LOGINفي تمام السابعة إلا عشر دقائق، كانت سيلين تقف أمام مرآة صغيرة في حمام الطابق الثالث من المستشفى، ترتدي زيًّا أبيض استعارته بعد مفاوضات مشبوهة مع ممرضة مناوبة تدين لها بمعروف قديم وقرار سيئ جديد.
حدقت في نفسها طويلًا. ثم رفعت البطاقة البلاستيكية المعلقة على صدرها وقرأت الاسم المكتوب عليها: "سمر الخطيب." تنهدت. "رائع. حتى عندما أتنكر، أبدو كشخص يدفع فواتيره في موعدها." دفعت باب الحمام وخرجت بسرعة وهي تحمل ملفًا فارغًا بين يديها. كان شعرها مربوطًا بشكل مرتب أكثر من المعتاد، وملامحها مضبوطة على تعبير مزيج بين المهنية المصطنعة والثقة الإجرامية. كانت الخطة بسيطة جدًا، ولهذا بدت غبية: بما أن آدم استمع صباحًا إلى تسجيل بصوته يحذره منها، وبما أنه صار ينظر إليها كما لو كانت مؤامرة ترتدي أحمر شفاه، فهي ستدخل اليوم بطريقة لا تترك له فرصة لطردها من الباب. كممرضة. خطت عبر الممر بخفة، تتجنب العيون وتتمسك بالفكرة الأساسية: لا كذب كبير، فقط تمثيل عملي مؤقت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من يوم جديد بدأ وهي في خانة "الخطر المحتمل". حين وصلت إلى باب غرفته، أخذت نفسًا عميقًا، عدلت البطاقة على صدرها، ثم طرقت الباب مرتين ودخلت دون انتظار. كان آدم جالسًا على السرير، يحمل المفكرة بيد، والهاتف بالأخرى، كأنه قاضٍ يستعد لإعادة فتح القضية. رفع رأسه فور دخولها، ومرت لحظة قصيرة جدًا قبل أن تضيق عيناه. "أنتِ." أغلقت الباب خلفها بابتسامة مهنية مبالغ فيها. "صباح الخير، أستاذ آدم. كيف نشعر اليوم؟" حدق فيها ببرود. "نشعر بأن الأمن في هذا المستشفى ضعيف بشكل مقلق." رفعت القلم من فوق الملف الوهمي. "أرى أن الذاكرة قصيرة، لكن التعليقات الوقحة ما زالت ممتازة." "ما الذي ترتدينه؟" نظرت إلى زيها الأبيض، ثم إليه. "زي ممرضة، آدم. لا أظن أن هذا لغز يحتاج إلى فريق تحقيق." "أنتِ لستِ ممرضة." "وأنت لست سهلًا، لكننا نتعامل مع الواقع بما يتوفر." وضع الهاتف جانبًا وأشار إلى البطاقة المعلقة على صدرها. "اسمك سمر؟" نظرت إلى البطاقة، ثم تنحنحت. "في ساعات الدوام، نعم." ظل يحدق فيها. كانت تعرف تلك النظرة. هي ليست مجرد شك. إنها محاولة تفكيك كل شيء أمامه إلى حقائق، وعيوب، وثغرات. بالنسبة لرجل مثله، التنكر ليس مجرد تنكر، بل إهانة مباشرة لمنطقه. اقتربت من السرير وهي تفتح الملف الفارغ كما لو أنها تراجع بياناته. "حسنًا، لنبدأ بالأسئلة الأساسية. هل نمت جيدًا؟" "لا." "هل شعرت بدوار؟" "نعم." "هل ما زلت لا تثق بي؟" "نعم." رفعت نظرها عن الملف. "ممتاز. أحب التعاون الصادق." أغلق المفكرة ببطء ووضعها قربه. "هل انتهينا من لعبتك؟" "هذه ليست لعبة." "امرأة تتنكر كممرضة لتدخل غرفتي بعد أن وجدت تسجيلًا بصوتي يقول لا أثق بها، وتقول إن هذا ليس لعبة؟" فكرت ثانية ثم هزت رأسها. "حسنًا، ربما هو عرض مسرحي صغير، لكن بدافع إنساني." "إنساني؟" "طبعًا. أنت