومعها تعليمات تشغيل، ثم اختفت تاركة النسخة الحالية تتعامل مع الشظايا. قال بعد لحظة: "كم مرة سنفعل هذا؟" قطبت حاجبيها. "نفعل ماذا؟" "كم مرة سأكتشف أنكِ أخفيتِ جزءًا آخر؟" "لا يوجد شيء أسوأ من هذا." نظر إليها طويلًا، ثم قال: "لا أصدقك." وهنا، للمرة الأولى منذ دخلت عليه قبل أيام، شعرت سيلين أنها تعبت فعلًا. ليس من غضبه، ولا من بروده، ولا حتى من نسيانه. بل من هذا الحائط المتجدد الذي تبنيه كل صباح ثم تحاول هدمه طوال اليوم بيديها العاريتين. مررت يدها في شعرها بعصبية وقالت: "رائع. ماذا تريدني أن أفعل؟ أعطيك جدولًا زمنيًا بالأخطاء مع توقيع واعتماد؟" "أريد حقيقة لا تتحرك." "والحقيقة لا تتحرك، لكنك أنت الذي تفقدها كل ليلة!" خرجت الجملة حادة، أعلى مما أرادت، فارتد صداها في الغرفة بقسوة. رأتها فورًا على وجهه: تلك اللمعة الخاطفة من الجرح الذي لا يصرح به. فتحت فمها لتتراجع، لكن الوقت فات. قال بهدوء مقلق: "هذه ليست مشكلة اخترتها." انطفأت حدة عينيها فورًا. "أعرف." "لا، أظن أنكِ تنسين أحيانًا." اقتربت من السرير بخطوة مترددة. "أنا فقط..." "متعبة؟" "نعم." "وأنا أيضًا." هبطت الكلمة بينهما بهدوء أكثر إيلامًا من الصراخ. ثم فعل شيئًا لم تتوقعه. مد يده إلى الشاشة، وحذف الفيديو. اتسعت عيناها. "ماذا تفعل؟" "أنهيت مشاهدته." "لكن—" "لكن لا أريد أن أسمع نسخة أخرى مني تتحدث إليّ كما لو أنني مشروع يحتاج إلى تعليمات تشغيل." ألقى البطاقة السوداء على الطاولة ببرود. "يكفيني ما في رأسي." ترددت. "وهذا يعني...؟" "لا يعني أنني سامحتك." "لم أطلب هذا." "جيد. لأنك لن تحصلي عليه." أومأت ببطء. كان في صوته صدق جاف، مؤذٍ، لكنه مفهوم. ثم قال: "عودي غدًا." رفعت رأسها بسرعة. "ماذا؟" "قلت عودي غدًا." "تطلب مني أن أعود؟" "لا تفرحي." نظر إليها بعبوس خفيف. "أنا لا أثق بك. لكن من الواضح أن الجميع حولي إما خائفون أو مربكون أو يحملون ورودًا بلا داعٍ. وأنتِ..." توقف لحظة، ثم أضاف كأنه يكره اعترافه نفسه، "على الأقل تقولين أشياء غير مريحة بدلًا من التظاهر أن كل شيء بخير." حدقت فيه، غير قادرة على منع تلك الشرارة الصغيرة من الأمل رغم كل شيء. "هذا تقريبًا مدح." "هذا تصنيف منخفض الضرر." "سأقبله مؤقتًا." أخذ المفكرة وفتحها، ثم كتب شيئًا جديدًا. حاولت أن ترى، لكنه أغلقها قبل أن تتمكن. "ما هذا؟" "ملاحظة للغد." "عن ماذا؟" "عنك." رفعت حاجبها. "هذا مقلق ورومانسي بدرجة غير صحية." "إنه إجرائي." "الكلمة نفسها تقتل الرومانسية." لكنه لم يرد. بدا مرهقًا فجأة، أكثر من قبل، كأن الجهد المطلوب ليغضب ويشك ويفهم ويدوّن صار أثقل من أن يحمله رأسه المصاب. لاحظت ذلك قبل أن يقوله. "أنت متعب." "ملاحظة عبقرية." "أنا جادة." "وأنا كذلك." اقتربت أكثر، هذه المرة ببطء واضح، وجلست على طرف الكرسي قربه. "نم قليلًا." "وأنتِ؟" "سأذهب." "أخيرًا." تجاهلت الكلمة. نظرت إليه، إلى التعب المستقر