مريض، وأنا..." توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرة عملية، "أكره أن أُمنع من الوصول إلى الأمور التي تخصني." ارتفع حاجبه قليلًا. "الأمور التي تخصك؟" "أقصد الأشخاص." "هذا ليس أفضل." تنهدت سيلين، ثم أغلقت الملف الفارغ وصفقت به بخفة. "طيب. دعنا نجرب الصراحة الجزئية. أنت تستيقظ كل يوم وتعيد تقييم كل شيء. وأنا لا أملك رفاهية أن أبدأ معك من نقطة الصفر دائمًا بينما تمنعني من دخول الغرفة قبل أن أقول اسمي. لذلك... استعرت الزي." "سرقتِ الزي." "استعرت، وسأعيده. السرقة تكون عندما يعجبني الشيء." حدق فيها لثوانٍ، ثم قال: "هذا غير طبيعي." "ما غير الطبيعي؟" "أن تفعلي كل هذا من أجل شخص يفترض أن يكون مجرد صديق." سكنت للحظة، لكنها رفضت أن تمنحه أثر الجملة على وجهها. بدلًا من ذلك، اقتربت أكثر، ورفعت جهاز قياس الحرارة من العربة الصغيرة بجانب السرير كأنها تعمل هنا فعلًا. "افتح فمك." "لا." "آدم." "لن أطيع امرأة ترتدي اسمًا مزيفًا وتحمل ملفًا فارغًا." نظرت إلى الملف، فتحته، ثم أغلقتْه بسرعة. "تفاصيل شكلية." "أنتِ كارثة متنقلة." ابتسمت. "هذا ألطف شيء قلته لي اليوم." "لم يكن مجاملة." "وأنا قبلتها رغمًا عنك." أدار وجهه قليلًا بعيدًا عنها، لكنها لمحت بوضوح تلك الحركة الصغيرة عند زاوية فمه. ليست ابتسامة. ليست تمامًا. لكنها قريبة بما يكفي لتعتبرها نصرًا صغيرًا. وضعت يدها على خاصرتها وقالت بجدية مصطنعة: "حسنًا، بما أنك ترفض التعاون، سأدوّن في الملف أنك مريض عنيد، عدائي، ويشكّل خطرًا على طاقم التمريض." التفت إليها فورًا. "هذا تشهير." "بل تقييم مبدئي." "أنتِ لا تملكين ملفًا أصلًا." "أملك قلمًا، وهذا يكفي أحيانًا." مد يده فجأة وأخذ الملف من يدها قبل أن تتمكن من منعه. فتحه، قلّب الأوراق الفارغة، ثم رفع عينيه إليها ببطء قاتل. "هل كنتِ تنوين تشخيصي بالهواء؟" تجمدت نصف ثانية فقط، ثم رفعت كتفيها. "العلاج النفسي يبدأ من المساحات الفارغة." "غير معقول." "أوافق. وأنا ما زلت هنا." وقبل أن يرد، انفتح الباب ودخلت ممرضة حقيقية تدفع عربة أدوية. توقفت في مكانها فور رؤيتها سيلين. نظرت إلى الزي. ثم إلى البطاقة. ثم إلى الملف. ثم قالت ببطء شديد: "من أنتِ؟" ابتسمت سيلين بسرعة خاطفة. "سمر. التغطية الصباحية." نظرت الممرضة إليها بلا تعبير. "أنا التغطية الصباحية." ساد صمت ثقيل لثانيتين، قبل أن يرفع آدم يده إلى جبهته ويقول ببرود: "أخيرًا، شيء منطقي في هذا اليوم." تقدمت الممرضة الحقيقية خطوة. "هذه ليست منطقة تنكرية." أشارت سيلين إلى آدم مباشرة. "هو يحتاج دعمًا نفسيًا." قال آدم فورًا: "وأنا أحتاج الشرطة." حاولت الممرضة أن تبدو مهنية، لكنها كانت على وشك الضحك أو الصراخ، وسيلين لم تعرف أيهما أسوأ. اقتربت منها بخفة وهمست بسرعة: "أرجوكِ، خمس دقائق فقط. إن طردني الآن سيصبح أكثر غرورًا من المعتاد، وهذا غير صحي للتعافي." نظرت الممرضة إلى آدم ثم إليها. "هل تعرفها؟" أجاب هو قبل أن تفتح سيلين فمها: "للأسف، هذه هي المشكلة." رفعت سيلين إصبعها. "هذا ليس نفيًا." "هذا تحذير." وضعت الممرضة يدها على جبينها. "حسنًا. دقيقتان. وإذا اشتكى المريض، سأبلغ الأمن." ابتسمت سيلين بانتصار. "كنت دائمًا أقول إن القطاع الصحي قائم على الرحمة." "أنا لم أوافق على شيء." قالها آدم بوضوح. "ولذلك أعطتنا دقيقتين فقط، لا أكثر." خرجت الممرضة الحقيقية أخيرًا وهي تهز رأسها، وأغلقت الباب خلفها. استدارت سيلين ببطء، لتجد آدم يحدق فيها كما لو أنها ظاهرة طبيعية عدائية لم تُصنّف بعد. "هل انتهيتِ من إحراج نفسك؟" "على العكس. أنا في أفضل مراحلي." اقتربت من السرير وجلست على الكرسي المقابل. "اسمع، أنا أعلم أن التسجيل أربكك." "أربكني؟" "حسنًا، جعلك تعاملني وكأنني امرأة تحمل قنبلة في حقيبتها." "لا أعرف ما إذا كنتِ لا تحملين." فتحت حقيبتها فورًا، أخرجت منها عبوة عصير، دفترًا صغيرًا، مشبك شعر، وكيسًا من الحلوى. "هل تبدو لك هذه أدوات تهديد؟" نظر إلى الأشياء على السرير. "السكر المفرط تهديد طويل الأمد." أعادت الحلوى إلى الحقيبة. "آدم، بجدية." مال قليلًا إلى الأمام. "بجدية؟ حسنًا. أنتِ تريدين الصراحة؟ أنا لا أفهمك. امرأة تقول إنها صديقتي، ثم أجد تسجيلًا بصوتي أحذر نفسي منها. في اليوم التالي تدخل عليّ متنكرة كممرضة. من الطبيعي أن أفترض الأسوأ." نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بهدوء: "وأنا لو كنت مكانك، لفعلت الشيء نفسه." بدت عليه المفاجأة الخفيفة. "حقًا؟" "نعم. أنت لست مخطئًا في حذرك." أخذت نفسًا قصيرًا. "لكنك أيضًا لا تملك كل الصورة." "إذن أعطيني إياها." سكتت. لا تستطيع. ليس الآن. ليس في الفصل الثالث من هذه الفوضى. لا يمكنها أن تقول له لماذا قد يسجل تحذيرًا منها في منتصف الليل. لا يمكنها أن تشرح الشجار الذي سبق الحادث، ولا الكلمات التي قالتها وهي غاضبة، ولا النظرة التي تركها بها قبل أن يخرج. لو فعلت، قد يخسر ما بدأ يتشكل بينهما قبل أن يبدأ أصلًا. قال آدم ببطء: "ها أنتِ مجددًا. تعرفين شيئًا وتخفينه." "وأنت تعرف عني شيئًا وتخفيه عن نفسك." تضيق عيناه. "ماذا يعني هذا؟" "يعني..." ابتسمت، محاولة تليين شيء لا يلين، "أنك كتبت أمس في المفكرة أنني لست غريبة. هذا لا ينسجم مع رجل يظن أنني خطر كامل." نظر إلى المفكرة، ثم إليها. "ربما كنت أحاول أن أكون موضوعيًا." "وربما شعرت بشيء." "أنتِ تبنين كثيرًا على شعور رجل دماغه في إضراب." ضحكت رغمًا عنها. "هذه أول جملة في اليوم تستحق التدوين." "لا تكتبيها في ملفك الوهمي." "متأخر." مد يده نحو المفكرة، فتحها، ثم قلب الصفحات إلى أن وصل للسطر الذي كتبه بالأمس. قرأه بصمت، ثم بقي ينظر إليه أطول مما توقعت. أخيرًا قال: "أنا لا أفهم لماذا كتبت ذلك." "ولا أنا أفهم لماذا دخلت عليّ وأنا أرتدي زي ممرضة وما زلت تسمح باستمرار الحوار." رفع عينيه إليها. "أنا لا أسمح. أنا أراقب." "مراقبة ممتازة. تقدّم عاطفي ضعيف." "من قال إن هناك تقدّمًا عاطفيًا؟" أشارت إليه بالقلم. "طريقة جلوسك." نظر إلى نفسه بعبوس. "ماذا عن طريقة جلوسي؟" "منذ دخلت، وأنت أقل تصلبًا. في البداية كنت ستستدعي الأمن، والآن تكتفي بإهانتي لفظيًا." "هذا لأنني أكتشفت أن الأمن لن يتحملّك." وضعت يدها على قلبها. "أنت ترى؟ هذا تقريبًا مزاح." "لا." "لكنه اقترب." قبل أن يجيب، دخل الطبيب هذه المرة، توقف عند الباب، ونظر أولًا إلى آدم، ثم إلى سيلين، ثم إلى الزي الأبيض، ثم عاد ببصره إلى آدم. "هل فاتني شيء؟" قال آدم ببرود: "تعرضت لاقتحام طبي مزيف." رفعت سيلين إصبعها. "مزيف إداريًا فقط، أما النية فنبيلة." زفر الطبيب طويلًا. "الآنسة سيلين..." "أنا في دور سمر حاليًا." "لا يهم." قالها بحزم لطيف. "خداع المريض ليس فكرة جيدة." التفتت إليه مباشرة. "وأنا لا أخدعه." "أنت ترتدين زي ممرضة." "هذا تكتيك دخول، لا تكتيك كذب." أغلق الطبيب عينيه لثانية، كأنه يراجع خيارات حياته، بينما سأل آدم فجأة: "هل هي هكذا كل يوم؟" أجاب الطبيب قبلها: "منذ يومين فقط، لكنها... ثابتة الحضور." ابتسمت سيلين بانتصار طفولي. "سمعت؟ ثابتة الحضور. هذه صفة محترمة." "تشبه الطفح الجلدي." قال آدم. "طفح جذاب، إذن." تدخل الطبيب بسرعة قبل أن يتحول الحوار إلى معركة عبثية كاملة. "آدم، نحتاج أن نراقب استجابتك للتوتر والمحفزات الاجتماعية. لذلك، بصراحة..." نظر إلى سيلين. "رغم أنني لا أوافق على الطريقة، وجودها قد يكون مفيدًا إن كنت قادرًا على تحمّل الأمر." التفت آدم ببطء إلى الطبيب. "هل تقول إن هذه الفوضى علاج؟" "أقول إنها واقعك الحالي." ابتسمت سيلين فورًا. "هل سمعت؟ أنا علاج." "أنتِ عرض جانبي مزعج." "لكنني باقية." نظر إليها نظرة طويلة، ثم قال: "بأي صفة؟" توقفت. السؤال بدا أبسط من اللازم، لكنه أصاب شيئًا حساسًا فيها. صديقة؟ هو لا يصدق. ممرضة؟ لقد فشلت هذه المسرحية رسميًا. غريبة؟ هذه الكلمة وحدها كانت كافية لتمزيقها. قالت أخيرًا، بنبرة أخف من المعتاد: "بالصفة التي لا تفهمها الآن." سكنت الغرفة لحظة. حتى الطبيب لم يتدخل. أما آدم فظل ينظر إليها بطريقة مختلفة قليلًا. أقل عدائية، وأكثر حذرًا. وكأن الجملة لم تقنعه، لكنها منعتْه أيضًا من دفعها إلى الخارج كما كان يريد. قال الطبيب بعد لحظة: "سأعود لاحقًا." ثم أضاف وهو ينظر إلى سيلين: "وأنتِ... أعيدي الزي." "كنت أنوي ذلك أصلًا." "لا، لم تكوني." "صحيح، لكنني أحب المرونة." خرج الطبيب أخيرًا. ومرّت بضع ثوانٍ صامتة، قبل أن تمد سيلين يدها وتفك البطاقة البلاستيكية من عنقها. وضعتها على الطاولة، ثم نزعت الغطاء الأبيض عن كتفيها وبقيت بملابسها العادية تحت الزي، كما لو أنها تتخلى عن الخدعة كلها دفعة واحدة. "ها." قالت وهي ترمي الزي على الكرسي. "راضية الآن، أيها المواطن القلِق؟" نظر إليها، ثم إلى الكرسي، ثم قال بجفاف: "تبدين أقل تهديدًا هكذا." "هذه ليست مجاملة