حول عينيه، وإلى تلك المسافة الغريبة بينهما؛ ليست مسافة غرباء تمامًا، ولا مسافة أشخاص يملكون حق الاطمئنان إلى بعضهم. شيء بين الاثنين، هش، مؤلم، لكنه موجود. قالت بهدوء: "أنا آسفة." لم يرفع عينيه إليها فورًا. بقيت نظرته على المفكرة للحظة، ثم قال: "أعرف." رفعت حاجبيها بدهشة حقيقية. "تعرف؟" "الذنب ظاهر عليك منذ دخلتِ حياتي." رفع بصره أخيرًا. "أو دخلتها مجددًا." ابتسمت ابتسامة هشة. "هذا ألطف شيء قلته لي منذ الصباح." "لا تتعلقي به." "متأخر أيضًا." وكان على وشك الرد، لكنها رأته يفقد التركيز للحظة. جفنه ارتخى قليلًا، ويده التي تمسك بالقلم تراخت، ورأسه مال بالكاد إلى الخلف. الإرهاق انتصر أخيرًا. خفضت صوتها. "آدم." همهمة خافتة فقط. "نم." "لو نمت..." قالها بصوت ثقيل، نصفه وعي ونصفه تعب، "سأفقد هذا اليوم." انقبض قلبها. لم تعرف لماذا كانت هذه الجملة تحديدًا أشد ألمًا من كل ما سبقها. ربما لأنها خرجت منه بلا دفاع. بلا برود. بلا تحليل. مجرد حقيقة مرعبة قالها رجل يعرف أنه سيستيقظ غريبًا عمّا عاشه الآن. قالت، وهي لا تدري إن كانت تحاول تهدئته أم تهدئة نفسها: "سأعيده لك." فتح عينيه بصعوبة ونظر إليها نظرة مشوشة. "كله؟" "على قدر ما أستطيع." "وأنتِ... ستعودين؟" كانت هذه ثاني مرة يسألها السؤال نفسه بطريقة لا تشبهه. مرة وهو واعٍ وغاضب، ومرة وهو منهك وعلى الحافة بين اليقظة والنوم. في المرتين، كان السؤال أخطر من أي اعتراف مباشر. أجابت فورًا، وبصدق كامل هذه المرة: "نعم." لم يقل شيئًا بعدها. فقط أغمض عينيه ببطء، وبقي القلم في يده. نظرت إليه طويلًا، ثم مدت يدها وسحبته برفق حتى لا يترك أثرًا على الغطاء. كانت حركتها بطيئة، محسوبة، لكن حين لمست أصابعه، انقبضت يده فجأة حول يدها. توقفت. فتح عينيه نصف فتحة، كما لو أنه ليس مستيقظًا تمامًا. ثم قال بصوت خافت جدًا: "لا تذهبي." تجمدت. هل قالها فعلًا؟ أم أنها سمعتها لأن قلبها كان ينتظرها؟ حاولت أن تتأكد، لكن ملامحه كانت قد ارتخت، وأنفاسه صارت أعمق، كأنه انزلق أخيرًا إلى النوم. بقيت مكانها ثانية طويلة. ثم سحبت يدها ببطء، وقفت، وعدلت الغطاء على كتفه دون تفكير. التقطت حقيبتها، ثم توقفت عند الطاولة. المفكرة هناك. البطاقة السوداء المحذوف منها الفيديو. الرسائل. التسجيلات. كل هذه الفوضى التي صارت الآن جزءًا من روتينها. نظرت إليه مرة أخيرة قبل أن تتجه إلى الباب. لكنها لم تصل. لأن آدم، وهو نائم هذه المرة فعلًا، شدّ حاجبيه فجأة، وتغيرت أنفاسه. همهمة منخفضة خرجت منه أولًا، ثم كلمة غير واضحة. استدارت سيلين نحوه بسرعة. "آدم؟" تحرك رأسه قليلًا على الوسادة. بدا كأنه يرى شيئًا. لا، كأنه يعيش شيئًا. حلمًا، ربما. لأول مرة. اقتربت من السرير ببطء، وانحنت قليلًا نحوه. "آدم، هل تسمعني؟" لم يستيقظ. لكن شفتيه تحركتا ثانية. وهذه المرة، سمعت الاسم بوضوح. "سيلين..." تجمدت أنفاسها. بقي نائمًا، ملامحه مشدودة، ثم