أيضًا، أليس كذلك؟" "لا." "أحب فيك الثبات." وقفت، التقطت الحقيبة، ثم تقدمت نحو الباب. كان يجب أن تبقى. يجب أن تحارب أكثر. لكن شيئًا فيها فهم أن هذا اليوم ليس يوم الانتصارات الكبيرة. هذا يوم اختراق صغير فقط. يوم تُثبت فيه أنها قادرة على العودة، وعلى إرباكه، وعلى جعله يتوقف عن النظر إليها كخطر مطلق. وضعت يدها على المقبض. "سيلين." استدارت فورًا. كان ينظر إلى الطاولة، إلى البطاقة التي تحمل اسم "سمر"، وإلى المفكرة، وإلى الزي الأبيض الملقى على الكرسي كدليل إدانة مضحك. ثم رفع عينيه إليها وقال: "أنتِ لستِ صديقتي." شعرت بالجملة كصفعة ثانية، وإن كانت متوقعة هذه المرة. لكنها رفعت حاجبها فقط وقالت: "بما أنك فقدت ذاكرتك، سأسمح لك بهذا الخطأ مؤقتًا." هز رأسه قليلًا، كأنها مرهقة حتى لصبره المحدود. "أنا جاد." اقتربت خطوة من الباب دون أن تفتحه. "وأنا أكثر." "أنا لا أعرفك." "ستفعل." "وأرفض أن أثق بك الآن." ابتسمت، ببطء، بعناد واضح. "إذن غدًا سأجرب طريقة أسوأ." لأول مرة منذ دخلت، ظهر شيء خاطف جدًا في عينيه. شيء بين الاستغراب والتحذير والفضول. "أسوأ؟" مالت برأسها وقالت بنبرة مرحة خبيثة: "اليوم دخلت كممرضة. غدًا... لم أقرر بعد. لكن كن مستعدًا." فتحت الباب أخيرًا، وكادت تخرج، قبل أن يوقفها صوته مرة أخرى. "سيلين." التفتت إليه من جديد، وهذه المرة كان صوته أخفض. "إذا كنتُ قد حذرت نفسي منك..." قال ببطء، "فلماذا أشعر أنني خائف أكثر من فكرة ابتعادك، لا من بقائك؟" توقفت أنفاسها. ولم تمنحها الصدمة وقتًا للرد، لأن الهاتف الموضوع على الطاولة اهتز في اللحظة نفسها، وظهر على الشاشة تنبيه جديد من تطبيق التسجيلات. تقدم آدم بسرعة، فتحه، وإذا بتسجيل آخر لم يُشغّل بعد، مؤرخ قبل الحادث بثلاث دقائق فقط. رفع بصره إليها، ثم ضغط تشغيل. وخرج صوته من السماعة، متوترًا هذه المرة على نحو لم تسمعه سيلين منه من قبل: "إذا سمعت هذا، فاعرف شيئًا واحدًا... سيلين كذبت عليّ في الأمر الوحيد الذي كان يجب ألا تكذب فيه أبدًا."تجمّد الهواء بعد صوت ليلى. "مبروك على الاعتراف. الآن أخبره يا سارة... من الذي طلب منكِ أن تدعيه يحب سيلين أول مرة." لم يتحرك أحد لثانية. ثم التفتت كل العيون إلى سارة. وقفت عند الباب الثاني، ويدها على الإطار المعدني، ووجهها شاحب بما يكفي ليجعل الجواب أسوأ من أي احتمالات عابرة. لم تبدُ مصدومة من سؤال ليلى. وهذا وحده كان جوابًا أوليًا. قال آدم بهدوء مرهق جدًا: "قوليها." ابتلعت سارة ببطء. ثم نظرت إلى سيلين أولًا، كأنها تعتذر حتى قبل أن تنطق. وقالت: "أنت." سقطت الكلمة فيهم جميعًا. رفعت سيلين حاجبيها، غير مصدقة. "أنا؟" هزت سارة رأسها سريعًا. "لا... ليس أنتِ من طلب. أنتِ من كان الأمر كله يدور حولها." ثم رفعت عينيها إلى آدم. "أنت الذي طلبت مني." الصمت هذه المرة لم يكن صدمة فقط. كان إعادة ترتيب كاملة لكل شيء. قال آدم ببطء: "متى؟" "قبل المشروع. قبل الملفات.