ارتخت قليلًا، قبل أن يهمس بجملة أخرى، أوضح، أبطأ، كأنها تأتي من مكان أعمق من الوعي نفسه: "لا تبكي... أنا راجع." اختنق الهواء في صدرها. لم يكن يتذكرها وهو مستيقظ. لكنه رآها في حلمه. مدت يدها دون وعي، وترددت فوق يده قبل أن تلمسها بخفة شديدة. كانت دافئة. حقيقية. ومربكة إلى حد الوجع. همس باسمه مرة أخرى، لكنها هذه المرة لم تقل شيئًا. فقط جلست ببطء على الكرسي قربه، وكأن العالم كله تقلص إلى هذه اللحظة المستحيلة: رجل ينساها كل صباح، ويناديها في نومه كما لو أن قلبه يعرف طريقه إليها من دون إذن ذاكرته. وبقيت هناك حتى المساء، تراقب نومه، وتعيد الجملة في رأسها عشرات المرات. لا تبكي... أنا راجع. راجِع من أين؟ من الأمس؟ من النسخة التي كانت تعرفها؟ من مكان في داخله لم يصل إليه النسيان بعد؟ لم تعرف. كل ما عرفته أن الغرفة صارت أكثر هدوءًا، وأن قلبها صار أكثر اضطرابًا. وحين بدأت السماء خلف النافذة تميل إلى العتمة، تحرك آدم فجأة من نومه، فتح عينيه نصف فتحة، ونظر إليها بنظرة مشوشة، ثم قال بصوت متعب جدًا: "الغريب..." رمشت سيلين، محاولة أن تخفي ما جمعته الساعات داخلها. "أنا لم أغادر، بالمناسبة." ظل يحدق فيها ثانيتين، ثم همس كأنه لا يفهم نفسه: "لماذا... أعرف رائحة عطرك؟" توقفت أنفاسها. لكنه لم يمنحها وقتًا للرد. لأن عينيه اتسعتا فجأة، ونهض نصف نهوض، ويده اتجهت إلى المفكرة على الطاولة بعجلة غريبة، كأنه تذكر شيئًا واحدًا فقط وسط كل التعب. سحبها، فتح الصفحة الأخيرة، وقرأ ما كتبه قبل النوم. ثم شحب وجهه أكثر. رفعت سيلين صوتها بقلق: "ماذا؟" رفع عينيه إليها ببطء، والخوف الخافت في نظرته هذه المرة لم يكن منها فقط، بل من نفسه أيضًا. وقال: "أنا لم أكتب هذا." أخذت المفكرة من يده بسرعة، ونظرت إلى الصفحة الأخيرة. وتحت ملاحظته السابقة عن سيلين، كانت هناك جملة جديدة بخطّه تمامًا، لكنها لم تكن موجودة قبل نومه: "إذا بدأت أتذكرها وأنا نائم... فامنعوها من معرفة السبب الحقيقي قبل فوات الأوان."تجمّد الهواء بعد صوت ليلى. "مبروك على الاعتراف. الآن أخبره يا سارة... من الذي طلب منكِ أن تدعيه يحب سيلين أول مرة." لم يتحرك أحد لثانية. ثم التفتت كل العيون إلى سارة. وقفت عند الباب الثاني، ويدها على الإطار المعدني، ووجهها شاحب بما يكفي ليجعل الجواب أسوأ من أي احتمالات عابرة. لم تبدُ مصدومة من سؤال ليلى. وهذا وحده كان جوابًا أوليًا. قال آدم بهدوء مرهق جدًا: "قوليها." ابتلعت سارة ببطء. ثم نظرت إلى سيلين أولًا، كأنها تعتذر حتى قبل أن تنطق. وقالت: "أنت." سقطت الكلمة فيهم جميعًا. رفعت سيلين حاجبيها، غير مصدقة. "أنا؟" هزت سارة رأسها سريعًا. "لا... ليس أنتِ من طلب. أنتِ من كان الأمر كله يدور حولها." ثم رفعت عينيها إلى آدم. "أنت الذي طلبت مني." الصمت هذه المرة لم يكن صدمة فقط. كان إعادة ترتيب كاملة لكل شيء. قال آدم ببطء: "متى؟" "قبل المشروع. قبل الملفات.