سحب قول سامي الهواء من السطح كله. "الرسالة الأخيرة لم تكن اختبارًا فقط... كانت إشارة بدء." وفي لحظة واحدة، انطفأت رفاهية الوقوف داخل الصدمة العاطفية وحدها. عاد الخطر إلى جسده الحقيقي. درجات السلم. باب السطح. البيت القديم. الرسائل. ليلى. الناس الذين ربما صاروا في الطريق الآن. لكن المدهش أن آدم، بدل أن يتشتت، صار أوضح. نظر أولًا إلى سامي. "كم بالضبط؟" "دقيقتان ونصف تقريبًا إذا كانوا قريبين كما أظن." التفت إلى رُبى. "السيارة الخلفية ما تزال مفتوحة؟" "نعم." ثم نظر إلى سارة. ولأول مرة منذ ظهرت خلف الباب، لم يكن السؤال في عينيه فقط عن الماضي. بل عن الحاضر أيضًا. "هل عندك طريق خروج آخر؟" هزت رأسها. "من السطح الثاني. عبر بيت الجيران القديم. لكنه مقفل من جهة الداخل." قال سامي فورًا: "أقدر أفتحه." أومأ آدم مرة واحدة. ثم حدث الشيء الذي لم يكن متوقعًا وسط كل هذا: نظر إلى سيلين.
وصل صوت الرسالة الجديدة في اللحظة الخطأ تمامًا. أو في اللحظة الصحيحة جدًا، بالطريقة التي تكرهها الحياة حين تكون درامية أكثر مما ينبغي. كان الهاتف القديم في جيب آدم، قريبًا من قلبه بالصدفة، أو ربما لا شيء في هذه القصة بقي صدفة فعلًا. اهتز مرة واحدة، ثم مرة ثانية، كأن اليد التي ترسل تعرف أن الثلاثة الآن على حافة شيء لا يجب أن يكتمل بسهولة. توقفت سيلين قبل أن تصل إلى سارة بخطوة واحدة. ونظر الجميع إلى آدم. لكنّه، للمرة الأولى منذ بداية هذه الرسائل كلها، لم يمد يده فورًا إلى الهاتف. نظر إلى سيلين أولًا. ثم إلى سارة. ثم قال بهدوء ثابت: "ليس الآن." كان في الجملة شيء صغير، لكنه حاسم. كأنّه، فجأة، سحب السلطة من الجهاز نفسه. لن تكون الرسالة التالية أهم من هذه اللحظة، لا مهما كانت. تحركت سيلين أخيرًا. خطوة. ثم ثانية. وكانت تنظر إلى سارة كما لو أنّ المسافة القصيرة بينهما أطول من السنتين اللتين غابت فيهم
انطفأت الإضاءة دفعة واحدة. ليس بشكل تدريجي. ولا على طريقة الأعطال العادية التي تمنحك نصف ثانية لتفهم. فقط: ظلام. ثم صوت سيلين. "آدم!" كان أول ما عاد إليه. ليس الرؤية. ولا الباب. ولا حتى الخوف. صوتها. واضح. قريب. يرتجف أكثر مما يريد أن يُظهر. ومباشر بما يكفي ليعرف مكانه منها حتى وهو لا يرى شيئًا. قال فورًا: "أنا هنا." وفي اللحظة نفسها، مد يده إلى الأمام. فالتقت بأصابعها. بردها. ارتعاشها. ثم انغلقت يدها على يده بقوة فاجأته، كأنها لا تمسكه فقط لتطمئن، بل لتثبّته في العالم نفسه. جاء صوت سامي من الخلف، صارمًا، منخفضًا: "لا أحد يتحرك." ثم رُبى: "رائع. طبعًا. لأن حياتنا كانت ناقصة مشهد رعب كامل." ومن خلف الباب، جاء صوت سارة. أقرب من قبل