سحب قول سامي الهواء من السطح كله. "الرسالة الأخيرة لم تكن اختبارًا فقط... كانت إشارة بدء." وفي لحظة واحدة، انطفأت رفاهية الوقوف داخل الصدمة العاطفية وحدها. عاد الخطر إلى جسده الحقيقي. درجات السلم. باب السطح. البيت القديم. الرسائل. ليلى. الناس الذين ربما صاروا في الطريق الآن. لكن المدهش أن آدم، بدل أن يتشتت، صار أوضح. نظر أولًا إلى سامي. "كم بالضبط؟" "دقيقتان ونصف تقريبًا إذا كانوا قريبين كما أظن." التفت إلى رُبى. "السيارة الخلفية ما تزال مفتوحة؟" "نعم." ثم نظر إلى سارة. ولأول مرة منذ ظهرت خلف الباب، لم يكن السؤال في عينيه فقط عن الماضي. بل عن الحاضر أيضًا. "هل عندك طريق خروج آخر؟" هزت رأسها. "من السطح الثاني. عبر بيت الجيران القديم. لكنه مقفل من جهة الداخل." قال سامي فورًا: "أقدر أفتحه." أومأ آدم مرة واحدة. ثم حدث الشيء الذي لم يكن متوقعًا وسط كل هذا: نظر إلى سيلين.
وصل صوت الرسالة الجديدة في اللحظة الخطأ تمامًا. أو في اللحظة الصحيحة جدًا، بالطريقة التي تكرهها الحياة حين تكون درامية أكثر مما ينبغي. كان الهاتف القديم في جيب آدم، قريبًا من قلبه بالصدفة، أو ربما لا شيء في هذه القصة بقي صدفة فعلًا. اهتز مرة واحدة، ثم مرة ثانية، كأن اليد التي ترسل تعرف أن الثلاثة الآن على حافة شيء لا يجب أن يكتمل بسهولة. توقفت سيلين قبل أن تصل إلى سارة بخطوة واحدة. ونظر الجميع إلى آدم. لكنّه، للمرة الأولى منذ بداية هذه الرسائل كلها، لم يمد يده فورًا إلى الهاتف. نظر إلى سيلين أولًا. ثم إلى سارة. ثم قال بهدوء ثابت: "ليس الآن." كان في الجملة شيء صغير، لكنه حاسم. كأنّه، فجأة، سحب السلطة من الجهاز نفسه. لن تكون الرسالة التالية أهم من هذه اللحظة، لا مهما كانت. تحركت سيلين أخيرًا. خطوة. ثم ثانية. وكانت تنظر إلى سارة كما لو أنّ المسافة القصيرة بينهما أطول من السنتين اللتين غابت فيهم
انطفأت الإضاءة دفعة واحدة. ليس بشكل تدريجي. ولا على طريقة الأعطال العادية التي تمنحك نصف ثانية لتفهم. فقط: ظلام. ثم صوت سيلين. "آدم!" كان أول ما عاد إليه. ليس الرؤية. ولا الباب. ولا حتى الخوف. صوتها. واضح. قريب. يرتجف أكثر مما يريد أن يُظهر. ومباشر بما يكفي ليعرف مكانه منها حتى وهو لا يرى شيئًا. قال فورًا: "أنا هنا." وفي اللحظة نفسها، مد يده إلى الأمام. فالتقت بأصابعها. بردها. ارتعاشها. ثم انغلقت يدها على يده بقوة فاجأته، كأنها لا تمسكه فقط لتطمئن، بل لتثبّته في العالم نفسه. جاء صوت سامي من الخلف، صارمًا، منخفضًا: "لا أحد يتحرك." ثم رُبى: "رائع. طبعًا. لأن حياتنا كانت ناقصة مشهد رعب كامل." ومن خلف الباب، جاء صوت سارة. أقرب من قبل