دار المقبض من الداخل. لم يكن صوتًا كبيرًا. لكنّه شقّ كل ما تبقى من هواء بين آدم وسيلين. في اللحظة نفسها، رجعت الجملة في رأسه بوضوح لم يعرفه من قبل: "آدم... لا تخليها تفتح الباب." ليس "لا تفتحوا". ولا "لا تدخلوا". هي. لا تخليها تفتح الباب. ارتفعت أنفاسه. وتحرك جسده قبل أن يكمل عقله التذكر. مد ذراعه أمام سيلين تلقائيًا، يحجزها خلفه بنصف خطوة. قالت بصوت مضغوط بالخوف: "آدم..." لكنه لم ينظر إليها. كان يحدق في الباب. وفي يده المفتاح ما يزال داخل القفل. شيء ما في مفاصله برد تمامًا. وشيء آخر، أدفأ وأكثر عنفًا، عاد إلى صدره: شعور قديم، محدد، ومباشر، أنه إن سمح لها أن تكون أول من يواجه ما خلف هذا الباب... سيخسر شيئًا لا يعرف كيف يستعيده أبدًا. انفتح الباب ببطء. سنتيمترًا. ثم أكثر. وظ
ظلّت الصورة على شاشة هاتف سيلين كأنها لا تعرض ماضيًا فقط، بل تصدر حكمًا. هو أمام الباب. سارة خلفه. سيلين أبعد قليلًا. والسطر تحته يضغط على نقطة لم يكن آدم مستعدًا لأن تُلمس بهذه السرعة: "أنت لا تخاف أن تفقدها مجددًا... أنت تخاف لأنك تتذكر من الذي فتح الباب في النهاية." لم يمد يده إلى الهاتف. ولم يطلبه منها. فقط بقي واقفًا، الدفتر مفتوح على الطاولة، والقلم ما يزال بين أصابعه، والجملة الأخيرة التي كتبتها سيلين قبل ثوانٍ تكاد تسخر من التوقيت: "إذا بدا لك الباب أكبر منّا... تذكر أنني سأدخل معك لا قبلك." نظر إلى الصورة. ثم إلى سيلين. ثم عاد إلى الصورة. والخوف في صدره هذه المرة لم يكن من فقدانها في المستقبل. بل من احتمال أن يكون هو نفسه، في الماضي، اليد التي دفعت الباب إلى الفتح. قالت سيلين بصوت منخفض جدًا: "آدم." لم يرد. لكنّه لم يبتعد أ
ارتجفت الصورة على الشاشة للحظة، ثم استقرت على وجه آدم الآخر، نسخة الليلة السابقة منه، الشاحب، المتوتر، والمشبّع بغضب مكتوم لا يشبه بروده الحالي تمامًا، بل يبدو أسوأ لأنه أكثر صدقًا."إذا كانت سيلين ما زالت عندك، فهذا يعني أنها لم تعترف بالجزء الأسوأ بعد."انقطع نفس سيلين.أما آدم الجالس أمام الشاشة
بقيت الكلمات معلقة في الهواء بعد أن قرأها آدم بصوته الهادئ، ذلك الهدوء نفسه الذي صار يسبق الكوارث بينهما."إذا وصلتك هذه الرسالة، فلا تسمح لسيلين بأن تخبرك الحقيقة بطريقتها... لأنها إن بدأت من البداية، ستبدو بريئة."لم تتحرك سيلين.لم تعرف إن كان الأفضل أن تضحك أو تغضب أو تنتزع الورقة من يده وتحرقه
توقفت أصابع آدم على حافة الظرف المفتوح حين انفتح الباب فجأة دون استئذان، ودخلت امرأة أنيقة في أواخر الخمسينيات بخطوات سريعة ونظرة تفحص المكان كله في ثانية واحدة، وكأنها معتادة على اقتحام الغرف والقرارات معًا. خلفها مباشرة تبعها رجل طويل يحمل باقة ورد مبالغًا في حجمها، ثم شاب ببدلة رسمية يضغط هاتفه
ظلّ صوت التسجيل يرنّ في الغرفة حتى بعد أن انتهت الجملة، كأنه لم يخرج من الهاتف بل من الجدار، من السرير، من الهواء نفسه. سيلين لم تتحرك. يدها بقيت على مقبض الباب، أصابعها مشدودة حوله كأنها لو تركته ستسقط. أما آدم، فكان واقفًا قرب الطاولة، الهاتف في يده، وعيناه لا تتحركان عن وجهها."سيلين كذبت عليّ ف