دار المقبض من الداخل. لم يكن صوتًا كبيرًا. لكنّه شقّ كل ما تبقى من هواء بين آدم وسيلين. في اللحظة نفسها، رجعت الجملة في رأسه بوضوح لم يعرفه من قبل: "آدم... لا تخليها تفتح الباب." ليس "لا تفتحوا". ولا "لا تدخلوا". هي. لا تخليها تفتح الباب. ارتفعت أنفاسه. وتحرك جسده قبل أن يكمل عقله التذكر. مد ذراعه أمام سيلين تلقائيًا، يحجزها خلفه بنصف خطوة. قالت بصوت مضغوط بالخوف: "آدم..." لكنه لم ينظر إليها. كان يحدق في الباب. وفي يده المفتاح ما يزال داخل القفل. شيء ما في مفاصله برد تمامًا. وشيء آخر، أدفأ وأكثر عنفًا، عاد إلى صدره: شعور قديم، محدد، ومباشر، أنه إن سمح لها أن تكون أول من يواجه ما خلف هذا الباب... سيخسر شيئًا لا يعرف كيف يستعيده أبدًا. انفتح الباب ببطء. سنتيمترًا. ثم أكثر. وظ
ظلّت الصورة على شاشة هاتف سيلين كأنها لا تعرض ماضيًا فقط، بل تصدر حكمًا. هو أمام الباب. سارة خلفه. سيلين أبعد قليلًا. والسطر تحته يضغط على نقطة لم يكن آدم مستعدًا لأن تُلمس بهذه السرعة: "أنت لا تخاف أن تفقدها مجددًا... أنت تخاف لأنك تتذكر من الذي فتح الباب في النهاية." لم يمد يده إلى الهاتف. ولم يطلبه منها. فقط بقي واقفًا، الدفتر مفتوح على الطاولة، والقلم ما يزال بين أصابعه، والجملة الأخيرة التي كتبتها سيلين قبل ثوانٍ تكاد تسخر من التوقيت: "إذا بدا لك الباب أكبر منّا... تذكر أنني سأدخل معك لا قبلك." نظر إلى الصورة. ثم إلى سيلين. ثم عاد إلى الصورة. والخوف في صدره هذه المرة لم يكن من فقدانها في المستقبل. بل من احتمال أن يكون هو نفسه، في الماضي، اليد التي دفعت الباب إلى الفتح. قالت سيلين بصوت منخفض جدًا: "آدم." لم يرد. لكنّه لم يبتعد أ
بقيت الكلمات معلقة في الهواء بعد أن قرأها آدم بصوته الهادئ، ذلك الهدوء نفسه الذي صار يسبق الكوارث بينهما."إذا وصلتك هذه الرسالة، فلا تسمح لسيلين بأن تخبرك الحقيقة بطريقتها... لأنها إن بدأت من البداية، ستبدو بريئة."لم تتحرك سيلين.لم تعرف إن كان الأفضل أن تضحك أو تغضب أو تنتزع الورقة من يده وتحرقه
توقفت أصابع آدم على حافة الظرف المفتوح حين انفتح الباب فجأة دون استئذان، ودخلت امرأة أنيقة في أواخر الخمسينيات بخطوات سريعة ونظرة تفحص المكان كله في ثانية واحدة، وكأنها معتادة على اقتحام الغرف والقرارات معًا. خلفها مباشرة تبعها رجل طويل يحمل باقة ورد مبالغًا في حجمها، ثم شاب ببدلة رسمية يضغط هاتفه
ظلّ صوت التسجيل يرنّ في الغرفة حتى بعد أن انتهت الجملة، كأنه لم يخرج من الهاتف بل من الجدار، من السرير، من الهواء نفسه. سيلين لم تتحرك. يدها بقيت على مقبض الباب، أصابعها مشدودة حوله كأنها لو تركته ستسقط. أما آدم، فكان واقفًا قرب الطاولة، الهاتف في يده، وعيناه لا تتحركان عن وجهها."سيلين كذبت عليّ ف
في تمام السابعة إلا عشر دقائق، كانت سيلين تقف أمام مرآة صغيرة في حمام الطابق الثالث من المستشفى، ترتدي زيًّا أبيض استعارته بعد مفاوضات مشبوهة مع ممرضة مناوبة تدين لها بمعروف قديم وقرار سيئ جديد.حدقت في نفسها طويلًا.ثم رفعت البطاقة البلاستيكية المعلقة على صدرها وقرأت الاسم المكتوب عليها: "سمر الخط







